كلثم عبد الرحمن
دليل الشخصيات ←

كلثم عبد الرحمن

اختارت التجدد والبحث خارج المألوف، وجمعت التعليم بالنقد والثقافة في تجربة تنظر إلى المعرفة بعمقٍ فلسفي.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 280–287

كلثم عبد الرحمن، معلمة لغة عربية وباحثة ثقافية سابقة في وزارة الثقافة والرياضة، ومتخصصة في النقد والترجمة والكتابة.

أسئلة مبكرة تتجاوز المألوف

ولدت في الثمانينيات، وقضت السنوات الأولى من طفولتها في منطقة الوكرة قبل أن تنتقل العائلة إلى الريان القديم عندما كانت تبلغ 5 سنوات، ومثل معظم أبناء جيلها من الثمانينيات عاشت طفولة جميلة مليئة بالذكريات السعيدة في كنف أسرتها المترابطة والمتزنة والمتفهمة المكونة من عشرة أفراد.

ومنذ أن بدأت تتلمس خطواتها الأولى في الحياة وفرت لها عائلتها مساحة من الحرية أسهمت في نمو مواهبها، فوجدت نفسها محاطة بعبق الثقافة من خلال المكتبة الصغيرة داخل منزلها، وكانت تحوي أمهات الكتب فتنوعت قراءاتها وانفتح فكرها وتوسعت مداركها.

وعلى الرغم من حبها الشديد للقراءة إلا أن العزلة أخذت حيزًا كبيرًا في شخصيتها فاختارت الاستغناء عن العلاقات الاجتماعية بالصمت والانغماس في طقوس رواد الكتب والمكتبة.

ووسمت بهذه الشخصية فترة طويلة إلى جانب الصمت الاختياري الذي كان تحديًا كبيرًا استمر معظم سنوات مسيرتها التعليمية جنبها المشاركة بكل الأشكال في أي نشاط حتى لا تضطر إلى التعبير عن رأيها.

حرص رب الأسرة – رحمه الله – الذي كان يعمل مديرًا في مؤسسة حمد الطبية، بعد انتقاله من المراقبة الجوية في مطار الدوحة الدولي عام 1981 م على توفير بيئة صحية ومتزنة تمزج بين العلم والمرح والأخلاق الحميدة والجوانب الوجدانية، فرسم لأبنائه روتينًا يوميًا في البيت لحلقات ختم القرآن الكريم، والحرص على تحفيظه أيضًا حتى أتقنت قراءته وهو ما غرس في نفسها حب كتاب الله. وقد استمرت مع والدها بشكل شبه يومي في متابعة تفسير الشيخ محمد متولي الشعراوي الذي كان مستودعًا للبلاغة والنحو والأدب، والذي تعتبره من أهم المصادر التي لا غنى عنها في فهم الآيات بعمق، ومعرفة دلالات الألفاظ بأسلوب قريب من النفس، ومن هنا قبضت على أداة مهمة صقلت شخصيتها وهي إتقان اللغة العربية.

الفلسفة والنقد يحددان الطريق

بعد إنهاء المرحلة الثانوية كان طريقها واضحًا، فلم تتردد لوهلة في اختيار التخصص الذي تعشقه وهو اللغة العربية وقد تخصصت بها في جامعة قطر عام 2000 م.

مثلت مرحلة الدراسة الجامعية المنعطف الأول والأهم في بناء شخصيتها، كانت مرحلة الانعتاق من الشرنقة، انطلقت الشرارة الحقيقية بالصدفة بعد أن طلبت منها إحدى الموظفات في الجامعة جمع مجموعة من الأخبار الثقافية المتنوعة من المجلات وغيرها، في البداية وجدت الأمر غريبًا لكنه غذى شغفها للقراءة أكثر وترتيب المعلومات، وفي اليوم التالي وبينما كانت تنتظر في المكان ذاته فإذا بها تفاجأ بدعوة إحدى الموظفات لها للدخول إلى مكتب قسم الأنشطة، وبعد إذابة الجليد طلبت منها الموظفة قراءة بعض المعلومات والأخبار التي جمعتها وقد أعجبت بقراءاتها، وهو ما دفعها نحو خطوة أخرى في بناء معالم الشخصية قادتها إلى تجربة مميزة في إذاعة النشاط الطلابي، فكانت تجربة مؤقتة حين ذاك.

