

ليلى سماتي
كسرت الحواجز في الإعلام الرياضي، وحافظت على جرأة الرأي ومهنية الأداء في مسيرة عربية طويلة ومؤثرة.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 308–315
ليلى سماتي، إعلامية رياضية ومن أوائل النساء اللاتي خضن تجربة التعليق الرياضي التلفزيوني، ومن مؤسسات قناة الجزيرة الرياضية.
الرياضة تصنع البدايات
ولدت بمدينة بجاية الجزائرية، وعاشت طفولة جميلة ومستقرة بالجزائر العاصمة وسط عائلتها المكونة من ولدين وأربع بنات، وهي الثالثة من بينهن، وسط هذه العائلة شابهت حياتها بطلات القصص الخيالية حيث شعرت بالحب والجمال الطبيعي من حولها. تستيقظ كل صباح على زقزقة العصافير، وتفتح نافذة غرفتها لتطل على الحديقة الجميلة المليئة بأنواع مختلفة من الأشجار والفواكه والزهور الفواحة. ساعدت وأخواتها والدهن المهندس الزراعي في زراعة هذه الحديقة الجميلة، هذا النشاط جعل تحب الطبيعة ورائحة التربة، وتكون شغوفة بالزراعة.
إلى جانب ذلك عاشت طفولة مسؤولة ومستقلة، فكثيرًا ما ساعدت والدتها في الطبخ وشؤون المنزل، واجتهدت في دراستها وحب مساعدة الآخرين.
بيت ظل مليئًا بالحب والاستقرار وبتلاوة القرآن أيضًا، إذ حرص والدها وجدها على تعليم البنات قراءة القرآن منذ صغرهن لينثرن نوره في قلوبهن، وينير دروبهن المظلمة. كان والدها يهتم بتنمية شخصيات بناته روحيًا وجسديًا وعقليًا، ينظم لهن جدولًا زمنيًا لتوزيع يومهن بين حفظ القرآن والقراءة وممارسة الرياضة والاستمتاع بالبحر والمخيمات الكشفية في الصيف، هذا الاهتمام جعل العلاقة بين الأب وبناته علاقة وثيقة، وترك أثرًا عميقًا فيها التي تستمتع بقضاء وقت ممتع مع والدها ومشاهدة المباريات الرياضية معه، ورغم المخاطر المحتملة في هذه الرحلات إلا أن حب استكشاف الطبيعة جعلها تتحدى كل الصعاب.
دراسة ترافق الموهبة
منذ بداية المسيرة التعليمية، كانت طالبة متفوقة رافقها التميز على مدار رحلتها في تحصيل العلم. ورغم أنها درست في مدارس حكومية، إلا أنها تلقت تعليمها على أيدي مجموعة من المعلمين الأجلاء الذين وضعوها على المسار الصحيح وأسهموا في تكوينها تكوينًا أكاديميًا متكاملًا.
بعد الحصول على الثانوية العامة «البكالوريا»، كان التخصص الذي ستختاره واضحًا وضوح الشمس، فلم تتردد لوهلة لاختيار التخصص الإعلامي الذي كانت تطمح له منذ سن الخامسة. لقيت التشجيع الكبير من والديها -رحمهما الله- رغم أن والدها كان يأمل أن تتخصص ابنته في الشؤون الدبلوماسية.
نشاط رياضي وموهبة استثنائية
مارست كثيرًا من الرياضات في وقت مبكر من حياتها، من بينها ألعاب القوى والجمباز والسباحة وكرة اليد، قبل أن تستقر على الكرة الطائرة التي استمرت بها، وانضمت للمنتخب الجزائري، ورفعت راية بلدها في المحافل الرياضية العالمية.
ورغم تعرض للعديد من الإصابات في إطار نشاطها الرياضي، إلا أن ذلك لم يحبطها قط، بل جعلها شخصية أقوى وأكثر قدرة على التحدي وتجاوز الصعوبات.
بداية المسيرة الإعلامية مع التلفزيون الجزائري
بدأت مسيرتها الإعلامية في الجزائر عام 1990 م، بعد أن انضمت للتلفزيون الجزائري في سن الثامنة عشرة، وكانت التجربة محفوفة بالشغف استمرت ست سنوات. تركت خلالها بصمة مميزة، واكتسبت خلالها خبرة واسعة من خلال مشاركتها في العديد من التربصات والمعسكرات مع العديد من المؤسسات الإعلامية المعروفة في فرنسا، التي أسهمت في تطوير قدرتها وتكوين شخصيتها الإعلامية.
