

غادة كربون
اقتحمت مجالات قانونية دقيقة، وجعلت من الدفاع عن الحقوق والانضباط المهني أساسًا لحضورها في المحاماة والقانون الرياضي.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 240–245
غادة كربون، محامية مقيدة أمام محكمة التمييز، ومحكمة في محاكم ومراكز التحكيم الرياضي، ومالكة ومديرة مكتب محاماة في قطر.
شخصية لا تهادن الظلم
ولدت وترعرعت في كنف عائلة قطرية تقليدية ونشأت على سماع الحكم وتطبيق المبادئ، حيث كان والدها يكرر ويتبنى مقولة «لا تنتظر التقدير من أحد بل اسع لتحقيق هدفك بنفسك»، وكان محفزًا وداعمًا لها. علمها منذ الصغر وأوصاها أن تكون خير سفيرة لبلدها عند القيام بأي نشاط أو عند النطق بأي كلمة، كان لتلك الحكم والكلمات أبلغ الأثر في تكوين شخصيتها التي تشكلت من إتقان كل أفعالها والحرص على كل ما تنطق به مبدأ وقانونًا في حياتها الشخصية والعملية.
ورغم كون طفلة مشاغبة بعض الشيء، إلا أنها كانت متفوقة في الوقت نفسه، فمنذ نعومة أظفارها تميزت بشخصية قيادية وكانت ميولها العلمية متنوعة، إلا أن شغفًا خاصًا بفن الرسم هو أبرز ما كان يميزها، فكانت تطمح للتخصص في الفن بعد تخرجها من المدرسة، واستشارت والدها، الذي نصحها بجعل الرسم هواية لا تخصصًا، فاقتنعت بعد حديثها مع والدها بأنها مرتبطة بالفن ارتباطًا فطريًا، إلا أن عليها اختيار تخصص أكاديمي يدعم مستقبلها، ووضعت القانون والمحاماة غاية وقررت التخصص في هذا المجال مستقبلًا.
القانون يصبح خيارًا
اختارت تخصص القانون لكونه معني بكل مناحي الحياة، فهي تعتبر أن ممارس القانون لا بد أن يكون مطلعًا على مجالات كثيرة منها الطبية والهندسية والتجارية والاقتصادية وعلم النفس والاجتماع والمنطق، وتعتبر أن القانون مرتبط بالمجتمع ارتباطًا لا يقبل التجزئة، حيث درست الشابة المتحمسة القانون العام في جامعة قطر ونالت البكالوريوس، أتبعته مع مر السنين بأربع شهادات ماجستير في القانون العام من جامعة القاهرة، والقانون الرياضي من الأكاديمية الأوليمبية القطرية، والقانون الرياضي الأكاديمي من جامعة لييدا بالمملكة الإسبانية، ودبلوم المعهد الملكي البريطاني للتحكيم التجاري الدولي، ثم توجت كل ذلك بالدكتوراه في القانون العام من جامعة القاهرة.
ترفض فكرة الدراسة من أجل الدراسة، ولم تكن غايتها يومًا إضافة شهادة جديدة إلى لائحة شهاداتها، فكل شهادة حصلت عليها هي محطة جديدة ضمن خطة متكاملة. ومع كل شهادة أكاديمية جديدة تحصل عليها يزداد الشغف في داخلها ويتجدد حبها للمعرفة فهي تستمتع بكل مرحلة بذاتها وبكل نجاح تحققه.
تثير هذه المسيرة الحافلة بالتحصيل العلمي الفضول لدى كثيرين، لكن لم تتأثر يومًا بذلك، فهي تعتقد أن الوقت والرغبة والطاقة أمور تستطيع الشابة أن توجهها وتوظفها إن كان لديها الطموح الحقيقي والدافع المناسب، وقد نجحت بجدارة في توظيف تلك الطاقة واستثمار وقتها على أفضل وجه في العمل والإنجاز.
المحاماة من أول قضية
النجاح الأكاديمي الذي حققته سرعان ما انعكس على نجاحاتها المهنية أيضًا، حيث إنها بدأت مسيرتها المهنية من خلال العمل بالمؤسسات والشركات الحكومية وشبه الحكومية، وكان باكورة تلك الخبرات تأسيسها لمكتب المحاماة الخاص بها منذ عام 2012 م لتصبح بذلك تملك وتدير مكتب المحاماة الخاص بها، والذي يعد أحد أهم المكاتب القانونية المرموقة في قطر.
وقد حقق المكتب سمعة قوية بفضل المعايير العالية التي طبقتها رفقة زملائها في العمل فهي تصر على التواصل الجيد مع العملاء، من خلال استقبالهم بترحاب والحرص على اطلاعهم الدائم على تطورات القضايا الخاصة بهم، وبالنسبة لها فإن هذا الأسلوب «يعكس الجانب الإيجابي والإنساني من علاقتنا المجتمعية كعرب وقطريين»، وفي الوقت ذاته تحرص على اتباع أفضل المعايير المهنية العالمية المتبعة في مكاتب المحاماة حول العالم، مستلهمة الأساليب التواصلية من البعدين المحلي والعالمي أفضل ما فيهما في سبيل تطوير عملها وخدمة عملائها على أكمل وجه.
