

كارولين كفوري
واجهت قسوة البدايات بالعمل والمثابرة، وبنت في الإدارة والرياضة مسارًا مهنيًا اتسع للتدريب ونقل الخبرة.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 274–279
كارولين أنطوان كفوري، شريكة رئيسية للموارد البشرية في الإدارة الرياضية والموارد البشرية بأسباير، ومدربة ومدرسة في أكاديمية الاتحاد الآسيوي لكرة القدم.
بدايات تصقل الصبر
ولدت سنة 1974 م في مدينة بيروت وسط عائلة تقليدية متكونة من 6 أفراد، والدها يعمل كمراسل ومخلص معاملات ووالدتها تعمل في التجارة.
تزامنت ولادتها مع بداية اشتعال نيران الحرب الأهلية في لبنان وهو ما جعلها تعيش طفولة استثنائية وقاسية، وظلت مخلفات هذه النشأة والأحداث المأساوية التي عايشتها راسخة في ذاكرتها ورافقتها في مختلف مراحل حياتها، ورغم قسوة الظروف إلا أنها كانت دافعًا لها لتكوين شخصية مستقلة تعتمد على نفسها وأكسبتها مهارة الصمود أمام التقلبات وتجاوز مختلف العثرات.
ومنذ نعومة أظفارها أدركت قيمة التضحيات والجهود التي بذلها أهلها لضمان حياة كريمة في وجه التحديات القاسية حيث حرصت والدتها على تلقيها تعليمًا ممتازًا كان له الأثر العميق في صقل شخصيتها وثقافتها، واكتشفت أهمية الاستمتاع بنعمة الحياة وعيش كل لحظة بامتنان.
ولكن الأثر الأكبر كان لرفيق الدرب الذي لم يخذلها وكان المكان الآمن الذي تلجأ إليه كلما اشتدت العواصف المحيطة بها، هذا الرفيق هو الكتاب الذي لم يفارقها منذ أن كان عمرها 10 سنوات، وأصبحت مولعةً بقراءة أعمال الأدباء العظماء مثل جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وطه حسين وغيرهم. وفي مرحلة المراهقة، اتجهت نحو قراءة الكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وتعمقت في دراسة أعمال الفلاسفة الكبار مثل جان بول سارتر، سعيًا منها لفهم العالم من حولها وتحليل الأمور من زوايا مختلفة.
الدراسة تفتح باب الإدارة
درست المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدرسة سيدة السلام والثانوية في المدرسة الثانوية للبنات- جديدة لبنان وبعد الحصول على الثانوية العامة سنة 1992 كانت تخطط لدراسة العلوم السياسية غير أن والدها أقنعها بتغيير مجال الدراسة خصوصًا في ظل الأوضاع السياسية الصعبة في لبنان فاتجهت إلى دراسة الصحافة والتوثيق بالجامعة اللبنانية في كلية الإعلام والتوثيق لمدة عامين، غير أن القدر عاندها مرة أخرى وعانت من الوضع المهتز في الجامعة اللبنانية آنذاك، وفضلت ترك الدراسة والتوجه للعمل لحين استقرار الأمور، وعادت بعد ذلك لتكمل مشوارها في تحصيل العلم في مراحل مختلفة من حياتها فحصلت على شهادة إدارة الموارد البشرية العالمي من جامعة فرانكلين ودبلوم في الإدارة الرياضية من جامعة بوكوني الإيطالية وشهادة «المحترف العالمي في مجال الموارد البشرية GPHR» إضافة إلى دورة متقدمة في تصميم مناهج الدورات التدريبية.
بداية المسيرة المهنية في اللجنة الأولمبية اللبنانية
عملت خلال دراستها في وظائف عدة بدوام جزئي غير أن أولى المحطات المهنية الفعلية في مسيرتها في اللجنة الأولمبية اللبنانية حيث قادتها الصدف إليها سنة 1997 م بفضل إتقانها للغة الإنجليزية.
في الأشهر الأولى من التحاقها باللجنة كانت متطلبات العمل بسيطة جدًا، لكن مع تغير أعضاء اللجنة الأولمبية تغيرت طبيعة عملها من المكتبية إلى الإدارة الرياضية، ومن هنا بدأت التحديات كونها لم تكن تملك أي خبرة في المجال الرياضي ووضعت أمام خيارين، إما أن تتعلم بسرعة أو تفقد وظيفتها وهو ما كان حافزًا قويًا بالنسبة لها، وهو ما كان بالفعل حيث إنها لم تكن لتقبل بالتراجع والاستسلام وهي ابنة الرجل العصامي الذي تحدى كل الصعوبات الاجتماعية والصحية وتعلم ما يلزمه لينجح في عمله رغم تعليمه البسيط وكان مثلها الأعلى في الحياة.
ومنذ ذلك الحين، عملت ولمدة 7 سنين في شتى المجالات ضمن المجال الرياضي من تنظيم بطولات إلى ابتعاث الفرق الوطنية ومساندة الاتحادات الوطنية وإدارة المنح الرياضية وتنظيم أنشطة ودورات تدريبية رياضية وأعمال الترجمة في المحافل الدولية، وكانت هذه المحطة في حياتها بمثابة دراسة جامعية مكثفة تعلمت فيها الكثير من الأمور.