ورغم صغر سنها إلا أنها حازت ثقة المسؤولين، وأوكلت لها العديد من المهمات الكبرى، فغطت الألعاب البحرية المتوسطية مرتين، وغطت الألعاب الأولمبية، وكأس العالم لكرة الطائرة، وكأس إفريقيا لكرة القدم، وقدمت خلال فترة عملها في التلفزيون الجزائري العديد من البرامج الرياضية المهمة من بينها «أرقام وتعاليق».
كانت مسيرتها سلسة ميسرة بفضل الكفاءة والاجتهاد والإتقان والشغف، فالإعلام لم يكن وظيفة ولا مهمة رسمية، إنما كان حبًا وشغفًا وعطاءً دون حدود.
إلى الجزيرة الإخبارية
سنة 1996 م شهدت مسيرتها منعرجًا مهمًا، بعد أن حصلت على فرصة للعمل في الجزيرة الإخبارية بدولة قطر وذلك بترشيح من سعد الرميحي ومباركة من أيمن جادة الذي كانت قد التقته قبل ذلك في الألعاب الأولمبية أطلنطا 1996، وكان يراقبها ويقيم كفاءتها لمدة أسبوع. بعدها أعلمها أنها تستحق أن تكون ضمن فريق القناة الناشئة. كان تحديًا كبيرًا أن تطل عبر نافذة الجزيرة الإخبارية وتكون الجزيرة بوابتها للعبور للوطن العربي.
ترى في عدد من الشخصيات القطرية نجومًا في سماء شهرتها، من بينهم الإعلامي خالد جاسم، والأب الروحي سعد الرميحي، وزميلتها الإعلامية القطرية الدكتورة إلهام البدر، وهو ما جعلها تنسجم في أجواء العمل وتشعر أن الشبكة ليست مجرد مكان للعمل، بل عائلتها الثانية بعد عائلتها في الجزائر. زاد ثراؤها العلمي وخبراتها من خلال الاحتكاك مع عمالقة الإعلام الذين اجتمعوا تحت سقف الجزيرة، من بينهم جميل عازر وأيمن جادة، فكانت تتعلم من كل شخص شيئًا مميزًا وصنعت شخصيتها الرياضية المتميزة.
تأسيس الجزيرة الرياضية: نجمة بي إن سبورتس
لم يكن من المستغرب أن ترشح لتكون ضمن فريق التأسيس لقناة الجزيرة الرياضية نظرًا لخبرتها وكفاءتها، فبعد قضاء سبع سنوات في الجزيرة الإخبارية، أوكلت لها مهمة المشاركة في تأسيس القناة الجديدة سنة 2002 م مع أيمن جادة وطلال العطية، وانضم للفريق ناصر الخليفي ويوسف العبيدلي.
سنة 2003 م أطلقت القناة لتطل عبر شاشتها وتقدم مختلف أنواع البرامج، لا سيما البرامج الوثائقية التي كانت على درجة عالية من الأهمية وحصلت على جوائز دولية، منها مهرجان طهران بفضل الجهود التي بذلتها للتعريف بجهود المرأة الإيرانية في المجال الرياضي، وقدمت برنامج «المرأة الخليجية بين العرف والدين».
لم ترض بتقديم الأشياء الكلاسيكية والروتينية، بل كانت تحاول دائمًا التجديد والظهور من خلال أفكار رائدة، ساعدتها شخصيتها القوية على طرح العديد من المواضيع الجريئة والقوية واستمرت في العمل بالجزيرة الرياضية، حتى تحولت إلى (بي. إن. سبورتس) سنة 2014 م لتواصل من خلالها العطاء والإنجاز.
التدريب
خاضت تجربة التدريب، ونقلت عصارة تجربتها الثرية لجيل جديد من الإعلاميين، وشدت على أيديهم وقادتهم إلى طريق النجاح ليخطوا بعد ذلك طريقهم بخطوات ناجحة وثابتة.