شعرت بداية بالتردد في خوض هذه التجربة، لكنها وجدت دعمًا كبيرًا وتحفيزًا مستمرًا من الموظفة طوال الوقت، فشكلت هذه المحطة التي تمحورت حول الإلقاء الذي استمر أسبوعًا كاملًا منعطفًا أساسيًا للتواصل والتعبير بطلاقة، تحولت تدريجيًا من شخصية تتجنب أي مشاركة سواء في القاعات الدراسية أم في المناسبات المختلفة إلى شخصية متحدثة واثقة وقادرة على الإقناع والإمتاع، وتخرجت في الجامعة سنة 2005 م من قسم اللغة العربية- آداب وتربية، وكانت الثالثة على دفعتها في الكلية.

الماجستير والتخصص في النقد

سنة 2013 م شهدت مسيرتها منعطفًا جديدًا بعد أن نجحت في المقابلة لإكمال الدراسات العليا والتخصص في مجال النقد، مع الخوض في النقد الألماني وتحدي الكتابة البينية من الناحية الهيكلية ومن الناحية الفكرية.

في البداية واجهت حاجز اللغة الألمانية الذي مثل تحدًيا فعليًا لفهم فلسفة أقطاب مدرسة فرانكفورت مما دفعها إلى تعلم اللغة الألمانية بالدراسة المكثفة، وفي ضوئها تمكنت من فك كثير من الشفرات الاصطلاحية والمفاهيمية.

هذه التجربة جعلتها تؤمن أن تعلم اللغة الأصلية أهم أداة لفهم أي ثقافة، فقررت بعدها الاستمرار في تعلم هذه اللغة، لأن الفلسفة الألمانية هي أساس النظريات الحديثة، وغيرت هذه الفلسفة منظورها إلى أنماط الحياة المختلفة وعمل المؤسسات، فجعلته منظورًا أعمق بعيدًا عن السطحية والاستهلاكية، فلم تكن مرحلة الماجستير ارتقاء فكريًا وأكاديميًا بقدر ما كان بحثًا عن إجابات فلسفية عميقة، إذ بدأ بحثها بمجموعة من التساؤلات «مرحلة النبش عن التجليات الإنسانية» في النصوص، كانت تبحث عن المختلف وما تفتقر إليه المكتبة العربية من إنتاج بحثي، فتطلعت إلى الجديد قدر الإمكان متنبهةً إلى ميولها، فاقتضى الأمر أن تعكف على مؤلفات الفلسفة وعلم الاجتماع بجدية، فكان مخاضًا عسيرًا لميلاد أفق جديد نحو عالم الفكر والمعرفة، ووجدت في هذه المرحلة بيئة مشجعة على هذا المنهج البحثي إذ تميزت كلية الآداب والعلوم عبر رؤيتها بالتشجيع على البحث بشكل «بيني» بالتكامل بين التخصصات الإنسانية، فانطلقت في بحثها من «البينية» وعلى ضوئها رصدت أبعاد النقد الثقافي لمدرسة فرانكفورت بشكل يوازن بين حضور الفكر الألماني مقابل القراءة العربية في ثنايا البحث.

نوقشت الرسالة، في شهر مايو/أيار من سنة 2017 م، وأجيزت دون أي تعديلات من اللجنة العلمية.

الصف الدراسي بوابة النقد

بدأت مسيرتها المهنية سنة 2005 م ضمن هيئة التعليم -المجلس الأعلى للتعليم - بمدرسة خليفة الابتدائية التي أصبحت فيما بعد جزءًا من مجمع قطر التربوي فتحول اسمها إلى مدرسة قطر ودرست مواد المسار الأدبي (اللغة العربية، التربية الإسلامية، المواد الاجتماعية).

وخلال عام 2006 م ترشحت للحصول على عضوية المجموعات الاستشارية لفئة الموظفين من المجلس الأعلى للتعليم، ثم نقلت سنة 2007 م إلى مدرسة قطر الإعدادية المستقلة للبنات لتدريس مادة اللغة العربية واستمرت في هذه الوظيفة حتى سنة 2015 م وفي هذه السنة قررت الاستقالة للتفرغ تمامًا للدارسات العليا والبحث العلمي.

لم تنس الأشخاص الذين ساندوها ودعموها في مسيرتها المهنية ومنهم مديرتها الأولى الأكاديمية نجلاء حسن راشد الذوادي التي تثمن لها استثمارها للطاقات الوطنية، وغرسها قيم الولاء والإتقان والتفاني، وكانت مثالًا للقائد المؤثر المؤمن برسالته لذا فأثرها باقٍ، رغم التحديات الكبرى التي أحاطت بتجربة دولة قطر بالتحول إلى المدارس المستقلة بوصفها خطة لإصلاح التعليم.

