لطيفة النعيمي
دليل الشخصيات ←

لطيفة النعيمي

سبقت زمنها في البحث البيئي، وجعلت من التعليم والمعرفة مسؤوليةً تمتد إلى قضايا المياه والاستدامة.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 302–307

لطيفة شاهين النعيمي، عضو هيئة تدريس بجامعة قطر ومديرة مشروع البساط الأخضر، وباحثة في قضايا المياه والبيئة والاستدامة.

فضول علمي في بيت داعم

ولدت وترعرعت في منطقة المرقاب القديم وسط عائلة قطرية تقليدية متكونة من أبوين وأربعة إخوة وثلاث أخوات، وجدت في العائلة حاضنة للثقافة والعلم ومنبعًا للحنان والاهتمام ومصدرًا للدعم والإلهام، وهو ما جعلها تتمتع بشخصية قوية مميزة يصعب التأثير عليها، صاحبة ذكاء حاد ومخيلة واسعة، إضافة إلى قدرة كبيرة على التعبير عن رأيها وفكرها، وهو ما جعلها تحظى بمعاملة مميزة من معلماتها لا سيما معلمة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية فايدة البرغوثي التي تنبأت لها بمستقبل باهر، وأن تصبح كاتبة، هذا التشجيع جعلها أكثر نهمًا للقراءة فكانت تلتهم كل ما يقع بين يديها من كتب في مختلف المجالات، حتى الكتب التي لم تفهم محتواها بسبب تعقيدها ولأنها لا تتناسب مع عمرها، كما وجدت لنفسها قدوة منذ الطفولة ورسمت صورة لشخصيتها البالغة في المستقبل من خلال تأثرها بمعلماتها اللواتي ألهمنها ورسمن معالم شخصية ودودة متفهمة تحب الإتقان والانضباط والالتزام، ساعدها تميزها وتفوقها الأكاديمي لا سيما في الإنجليزية والحساب على تعزيز مكانتها لدى مدرساتها.

استفادت من أسلوب التعليم الفريد والمسلي الذي تلقته في مراحل تعليمها الأولى بعد ذلك في تجربتها في التدريس.

الجيولوجيا تفتح باب البحث

لطالما حلمت أن تتخصص في جراحة المخ والأعصاب وهو تخصص لم يكن متوفرًا في دولة قطر آنذاك وقد رفضت العائلة سفرها للدراسة في الخارج بشكل قاطع، ورغم أن قرار العائلة وقف عائقًا أمام حلم الشابة الطموحة إلا أنها لم تستسلم وحاولت إيجاد تخصص قريب مما كانت تطمح له فاختارت علم الجيولوجيا-كيمياء الذي أرضى شغفها، فحافظت على تميزها الأكاديمي في المرحلة الجامعية، وتأثرت بعدد من المواقف خلال هذه المرحلة المهمة، إذ حرصت على التعبير عن مواقفها وآرائها بكل صراحة، كانت لا تجد حرجًا في مخالفة الدكاترة آراءهم، وفي إحدى المرات دخلت في نقاش مع الدكتور سعيد الحفار وعبرت عن رفضها لعملية دفن البحر لإقامة منشآت فوقه، وأعجب الدكتور بإصرارها وتشبثها بموقفها.

تأثرت كذلك بشخصية العديد من الدكاترة الذين لم يقتصر دورهم على الجانب الأكاديمي، بل كانوا قدوة لها وأسهموا بشكل كبير في صقل شخصيتها وتحديد توجهاتها العملية.

خلال دراستها الجامعية في تخصص الكيمياء تعرضت لحادث خلال إحدى المحاضرات العملية في المختبر إذ سحبت بيكربونات البوتاسيوم إلى فمها فتيبس لسانها، وعندها تدخل الدكتور لتخفيف تركيز المادة الكيميائية وإنقاذ الموقف. تسبب لها هذا الموقف في صدمة كبيرة، وقررت بعده الانتقال من الكيمياء إلى علوم البحار بعد أن درست أكثر من عشرين ساعة في هذا التخصص، وقد لقيت متعة كبيرة في التخصص الجديد نظرًا لارتباطه بالبحر والأرض.

