

فاطمة الدوسري
عبرت بثقافتها القارات، وبنت بين المجتمعات جسورًا جعلت الغربة مساحةً للتعلم والعمل العام والتقارب الإنساني.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 246–253
فاطمة ناصر الدوسري، الرئيسة التنفيذية والمؤسسة لمعهد قطر أمريكا للثقافة، وناشطة في الدبلوماسية الثقافية والتواصل بين قطر والولايات المتحدة.
جذور تتسع خارج الوطن
ولدت سنة 1987 م في وسط عائلة قبلية محافظة أمها تربوية، ووالدها عسكري، ونظرًا لكونها أكبر إخوتها فقد حظيت باهتمام كبير ونالت نصيبًا وافرًا من الحب والحنان وفي الوقت نفسه تحملت مسؤوليات كبيرة تفوق عمرها.
وجدت الإلهام والقدوة في محيط عائلتها وتحديدًا في والدتها التي تعتبرها نموذجًا للمرأة المضحية والناجحة، وهي سيدة مثقفة تعتبر أول من دخل الجامعة من عائلتها وحققت استقلاليتها المالية ورعت أبناءها وقامت بواجباتها على أكمل وجه دون ملل أو تذمر، ولم تكن أما لأبنائها فحسب، بل كانت أمًا ومعلمة ومرشدة لأجيال، ولطالما كانت أكبر الداعمين لها ولم تكن لتحقق ما حققته من إنجازات في مسيرتها وحياتها الشخصية لولا دعمها وتشجيعها وإحاطتها.
كان الفن والثقافة جزءًا لا يتجزأ من طفولتها، إذ كانت حريصة على المشاركة في العروض الفنية وكانت مهتمة بالموسيقى، وصناعة الأفلام، والتصوير الفوتوغرافي، وفن الكتابة والقصة، وقد فازت في سن الخامسة عشرة بجائزة في أحد الصالونات الثقافية التابعة لوزارة الثقافة ونشرت مقالات في أكثر من كتاب وكانت والدتها موجودة في الصورة في كل المراحل.
امتداد لإنجازات نسائية في قبيلتها
تعتبر نفسها امتدادًا لقبيلة نساء فجميع النساء في عائلتها تربويات، وهو ما أسهم في تغذية طموحها وتعزيز الجانب الأكاديمي وجعلها طالبة متفوقة ومتميزة في مختلف المراحل التعليمية، وكشف ذلك عن طموحها الأكاديمي منذ وقت مبكر، وقد سميت على اسم جدة والدها التي تركت وصية بتسمية ابنة حفيدها على اسمها وأورثتها «مضعدًا» (إسوارة) مميزة وتراثية من الذهب تناقلته أجيال ليصل ليديها ويذكرها بأصولها.
وكانت الجدة الأولى -الأم العودة- كما حدثها جدها سيدة سابقة لعصرها وتتميز بشخصية قوية ورؤية استشرافية، كسرت العديد من الحواجز الاجتماعية وكانت محبة للسفر، وهو شغف ورثته عنها.
اهتمامات نسوية
من بين الأشياء التي شدت في سنوات شبابها المبكرة والذي ينم عن فخرها بنساء قبيلتها هو البحث في تاريخ المرأة القطرية، حيث شاركت في برنامج أصول الدوحة التابع لكلية لندن الجامعية وأجرت 14 مقابلة مع أشخاص عاصروا فترة قبل اكتشاف النفط، وقد حملها الفضول على الدخول في التفاصيل الدقيقة لسبر أغوار هذا العالم لمعرفة دور المرأة القطرية قبل النفط لا سيما أنها كانت ترى أن معظم المراجع التي توثق تاريخ قطر لم تركز على المرأة ولم توفها حقها وحصرتها في صورة العروس والمطوعة، في حين أن أدوارها الحقيقية تتجاوز ذلك بكثير، فهي التي كانت تتحمل أعباء المنزل والأبناء خلال فترة غياب الزوج التي تطول لأشهر في الغوص أو التجارة والأنشطة المختلفة لتحصيل لقمة العيش.