وأيضًا سوسن راشد الذوادي التي كانت داعمة رئيسية لأفكار هي وقارئة لشخصيتها منذ بداية تخرجها وعملها في مدرسة خليفة، فكانت لها مثالًا للمديرة التي تبني الثقة في الكفاءات والقيادة بالتمكين، فكانت خير محفز لدافعيتها إلى العطاء والإسهام حتى في أصعب الظروف، فالشكر لا يكفي في حق المديرتين الفاضلتين.

التجربة في وزارة الثقافة

سنة 2017 م شهدت مسيرتها تحولًا جذريًا بعد ترشيحها للعمل في وزارة الثقافة والرياضة وتحديدًا في إدارة الثقافة والفنون، وسعت خلال هذه المرحلة لتحريك المشهد الثقافي لا لتستمد صيتًا من كرسي وإنما لخدمة الثقافة وأداء الرسالة، لذا بدأت بتقديم الحلقات النقاشية النقدية بحكم الاختصاص، وواصلتها بالعضوية في الملتقى القطري للمؤلفين عبر دعوة الكتاب والأدباء والتحاور معهم في ندوات متنوعة في قاعة بيت الحكمة التي لها الكثير من الذكريات الراسخة في ذاكرتها، فكان مناخًا له طابعٌ خاص رغم بعض التحديات، فكانت دومًا ترى النور خلف تلك التحديات التي كانت تعطيها القوة وتتعلم منها.

وقد تمثلت قيم الوطن ورؤيته في اللقاءات الفكرية التي جمعتها بسعادة السيد صلاح بن غانم العلي وزير الثقافة والرياضة آنذاك، الذي كان القائد الملهم لها، وتميزت الاجتماعات مع سعادته بتجسيد القيم الكبرى وعلى رأسها التواضع وتقبل الرأي المخالف، فتسرب أسلوب الحوار الراقي في التواصل البناء إلى شخصيتها فيما بعد أينما ذهبت، واعتبرت العمل مع هذا القائد الملهم شرفًا عظيمًا، فتعلمت خلال تلك الفترة القصيرة دروسًا اختصرت لها كثيرًا من السنوات وصقلت شخصيتها في جوانب كثيرة لا سيما الإدارية والقيادية إلى جانب الإيمان بالفكرة والاجتهاد لأجل الهدف، وتبينت أن رسائل المنظومة القيمة التي ركز عليها سعادة السيد صلاح بن غانم العلي عبر رؤية الوزارة آنذاك «نحو مجتمع واعٍ بوجدان أصيل، وجسم سليم» تقاطعت بشكل مباشر مع ما درسته لأربع سنوات في الماجستير، والتي تعتبرها أهم رسالة لأن محورها «الإنسان».

وخلال رحلتها في وزارة الثقافة نظمت حملة يوم الأرض الدولي 22 إبريل/نيسان 2019 م، فتعاونت مع بعض الجهات مثل جامعة قطر، وفي الوقت نفسه نسقت مع وزارة التعليم والتعليم العالي لتفعيل هذا اليوم عبر أنشطة المدارس بهدف تعزيز الحفاظ على خيرات البيئة القطرية، وفاقت الاستجابة المتوقع.

من المشاركات التي تركت أصداء إيجابية لديها هي تحدي القراءة في مبادرة سطور سنة 2018 م بجامعة قطر إذ قدمت فقرة بعنوان القارئ المثالي، وفي سنة 2019 م حظيت بتمثيل دولة قطر عبر المشاركة في الندوة الفكرية للأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي حول إعادة صياغة الاستراتيجية الثقافية، بورقة بحثية بعنوان: طرق وأدوات ترويج النتاج الثقافي الخليجي إلى الآخر.

وبعد قضاء سنتين في وزارة الثقافة شعرت بالحنين إلى إكمال المسير بالعودة للمناخ الأساسي الذي بدأت فيه رسالتها نحو بناء الفكر والقيم فقررت الاستقالة، لكن نشاطاتها الثقافية حقيقةً لم تتوقف جذريًا باستقالتها من وزارة الثقافة، بل لا تزال مستمرة.