وقد حصل المكتب على أفضل مكتب محاماة في السنة عام 2016 م وأفضل فريق توظيف في السنة عام 2021 م من منتدى قطر للعمل القانوني وعدد من الجوائز الأخرى في 2022 و2023 م.
تجاوز العراقيل والتخصص في القانون الرياضي
منذ بداية مسيرتها لاحظت فرض النظرة الذكورية في المجتمعات العربية التي كانت عائقًا أمام المرأة بشكل عام، وهو ما جعلها أكثر إصرارًا على تحقيق النجاح والتميز في أحد أصعب المجالات التي كانت لوقت غير بعيد حكرًا على الرجل وهو ما أعطاها حافزًا للانطلاق والإبداع في المجال القانوني الذي اختارته تخصصًا لها، بل سعت بكل جدية إلى التميز في هذا المجال من خلال رؤيتها أن الرياضة واحدة من المجالات التي تكاد محصورة على الذكور، وفي خطوة جريئة تنم عن قوة شخصية قررت اقتحام هذا المجال وتتخصص في القانون الرياضي، ولإيمانها بأن كل شهادة تحصل عليها تعد محطة جديدة ضمن خطة متكاملة لتحقيق الطموح، وفي سبيل تحقيق الهدف حصلت على درجة الماجستير في القانون الرياضي من الأكاديمية الأولمبية القطرية، وأتبعتها بالحصول على درجة الماجستير التنفيذي في القانون الرياضي من جامعة لييدا بالمملكة الإسبانية.
رؤية واضحة ومعايير عالية
اعتادت منذ البدء بالعمل في مجال القانون على المثابرة والجد والاجتهاد لتخطي أي عقبات قد تواجهها في سبيل تحقيق طموحها الذي لا حدود له في هذا المجال، وذلك من خلال رؤيتها التي تتلخص في أن الإيمان بما تفعل وبقدراتك وملكاتك ومهاراتك الشخصية والعلمية والخبرات المكتسبة طوال فترة العمل هي الأدوات التي يتسلح بها الفرد والتي تعينه على تجاوز أي عقبات تظهر أثناء مسيرته لتحقيق طموحه، ولذلك تجد حريصة على اتباع أفضل المعايير المهنية المتبعة في المجال القانوني لمواصلة الطريق وتحقيق الأهداف وخدمة عملاء مكتبها، وذلك من خلال أن تضع لها بصمة في كل عمل يسند إليها يشير إلى التفرد والابتكار لسرعة الوصول للأهداف بأعلى حرفية ممكنة.
الفرشاة والألوان والركن المريح
في خضم المشاغل الكثيرة والالتزامات المختلفة لم تنس هوايتها الأحب إلى قلبها، تخصصها الفطري، الرسم، فهي تمارسها في مساحتها الخاصة بين الحين والآخر، فهي تعشق هذه الهواية، وتقوم برسم بعض اللوحات من خلال موهبة منحها إياها الله عز وجل، وقد أفادتها تلك الهواية في اكتساب بعض المهارات الأخرى تعلمت منها التأمل والتركيز في التفاصيل والنظام والتنسيق بين درجات وتداخلات الألوان المتعددة، وتحويل ما يدور في ذهنها إلى صور واقعية ملموسة.
حضور في القانون الرياضي
تجد المحامية الشابة شغفها في التحكيم التجاري والرياضي الذي يعد تخصصًا غير مألوف بين القطاعات القانونية التي تكاد تكون محصورة على الذكور على نحو شبه كامل ولارتباط الرياضة في الوقت الراهن بالاقتصاد من خلال جذب استثمارات شهدت أوجها خلال استضافة وتنظيم دولة قطر لبطولة كأس العالم 2022 فكان اقتحام في مجال المنازعات القانونية التجارية والرياضية أمرًا غير مألوف على الإطلاق، ولتكون أول قطرية تقوم بذلك وقد فرضت نفسها وكانت على قدر المسؤولية من الناحية العلمية، فلم تطرق يومًا بابًا لطلب المساعدة أو الدعم من أحد، بل فرضت نفسها بعلمها وثقافتها وعملها، وركزت على أن تكون لها بصمتها الخاصة في مجتمعها.
وبفضل طموحها الذي لا يعرف نهاية واجتهادها وأيضًا نظرًا لخبراتها ومؤهلاتها العلمية أصبحت المرأة القطرية الأولى التي تعين لدى محكمة التحكيم الرياضي (كأس) في لوزان- سويسرا، ومن ثم اختيرت محكمًا لدى العديد من هيئات التحكيم الرياضي، من بينها الهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي بدولة الكويت ومركز التحكيم الرياضي السعودي، إضافة إلى تعيينها رئيسًا لهيئة الاستماع في اللجنة القطرية لمكافحة المنشطات، فضلًا عن عضويتها بوحدة النزاهة بالاتحاد العالمي للسباحة (FINA)، هذا على الصعيد الرياضي، وأما على الصعيد التجاري فقد عينت محكمًا بمركز قطر للتوفيق والتحكيم، وكذلك عضوًا لدى لجنة التحكيم العالمي التابع لغرفة التجارة الدولية (ICC)، وعضوية وزمالة المعهد الملكي للمحكمين (FCIArb).