من خلال هذه المقابلات كشفت النقاب عن العديد من التفاصيل المهمة والمهمشة في تاريخ المرأة القطرية التي أسهمت بشكل كبير في وضع اللبنة الأولى لتنمية وتطوير المجتمع. فضولها وحماسها لهذا الموضوع جعلها تدخل في العديد من النقاشات مع جدتها التي نقلت لها تفاصيل حياة الأوليين وروت لها أهم الأحداث التاريخية التي عايشوها مثل سنة الطبعة والعديد من المشقات الأخرى، حيث كانت جدة في سنوات طفولتها رغم أميتها تساعد جدتها التي كانت تعمل في صناعة «البطاطيل» في الحسابات.
هذه القصص والتجارب المختلفة جعلها تقدر أكثر دور الدولة والرخاء الذي يعيشه المواطنون الآن.
تعليم يعبر القارات
درست جميع مراحل تعليمها في مدارس حكومية، ولطالما كانت صديقة الكل وتجمعها علاقة طيبة بكل من يحيط بها بفضل طبيعتها المتقبلة. بدأ اهتمامها بأمريكا منذ الصغر حيث حرصت والدتها بشكل كبير على تعليم أبنائها اللغة الإنجليزية، فألحقتهم بالمجلس الثقافي البريطاني منذ سن صغيرة، وهو ما كان له الأثر الكبير في ثقافتها وفتح آفاق تفكيرها وأصبحت مهتمة بالتعرف على العالم والثقافة الغربية، وتضاعف هذا الفضول بسبب انتقال بعض أفراد عائلتها الموسعة للعيش فيها، وهو ما خلق لديها الفضول للتعرف على أمريكا، هذا بالإضافة إلى اهتمامها بالسينما الأمريكية.
سنة 2005 م تخرجت من مدرسة البيان العلمية الثانوية وكانت تنوي التخصص في الطب وتحديدًا في جراحة الأعصاب، لكنها تعرضت لظرف صحي، ورفض من إدارة المنح غير من رغبتها ومقدرتها بخوض هذا المجال، فالتحقت بالجسر الأكاديمي بالمدينة التعليمية وحتى تتعافى وتقرر تخصصها الجامعي الجديد.
بعد انتهاء مرحلة الجسر الأكاديمي التحقت بجامعة قطر في تخصص الهندسة المعمارية بتوجيه من والديها اللذين التمسا فيها الجانب الإبداعي وحب الابتكار، وبعد قضاء ثلاث سنوات في التخصص قررت الجامعة إلغاء البرنامج وهو ما جعلها تقرر تغيير تخصصها إلى الشؤون الدولية. اعتبرت هذه العقبة كفرصة لتخوض بمجال جديد غير تقليدي، وإن اختلف عن رغبة والديها الأولى أو مسارها التعليمي العلمي، وحصلت على شهادتها الجامعية خلال سنتين وترشحت لإلقاء كلمة الخريجات لدفعتها.
المرض… الضارة النافعة
الظرف الصحي الذي مرت به خلال السنة الأخيرة من الثانوية العامة والذي استمر لما بعد التخرج غير منظورها للحياة، وأصبحت أكثر إيجابية واستعدادا للمجازفة وخوض تجارب جديدة ومختلفة وكسر القوالب الجاهزة، فلم تعد تخشى الأفكار والتجارب الجديدة وهو ما أثر بشكل كبير على خياراتها في المستقبل.
بداية الطريق للسياسة الخارجية
لطالما اهتمت بعنصر الإنسان في كل مجال وتخصص حتى في التصميم والعمران، حيث كانت صاحبة رؤية تعتبر أن كل الأشياء التي تحيط بنا يجب أن تعكس شخصية وهوية وثقافة الإنسان وهو ما حمسها لدخول الشؤون الدولية بالجامعة. خلال هذه المرحلة التحقت بمركز للبحوث في العلوم السياسية يتبع وزارة الخارجية خلال فترة دراستها، وقد تزامن التحاقها بالمركز مع أحداث الثورات العربية، هذه التجربة في ذلك التوقيت وتلك الظروف فتحت آفاق تفكيرها ومنحتها الفرصة لاكتساب خبرات كبيرة في تحليل القضايا السياسية وربطها بالعالم الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي.