الوظيفة الأولى في البترول وتغير المسار للتدريس بعد الارتباط

منذ بداية حياتها، كانت ترغب في فعل أشياء خارج الصندوق وأن تعمل في مجال جديد، كانت تحلم بالعمل بالكشف عن النفط، ورغم أنها حصلت على فرصة للعمل كمعيدة في الجامعة إلا أنها رفضت العمل في مجال التعليم واختارت العمل في البترول مثل أخيها وخالها اللذين يعملان في العمليات البحرية في قطر للبترول، فكانت أول مهندسة بترول قطرية، لكن مسارها المهني تغير بعد أن خطبت في الثمانينيات ورفض زوجها طبيعة عملها بسبب توقيته وفكرت في وقت ما في رفض الزواج، ثم قبلت شروط زوجها وغيرت وظيفتها وعملت بالتدريس في مدرسة الغرافة الابتدائية ثم مدرسة سكينة الإعدادية وانتقلت بعدها لمدرسة أروى الثانوية، وفي الوقت نفسه سجلت للالتحاق بالماجستير، وكانت ترغب في تخصص المياه الجوفية نظرًا لاهتمامها بالكشف عن المياه الجوفية بالطرق الجيوفيزيائية.

الماجستير والعمل في أشغال

خلال فترة عملها في المدرسة الثانوية، كانت شعلة متقدة من النشاط والحماس حتى إنها كانت تأخذ جميع حصص الاحتياط في المدرسة، كما ربطتها علاقة وطيدة بالطلبة إذ كانت قريبة من طالباتها، وتنصحهن ويستشرنها فيما يتعلق بالدراسة وأيضا في حياتهن الخاصة، هذه العلاقة القوية بين المدرسة وطالباتها أثارت حفيظة المديرة التي كانت تضايق بشكل متواصل، وهو ما جعلها تقرر الاستقالة من وزارة التربية، لكن زوجها شجعها على تحقيق طموحاتها، ونصحها بدراسة الماجستير، وبالفعل قدمت للحصول على ماجستير في «الهيدروجيولوجيا»، وحصلت عليه، وهو ما ساعدها في الحصول على فرصة للعمل في إدارة الهندسة المدنية بقسم المياه الجوفية بأشغال، ولاحظت خلال هذه المرحلة وجود كميات كبيرة من المياه المهدرة، وحاولت التنسيق بين أشغال والبحوث الزراعية لحل المعضلة، لكنها لم تتمكن من ذلك لأن البحوث الزراعية تتطلب وقتًا وجهدًا، واقترحت تجميع المياه المهدرة في تكوين نهر تستفيد منه جميع الأراضي في الدولة، ويغير شكل البلد إلى بلد أخضر وزراعي من أقصى الشمال لأقصى الجنوب. وبالتوازي مع عملها في أشغال سجلت في الدكتوراه، وحصلت عليها سنة 1994.

دعم من العائلة والزوج

وجدت دعمًا كبيرًا في مسيرتها التعليمية والعملية من والدتها وزوجها الذي كان يهتم بالأبناء، وحصل على تفرغ من عمله لرعاية أبنائه خلال دراستها الماجستير، وكان له دور كبير وأساسي وأهدته رسالتها في الماجستير والدكتوراه.

الدكتوراه في استخدام المياه المهدرة في البحر

في رسالة الدكتوراه في مصر كانت مصرة أن تكون المناقشة علنية بحضور طلبة قسم الجيولوجيا لتغيير بعض الصور النمطية عن المرأة الخليجية ودحض بعض الشائعات بخصوص اعتماد معظم الخليجين على المال للحصول على شهادات مرموقة وكانت شرسة في المناقشة ومن بين النقاط التي ركزت عليها في رسالتها أن الدوحة تسبح فوق بركة من المياه العذبة، عند العودة إلى أرض الوطن هنأتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

التعليم الجامعي

عندما قدمت للالتحاق بهيئة التدريس بجامعة قطر سئلت عن سبب الانتقال الكثير في محطات مختلفة في مسيرتها المهنية من البترول للتربية والتعليم ثم أشغال، وذلك نظرًا لتخوف اللجنة من تغييرها التخصص والمجال بعد مدة قصيرة، إلا أن ردها كان أنها اكتسبت خبرات من كل تجربة ومحطة، وأن الشخص لا يجب أن يقمع قدراته في قالب يعيق تفكيره، وأنها استثمرت تجاربها الثرية في مسيرتها التعليمية، فالتحقت سنة 1996 م بجامعة قطر لتدرس مادة الجيولوجيا، وتمكنت من تجسيد النموذج الذي كانت تطمح له منذ الطفولة حيث كانت قريبة من طلابها بشكل كبير، وهو ما جعل الطلبة يحبون محاضراتها بفضل حرصها على تقديم معلومات فريدة بطريقة مسلية.