الانتقال إلى قطر والعمل في أسباير
وفي عام 2003 م، حصلت على فرصة للانتقال إلى قطر والعمل في أكاديمية أسباير التي كانت قيد الإنشاء آنذاك وغير واضحة المعالم بوظيفة سكرتيرة تنفيذية للمدير العام، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها مليئة بالتحديات من نوع آخر، حيث وجدت نفسها لوحدها للمرة الأولى في حياتها في بلد غريب وأحست للوهلة الأولى بأنها غير واثقة من قرار الانتقال، وواجهت صعوبة في فهم اللهجة والثقافة والعادات المحلية وفهم آلية العمل المغايرة تمامًا حيث إنها كانت معتادة على نمط سريع ومتطلب للغاية في العمل وأحست أنها بدأت تفقد شغفها فطلبت نقلها إلى قسم الموارد البشرية.
الانتقال إلى قسم الموارد البشرية
فور الانتقال إلى قسم الموارد البشرية شعرت أنها في المكان المناسب وكانت انطلاقة فعلية بالنسبة لها حيث تعلمت وأخطأت وتعلمت مجددًا من أخطائها وصقلت الخبرة المهنية بالعلم وحصلت على شهادات مهنية عدة في عالم الموارد البشرية وأهمها «المحترف العالمي في مجال الموارد البشرية» وكسبت تحديات كثيرة وأنجزت الكثير ليس فقط لأكاديمية أسباير، بل أيضًا لمؤسسة أسباير زون وكان اعتمادها دائمًا على ثقة ودعم الإدارة العليا في أسبايرفي تبني أفكارها ومبادراتها.
من الإدارة إلى تدريب الآخرين
حققت في مدار مسيرتها المهنية العديد من النجاحات والإنجازات التي تفخر بها حيث تمكنت من تخليد بصمة مميزة وعلامة واضحة على صعيد الإدارة الرياضية في لبنان، وأسهمت بشكل كبير في تحسين مخرجات إدارة الموارد البشرية في أسباير وتحديثها بشكل كبير من خلال وضع استراتيجية واضحة وقابلة للقياس لتحويل الموارد البشرية من العمل الإداري البحت إلى شريك استراتيجي وتغيير الصورة النمطية، إضافة إلى وضع وتنفيذ برنامج تعريفي مفصل للموظفين الجدد لتسهيل اندماجهم في دورهم الجديد، وتحديث ومكننة معظم العمليات في قسم الموارد البشرية لتلافي الأخطاء وسرعة التنفيذ، وأشرفت على إعادة تفعيل الصفحة الإلكترونية الداخلية للمؤسسة بأكملها لتكون نافذة للمعلومات والتفاعل بين الموظفين وتصميم برنامج داخلي للقياديين الجدد مكون من أربعة مراحل تعنى كل منها بتنمية النواحي القيادية السليمة والعصرية، كذلك وضع وتنفيذ خطط مواجهة الطوارئ والأحداث غير الاعتيادية لضمان مرونة المؤسسة في مواجهة المواقف الحرجة، هذا الجهد تكلل بحصول المؤسسة على جائزة «أفضل مكان للعمل في قطر» لعام 2023 م وهي جائزة عالمية تقوم على معايير عالية وتعتمد على ردود الموظفين بشكل مباشر.
التدريس والتدريب
اتجهت منذ 2017 م إلى التدريب في أسباير في مجالات الإدارة الرياضية وتنمية المهارات ومؤخرًا اختيرت لتدريس مادة الموارد البشرية في أكاديمية الاتحاد الآسيوي لكرة القدم نظرًا لخبرتها الطويلة في المجال الإداري والرياضي.
الغربة والعمل أمام الاختبار
من أصعب الأشياء التي واجهت كان إدارة التغيير في إدارة الموارد البشرية وهو أمر معقد ومليء بالتحديات وينطوي على تحويل النهج التقليدي في إدارة شؤون الموظفين إلى نهج أكثر انفتاحًا وتفاعلًا، وذلك بسبب الخوف من المجهول، حيث يثير التغيير قلق الموظفين بشأن ما سيؤول إليه هذا التغيير من تأثير على وظائفهم ومستقبلهم المهني خصوصًا في ظل مكننة معظم نواحي العمل، بالإضافة إلى ذلك شعور الموظفين بعدم القدرة على التكيف مع النهج الجديد، خاصة إذا كانوا معتادين على الطرق التقليدية للعمل، كما أن الإدارة العليا لم تكن ترى مجالًا للتغيير بحكم التجارب السابقة الفاشلة.
ومن أجل التغلب على هذه الصعوبات، وضعت خطة طويلة الأمد لتغيير إدارة الموارد البشرية بشكل مدروس وقابل للقياس تشمل جميع النواحي ومنها التدريب والتطوير لمساعدة الموظفين على اكتساب المهارات والقدرات الجديدة التي تساعدهم على التكيف مع النهج الجديد.
إبان فترة كورونا تغيرت طبيعة العمل المطلوبة منها بحكم ثقة الإدارة العليا بقدرتها على مواجهة الصعاب فعينت ضمن فريق الطوارئ الذي تشكل لمواجهة الجائحة وضمان سير العمل بشكل آمن وصحي مما تطلب منها التنسيق المباشر بين وزارة الصحة والطلاب وأهلهم في الأكاديمية لمدة عام ونصف العام من ناحية حصر وفحص حالات العدوى بالإضافة إلى المشاركة بوضع معايير السلامة الصحية لكل إدارة في أسباير زون مما تطلب منها تثقيف نفسها في الأمور الصحية والسلامة العامة وإدارة أخذ اللقاح لجميع الموظفين والطلاب، وكانت الناحية الأصعب هي التعاطي والتعامل مع قلق الأهل وتخفيف حدة مخاوفهم وتجاوبهم مع معايير السلامة والانضباط.