الجزيرة
بعد التخرج مباشرة قررت العمل في مجال تطبق فيه الخبرات التي اكتسبتها وتطور فيه إمكاناتها فالتحقت بقناة الجزيرة الإخبارية سنة 2012 م كمحلل أول في الإعلام الجديد، وكانت إحدى القطريات الأوائل في هذا القطاع. بين أهم المشروعات التي عملت عليها في تلك الفترة قناة AJ+ ومجلة الجزيرة التي حصلت على العديد من الجوائز والجزيرة الوثائقية والجزيرة الإنجليزية.
التطوع والأنشطة المجتمعية
منذ طفولتها لم تنظر إلى ذاتها على كونها فردًا منفصلًا، بل كانت تعتبر نفسها جزءًا من كينونة كبيرة وهو ما جعلها حريصة أشد الحرص على خدمة مجتمعها، فتطوعت خلال المرحلة الثانوية في مركز قطر للمكفوفين، وكانت تجربة جميلة تعلمت من خلالها أن التواصل مع الناس لا يحتاج لإبصار وإنما الإنصات إلى فكرهم، وكانت ضمن شبكة الطلبة القطريين المتكونة من مجموعة من الشباب القطري المتحمس لخدمة وطنه بكل السبل المتاحة، وقد أشرفت على مجلة قطريز التي صدرت باللغتين العربية والإنجليزية. هذه التجربة التطوعية عززت فيها مفهوم الاختلاط الإيجابي وتغيرت نظرتها إلى الاختلاط، فلم تعد تعتبره خطًا أحمر في ظل توفر شرط الاحترام المتبادل والالتزام من الطرفين وكانت تجربة ناجحة.
وفي مرحلة الجامعة تطوعت ببرامج التبادل الطلابي واللغة العربية لغير الناطقين بها وخلال هذه الفترة كونت شبكة علاقات واسعة من مختلف الجنسيات والثقافات، وبدأ شغفها الحقيقي بالتبادل الثقافي وزاد فضولها للتغلغل في المجتمع الغربي والتعرف عليه بشكل أعمق.
منذ أن فازت قطر باستضافة كأس العالم قررت أن يكون لها إسهام من ناحية إنسانية وبمجال تتقنه فتطوعت وأسهمت في أكثر من مشروع خيري وإعلامي يعنى بمساعدة العمال، وشاركت في مجموعة من المبادرات والفعاليات التي حققت اتساعًا كبيرًا، وهو ما جعل العديد من الشركات تحاول استقطابها للعمل معهم في مجال حقوق الإنسان، وكانت تحاول الإسهام في تغيير المنظور الغربي للواقع العربي، وفي كل فرصة كانت تحاول تغيير الأفكار النمطية وأصبحت تعمل في مجال الاستشارات لهيئات وجهات خيرية وخدمية عدة.
حب عبر القارات وكسر حاجز اختلاف الثقافات
في أحد الأعوام وخلال إشرافها على برنامج التبادل للطلبة غير الناطقين بها تعرفت على العديد من الأشخاص من جنسيات وأصول وأفكار مختلفة، ولكن من بين كل هؤلاء الشباب كان هناك شاب أكثر اهتمامًا من غيره للتعرف على اللغة العربية والثقافة القطرية، وهو ما جعله دائم التواصل معها حتى بعد انتهاء فترة دراسته في قطر، فتكونت بينهما علاقة معرفة تعززت من خلال الأنشطة والاهتمامات المشتركة كحملات التشجيع على القراءة مع مؤسسة قطر.
سافرت للولايات المتحدة الأمريكية بعام 2014 م للالتحاق ببرنامج الماجستير في التواصل والثقافة والتكنولوجيا بجامعة جورج تاون الأم، وتجدد اللقاء مع الصديق الأمريكي واستطاعا سويًا الانخراط بالعديد من الأعمال التطوعية بالعديد من الأماكن مثل مستشفى السرطان للأطفال بواشنطن. تقدم الصديق لخطبتها بعد التخرج، وفي البداية لقيت رفضا قاطعا من عائلتها لهذا الارتباط، لكن بعد أن تعرف عليه الأهل غيروا رأيهم ووجدوا فيه كل الصفات الأخلاقية والتوافق الفكري والانسجام اللذين تحتاج إليهما ابنتهم في شريك حياتها.