في بداية عملها في الجامعة واجهت مجموعة من التحديات أولها أنه لم تكن هناك فرصة للتدريس إلا في قسم البنين بسبب كثرة الطلب على قسم البنات فاستشارت زوجها الذي وافق مباشرة على تدريس زوجته في قسم البنين، لتكون من بين الدكاترة الذين ارتدوا العباءة في الجامعة في حين أن بقية المدرسين كانوا يرتدون التنانير وكانت قدوة لبقية الدكاترة وحتى الطلبة، فانتشر بعد ذلك ارتداء العباءة القطرية في الجامعة.

البساط الأخضر

سنة 1998 م قدمت مبادرة «البساط الأخضر» وهو أحد المشروعات الرائدة للمحافظة على فوائض المياه الجوفية ذات المنسوب المرتفع التي تجمع في محطات التجميع ويتخلص منها في البحر، وطرحت من خلال هذا المشروع مجموعة من الحلول لمشكلة المياه العذبة التي ظلت تهدر في البحر على مدى عقود وأجيال، وكلفت بالإشراف على هذا المشروع من سمو الشيخة موزا بنت ناصر وسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني – حفظهما الله – مع الاستعانة بخبير من الولايات المتحدة الأمريكية لإثبات نظريتها بوجود مياه جوفية غزيرة في منطقة مشيرب، لكنها وجدت نفسها أمام تحدٍ كبير إذ طلب منها تنفيذ المشروع دون الاستعانة بشركات وهو ما جعل المشروع يتعطل، وفي كثير من الأحيان شعرت أن جهودها في «البساط الأخضر» لم تكن تظهر للنور، وهو ما جعلها تشعر بالإحباط.

بعد ذلك نسب لها العديد من المشاريع للتخضير التي لم تكن تعلم بوجودها نظرًا لكونها صاحبة الفكرة من الأساس وأن كل ما أنجز بعد ذلك جاء على ضوء رؤيتها.

وتعود فكرة البساط الأخضر إلى لقاء جمعها بأحد الصحفيين بجريدة العرب القطرية حول رسالة الدكتوراه حيث نشرت الجريدة خبرًا صحفيًا حول موضوع رسالتها بعنوان «الدوحة تسبح على بركة من المياه العذبة»، فتواصل معها المسؤولون وتأكدوا من المعلومات المذكورة بعد أن رافقها أحد الخبراء لمحطات تجميع المياه الجوفية شبه المالحة التي تتعدد استخداماتها المنزلية، وتأكدت من إثبات وجهة نظرها من خلال الوقائع نظرًا لكونها سيدة عملية لا تقبل بالمعلومة التي تحصل عليها بالسمع وتسعى إلى توفير إثبات عملي لكل ما تطرحه من أفكار.

صاحبة فكر ورسالة

لم تستسلم وظلت تدافع عن فكرها ورؤيتها من خلال إلقاء عشرات المحاضرات عن أهمية استثمار المياه ووصل فكرها للعديد من المهندسين والفاعلين الذين حاولوا تطبيق رؤيتها، ورغم أنها لم تنفذ بالشكل الذي كانت تطمح له إلا أنها أوصلت صوتها ورسالتها وأثرت في فكر العديد من الأشخاص، وهو ما جعلها تشعر بأن جهدها لم يذهب سدى.

وما زالت في كل فرصة تؤكد أن هناك قنابل موقوتة من مياه الصرف الصحي المعالجة وتعمل على توعية أصحاب المزارع، ولكن معظم الناس ما زالوا متحفظين على استخدام هذه المياه.

أبناؤها كلهم متميزون وحاصلون على مناصب ولهم نفس توجهها ومبادئها في الحياة، وقد أسهمت في تخريج أجيال، وترى الآن الأثر الذي أحدثته.

قرارات الأمومة

التزمت بالديمقراطية والسياسة الناعمة في البيت وخارجه فمنحت أبناءها هامشًا واسعًا من الحرية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم، ولم تضع حدودًا صارمة للحرية إلا عندما يتعلق الأمر بالقرارات المصيرية التي تكون على يقين أنها الأعلم بها بحكم تجربتها وخبرتها، فاهتمت بشكل كبير بزرع الأخلاق واحترام العادات وبالتقاليد الاجتماعية، وكانت الموجه لأبنائها في اختيار مساراتهم.