العودة للتعليم

بعد قضاء سنتين في وزارة الثقافة حققت خلالهما العديد من الإنجازات، قررت العودة لشغفها ووظيفتها الأصلية التي تقدسها وتعشقها عبر العمل في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي فاستأنفت العمل فيها سنة 2019 م من منطلق رسالتها التي غدت شغلها الشاغل فهي ما زالت مستمرة في التركيز على تكوين الشخصية الوطنية ذات البعد الإنساني، فالوصول إلى الفئة المستهدفة أضحى مباشرًا وبطريق أقصر، لا سيما بالأنشطة اللامنهجية التي أصبحت عضوًا فيها إلى جانب العضوية في اللجان الأخرى، ورغم ثقل الأمانة وصعوبة التحديات التي تواجهها إلا أنها محاطة بعدد كبير ممن يثقون بقدراتها ويراهنون على ما تقدمه.

نجاحات وإنجازات في عالم الثقافة

كان للسيدة نصيب وافر في المشاركات الثقافية في فترة الماجستير، ومن ذلك ترشحها للمشاركة في تحرير مجلة قطر الكلام التي أنشأها الدكتور خليفة الهزاع حين كان في منصبه عميدًا مساعدًا في كلية الآداب والعلوم، ويعرف بأنه مترجم ومحب للغة العربية، فقد كان حاملًا لراية المجلة بإخلاص لا يعرف الكلل، إضافة إلى تجسيده معنى القيادة الدائرية التي شعارها (نحن) بلغة الفريق الواحد الذي يكمل بعضه ويتعلم من بعضه، لا القيادة الهرمية التي شعارها (أنا) بلغة المركزية.

هذه المحطة كانت من أمتع المحطات التي قدمت لها دورة مجانية والعمل بمتعة مع الأساتذة ومعرفة طريقتهم في التواصل ومناقشاتهم العلمية الوقورة.

وقد نشرت في العدد الأول من المجلة مقالا بعنوان «تجربتي في اليابان» سجلت فيها تجربتها بعد أن كانت قد اجتازت المقابلة الخاصة إذ أتيحت لها الفرصة لتمثيل وطنها وكلية الآداب والعلوم عام 2014 م في الرحلة الثقافية إلى اليابان التي فتحت آفاقًا واسعة لها للتعرف إلى ثقافة اليابان التي توازن بين الأصالة والمعاصرة.

ومن اللفتات المهمة التي أتاحتها لها مجلة قطر الكلام المبادرة باللقاء مع سعادة الدكتور عبد الرحيم كافود وزير التربية والتعليم سابقًا، فالتقت به في مكتبته الكبيرة الخاصة بمنزله، وسرد لها سيرته الحافلة بالإنجازات بأسلوب ممزوج بروح التواضع وفخر العطاء للوطن.

ومن الإنجازات التي تفخر بها تنظيم مسابقة «أفضل القراء» لمجمع قطر التربوي عام 2013 م بالتعاون مع جامعة قطر، وشاركت فيها 90 طالبة واحتفي بهن في قاعة ابن خلدون ضمن ثلاث فئات (الفئة الذهبية، والفئة الفضية، والفئة البرونزية).

ونظرًا لنشاطها وشخصيتها القيادية وثقافتها العالية أتيحت العديد من الفرص للسيدة لتحقق إنجازات أكبر وتبرز ضمن أهم الوجوه الشبابية في الساحة الثقافي، فمثلت سنة 2014 م جامعة قطر في الحملة الوطنية «طموحي» التي تخدم رؤية قطر 2030 م، وشغلت منصب رئيس نادي كلية الآداب والعلوم 2016 م، وأشرفت على وضع استراتيجية ورؤية ورسالة وأهداف للنادي، وفي السنة ذاتها شاركت في حفل لم شمل خريجي الجامعة.

كانت ضمن المشاركين في الملتقى البحثي لبرنامج الماجستير لقسم اللغة العربية بورقة بحثية: النسق الثقافي الإقصائي في السرد الروائي (ساق البامبو أنموذجًا) عام 2015 م، والنظرية التواصلية بين يورغن هابرماس وعبد الرحمن منيف عام 2017 م.

شاركت كذلك في تحكيم معرض البحث العلمي الداخلي عام 2019 م في مدرسة قطر الإعدادية للبنات.

وكثيرًا ما شعرت بوجود رابط قوي وألفة مع جامعة قطر وتحديدًا كلية الآداب والعلوم، فرشحت بوصفها متحدثة في مناسبات عدة من بينها الحفل السنوي لعام 2019 م حيث احتفلت الكلية بإنجازاتها وكرم بعض الأساتذة.

جوائز وتكريمات

حصلت على مدار مسيرتها الثقافية على الاعتراف بجهودها وكرمت في أكثر من مناسبة، ففازت بالمركز الأول في فئة طلبة الدراسات العليا لمسابقة البحث بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر سنة 2014 م حول بحث شعرية القناع، وحصلت على منحة من الكلية.