هذا الزواج ليس مجرد ارتباط بين شخصين، بل التقاء بين ثقافتين وحضارتين مختلفتين. لم يجل في مخيلتها على الإطلاق ما قد ينتظرها بالمستقبل أو حتى فكرة الزواج لكنها لطالما آمنت أن ماضيها يعكس مستقبلها، فشغفها بالثقافة الأمريكية وهي طفلة قد كان تمهيدًا لنصيبها مع شريك حياتها. كانت هي أول امرأة من عائلتها تسافر للدراسة بالخارج وترتبط بشخص أمريكي، حيث إنها كسرت بهذا الزواج العديد من الحواجز والقوالب والصور النمطية، فهي تعتبر الزواج توافق فكريا وعاطفيا، وتحقيق حقيقي لما ذكره عز وجل كمودة ورحمة وسكن.
تغييرات جذرية وإنجازات استثنائية
سنة 2017 م كانت سنة مصيرية في حياتها حيث تغيرت حياتها تغييرًا جذريًا وبدأت حياة جديدة مع شريك حياتها في الغربة بشكل دائم وفي ظل أزمة الخليج. اكتشفت وجود معهد قطر أمريكا بمحض الصدفة وانضمت سنة 2018 م للمركز بهدف الإشراف على الملف الثقافي والرياضي. كان المعهد في تلك الفترة مؤسسة بحثية فكرية يتكون مجلس إدارته وموظفيه من الأمريكيين فقط.
مند اللقاء الأول وجد القائمون والداعمون للمعهد فيها المواصفات المطلوبة لقيادته لكونها القطرية الوحيدة التي تمتلك الفهم والخبرات والمؤهلات اللازمة ومقيمة ومستقرة في واشنطن. وحصلت على التشجيع من العديد من الشخصيات التي آمنت بمهاراتها ورؤيتها مثل سعادة الشيخ مشعل بن حمد آل ثاني سفير دولة قطر لدى الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي سنة 2019 م تم تغيير توجه المعهد من معهد مهتم بالقضايا السياسية إلى مؤسسة ثقافية حقيقية بعد أن حصلت على منصب الرئيس التنفيذي، حيث كانت رؤيتها تصب في إعادة تنظيم وتصميم المعهد بشكلٍ كلي ليعرض الثقافة القطرية ويجسد تفاصيلها وأصالتها ليشعر الزوار بكونها جزءًا من هويتهم وذلك حتى بتوسيع مجلس الإدارة والمجلس الفخري والاستشاري ليضم أسماء شخصيات مرموقة ومعروفة من قطر والولايات المتحدة.
تؤمن أن التجربة والتفاعل هما خير طريق للتعلم والإدراك، ولذلك أعادت تأسيس المعهد خلال فترة الجائحة في عام 2020 م ليكون بيئة فريدة للتجارب التفاعلية لزيادة المعرفة والتقدير للثقافة العربية والإسلامية والقطرية من خلال المعارض الفنية، والبرامج التعليمية، والشراكات الثقافية هذا بالإضافة لمتحف العطور، وبرامج الطهي، وعروض الأفلام والموسيقى، ورحلات التبادل الثقافية التي نفذتها. خلال ثلاث سنوات استطاع المعهد تكوين مجتمع لأكثر من ١٥ ألف فرد يؤمن برسالته ويتمتع بفعالياته المختلفة.
أثر ثقافي بين قطر وأميركا
تعتبر متحف العطور الذي صممته وهو الأول من نوعه في الولايات المتحدة أحد أهم إنجازاتها. كذلك إسهاماتها لدعم رؤية الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني لسنة قطر-أمريكا 2021 للثقافة، وإثراءها للبرامج المشتركة مع سفارة قطر بواشنطن، وشراكتها مع البيت الأبيض لإدراج اللغة العربية ضمن اللغات المعترف فيها بتجربة الزوار من إنجازاتها الهامة خلال السنوات الماضية.
كما تعتبر حصولها على جائزة عرب أمريكا للشباب أقل من 40 سنة مكافأة لمبادراتها في خدمة المجتمع والثقافة العربية في أمريكا.
تفخر أنها قابلت قادة دولتين بنفس السنة فتمت دعوتها للبيت الأبيض لمقابلة الرئيس باراك أوباما وأيضًا قابلت صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني (حفظه الله) الذي زار جورج تاون وحرص على مقابلتها والطلبة القطريين الآخرين فيها.