ومن بين الشباب الذين تفخر بدعمهم وتدريبهم الإعلامي محمد سعد الكواري، والإعلامي سعد العتيبي معلق سباق الهجن، والإعلامي سعد الهديفي، وفيصل عبد الله، والعديد من الأسماء الشابة التي أصبح لها شأن في الساحة الإعلامية الرياضية حاليًا. مهدت الطريق أمام جيل كامل من الإعلاميات النساء اللواتي سرن على خطاها.
جهود لخدمة الرياضة في قطر
بالإضافة إلى نشاطها الإعلامي المميز، كان للسيدة إسهامات رياضية أخرى، فأسهمت في تأسيس اتحاد الدراجات الهوائية، وأسهمت في تأسيس رياضة الفتاة في دولة قطر تحت إشراف صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وكان لها لقاءات عديدة معها عام 2000 م. وكانت تلك الفترة من أكثر الفترات إنجازًا وازدهارًا، مليئة بالذكريات الجميلة التي لا تنسى والتحديات الكبيرة، فكانت مهمة نشر الرياضة النسائية في غاية الصعوبة بسبب العادات القطرية المحافظة.
رياضة وإعلام في سجل واحد
على مدار مسيرتها الإعلامية، غطت العديد من الفعاليات والأحداث الرياضية الكبرى وقابلت أهم النجوم الرياضيين من نجوم كرة القدم والتنس، إذ شهدت تسعينيات القرن الماضي اهتمامًا كبيرًا بالشأن الرياضي في دولة قطر.
في سنة 2000 م غطت ألعاب بوسان مع اللجنة الأولمبية القطرية التي ترأسها آنذاك صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووقتها فازت قطر باستضافة الألعاب الآسيوية 2006 م، وأسهمت في الترويج للجنة الفتاة القطرية التي كانت ترأسها أحلام المانع في ذلك الوقت، وأسهمت في تحضير برنامج «الطريق إلى الدوحة 2006».
وقد أصبح هذا البرنامج إرثًا إعلاميًا ومنوالًا ينسج عليه، وحصلت على جائزة أفضل برنامج من مجلة الصقر سنة 2006 م، إذ كان البرنامج شاملًا، وحاز إقبالًا كبيرًا من الجمهور.
قدمت برنامج «كاونت داون» للاستعداد لإطلاق الألعاب الآسيوية وأيضًا برنامج «ألوان الرياضة» الذي شمل 39 نوعًا من الرياضات، وحصل البرنامج على اهتمام كبير. رافقت سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني في مسيرة الشعلة، وغطت كل هذه المراحل، لم تكن التغطية حصرية للجزيرة الرياضية، بل كانت المصدر الإعلامي الموثوق لمختلف المحطات الإعلامية لتغطية الحدث، وكانت تتعاون مع الجميع وأسهمت في إعطاء زخم كبير للألعاب الآسيوية حتى إن المجلس الآسيوي كرمها بميدالية التفوق الذهبي. من بين الإنجازات التي تفتخر بها تغطية بطولة العالم لكرة الطاولة سنة 2004 م.
واشتهرت بتقديمها برامج مميزة تطغى عليها روح المغامرة، فكانت تغطي الأحداث الرياضية من زوايا مختلفة وجديدة، وحرصت في مختلف البرامج على التعريف بثقافة البلد والأماكن السياحية الجميلة والمتميزة. وبعد ذلك سار كثيرون على نهجها في نوعية البرامج، وهو ما تعد إنجازًا في حد ذاته لأنها رسمت خريطة الطريق لمن ساروا على نهجها.
تقدير لمسيرة عابرة للشاشات
حصلت على العديد من الجوائز لعملها مع تلفزيون الجزائر في بلدان عدة، من بينها المغرب وتونس ومصر، وحصدت بعد العمل في الجزيرة الرياضية سلسلة من الجوائز المهمة أهمها:
جائزة أفضل برنامج في مجلة الصقر سنة 2006 م لبرنامج «الطريق إلى الدوحة 2006».
ميدالية التفوق الذهبي من المجلس الآسيوي لتغطيتها للألعاب الآسيوية 2006.
جائزة أفضل برنامج وثائقي من مهرجان طهران لبرنامج «المرأة الإيرانية في المجال الرياضي».
جائزة أفضل مذيعة رياضية من مجلة الرياضة العربية سنة 2010 م.