وحصلت أيضًا على جائزة المعلم المتميز ضمن احتفال يوم المعلم بمجمع قطر التربوي سنة 2009 م، وجائزة المعلم المتميز وكرمت في فعالية «شكرا لكم، لمسة وفاء لمعلمي» من مؤسسة عيد الخيرية عام 2011 م.

حصلت على جائزة القائد المتميز من جامعة قطر وتم تكريمها سنة 2016 م حين كانت رئيسا لنادي كلية الآداب والعلوم، وفي عام 2021 م كرمتها وزارة الثقافة لمشاركتها إحدى الندوات ضمن مهرجان نجاح قطري بعنوان حوار الأجيال: تعزيز ثقافة النقد وتقبله.

الكتابة والتأليف

تعود علاقتها بالقلم والورق إلى سنوات الطفولة وتطورت هذه العلاقة على مر السنوات فكثيرا ما كانت المكتبة العربية تجود عليها بالمعرفة، وبعد مرحلة البكالوريوس شعرت بوجود ثغرة عميقة بين أرفف المكتبة وبين ميولها، فضلًا عما وجدته من حدود أفقية في المقررات الدراسية لقسم اللغة العربية آنذاك فحاولت المرور عليها كلها تقريبًا، حتى المواد التي لم تدرج في خطة المسار المسجلة فيه لكن هذه المحاولات لم ترس بها على شاطئ إشباع الفضول والإجابة عن الأسئلة التي شغلت بالها. زاد فضولها وشعورها بالحاجة للمزيد من المعرفة حضورها محاضرات المفكر العربي حسام الخطيب – رحمه الله – لأنه كان يشير إلى آفاق ثقافية أرحب بكثير عبر «النقد المقارن» وهو المقرر الذي حرصت على حضور معظم محاضراته التي عبرت ضفاف الفلسفة وأشارت إلى سماء لها ثقلها في الدراسات الإنسانية مثل إدوارد سعيد.

ووضعت عصارة تجربتها الحياتية والأكاديمية والثقافية في تأليف كتاب: النظرية النقدية- مدرسة فرانكفورت وتشكل النقد العربي الأدبي المعاصر الذي صدر عن دار لوسيل سنة 2018 م، تناول هذا الكتاب آثار النظرية النقدية على المشروع العربي في سياقه الثقافي للكشف عن تشكل أصوله وسياجه المعرفي، ويبين أوجه استقبال الخطاب النقدي العربي لأفكار رواده، ومدى قدرة الناقد العربي على محاورتها.

ويتناول الكتاب بجرأة تجليات النقد الثقافي، إذ أصبح في مواجهة المجتمع الاستهلاكي والعقل الأداتي عبر نظرية هربرت ماركيوز «الإنسان ذو البعد الواحد»، فلا مشروع لتغيير المجتمعات دون تحرير الإنسان لآفاقه بوصفه صانعًا للتاريخ.

فيضع الكتاب سؤال الحداثة وما بعدها على محك النقد من خلال النظرية الجمالية ويتصدى لصناعة الثقافة وللنظرية التواصلية ليورغن هابرماس بممكنات تجاوز الواقع العربي.

الفكر أمام القيود

تؤمن أنه لا وجود للصعوبات وأن كل عقبة هي تحدٍ مؤقت يحمل بين طياته دروسًا وعبرًا، فخلال رحلة رسالة الماجستير وجدت صعوبة في العثور على المصادر التي لم تكن متوفرة في المكتبات المحلية قبيل إنشاء مكتبة قطر الوطنية، أو وجود دور النشر، الأمر الذي استدعى جهدًا أكبر للوصول إلى الهدف بالتعامل مع دور النشر الخارجية ومعارض الكتب.

وارتبطت التحديات المهنية بملف المنظومة القيمية في وزارة الثقافة، فالإبحار في الثقافة أخذها إلى أعماق الفلسفة والنقد الثقافي فإيصالها لجمهور غير متخصص بشكل مبسط وجاذب في حد ذاته كان واحدًا من أكبر التحديات. علاوة على حاجة بعض القيم إلى وقت طويل وإلى عطاء متجدد ومستمر ليترسخ في النسق الاجتماعي فتغدو عادة، والتحديات ذاتها مدرسة علمتها أن الانسحاب أحيانًا أكبر انتصار، ولكن بعد ترك أثر.