

عائشة المناعي
مسيرة علمية ومهنية جمعت بين الدراسات الإسلامية والبحث وحوار الأديان، وأسهمت في بناء جسور التواصل وخدمة المجتمع.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 234–239
سعادة الدكتورة عائشة بنت يوسف بن عمر الحمد المناعي، مديرة مركز محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة، ونائبة رئيس مجلس إدارة مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان، وعضو سابقة في مجلس الشورى وأستاذة وباحثة في العقيدة والفلسفة الإسلامية.
بيت يوقظ سؤال المعرفة
عاشت طفولة عادية بسيطة إلى أبعد الحدود، وكانت طفلة هادئة ومسالمة وخجولة وقليلة الكلام إلى درجة أنها حينما التحقت بالمدرسة أصابتها حالة من الصمت جعلت المدرسة تطردها، وصعب ذلك على والدتها فطلبت من والدها الذي له الكلمة الأولى على المدرسة وعلى كل أهل القرية الصغيرة «الخريطيات» أن يتدخل ويتواصل مع مديرة المدرسة وبالفعل عادت للمدرسة، وشيئًا فشيئًا أحبت العلم وتفوقت في دراستها وكانت المدرسة لا تزيد على 12 طالبة هن بنات أخوال وبعض من أهلها الذين يعيشون في كنف جدها -رحمه الله تعالى- لا سيما أنها فقدت والدها وهي لم تتجاوز الأحد عشر ربيعًا.
العقيدة والفلسفة طريق البحث
بعد انتهاء المرحلة الابتدائية، منعها جدها من الذهاب للمدرسة الإعدادية لأنها كانت في الدوحة، ثم بعد عام أتى الفرج مع التحاق ابنة خالها بالإعدادية وهو ما جعل الجد يعيد النظر في قراره ويسمح لها بالعودة إلى مقاعد الدراسة، وسارت بثبات في تحصيل العلم والمعارف إلى أن حصلت على الثانوية العامة، وكانت تنوي التخصص في علم النفس، لكنها وجدت ضالتها في الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة قطر التي أهلتها للتدريس ثم استوفت مقررات التخصص وعينت معيدةً بكلية الشريعة، وبعد جهد كبير في إقناع والدتها لابتعاثها لإكمال دراستها بجامعة الأزهر بجمهورية مصر العربية من سنة 1981 م إلى سنة 1990 م حصلت على الماجستير والدكتوراه في مجال العقيدة والأديان.
من الجامعة إلى حوار الأديان
بعد العودة من رحلة تحصيل العلم خارج أرض الوطن، بدأت مسيرتها المهنية مدرسة بكلية الشريعة، وقد لقيت الدعم والتشجيع من والدتها المؤمنة بأهمية عمل المرأة، وبعد سنوات عدة أصبحت وكيلة للكلية ثم عميدةً لكلية الشريعة والقانون، وكانت أول امرأة تتقلد هذا المنصب على مستوى دول الخليج والدول العربية، وخلال مسيرتها أسهمت في الشأن المجتمعي لإيمانها بأن الإنسان خلق لينفع وطنه وأمته وأهله.
تأسيس مركز حوار الأديان
أتيحت الفرصة للدكتورة إدارة مؤتمر عالمي لحوار الأديان عن طريق وزارة الخارجية سنة 2003 م.
وبعد ذلك أنشئ مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان بتوصية من المؤتمرات الثلاثة الأولى لحوار الأديان، وبقرار من سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وكانت وما زالت نائبًا لرئيسه.
جسور للحوار وصوت للمعرفة
حققت نجاحات وإنجازات في مختلف محطاتها المهنية، أوصلتها لما هي عليه اليوم بداية من فترة عيادتها للكلية حيث تخرجت طالبات أخذن مواقعهن في مجالات خدمة الوطن وتنميته، وشاركت مجموعةً من العلماء في تأسيس كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، ثم انتقلت لها عميدةً لمدة عام، ثم عملت رئيسًا لمركز محمد بن حمد آل ثاني لإسهامات المسلمين في الحضارة.
قدمت العديد من الإسهامات من خلال مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان الذي أدى تحت إشرافها ورئاستها ولا يزال دورًا كبيرًا في مساندة الدولة في كل أنشطتها الحضارية، فخدم توجه الدولة الحضاري ورؤية قطر الوطنية 2030 في مساراتها، وخاصة التنمية الاجتماعية التي ترتكز على تطوير مجتمع آمن وعادل مستند إلى الأخلاق الحميدة وقادر على التعامل والتفاعل مع المجتمعات الأخرى. عقد 14 مؤتمرًا دوليًا في قطر إضافة إلى مؤتمر أعدته اختارت شخصياته، موضوعه «الحوار بين السنة والشيعة» شارك فيه علماء من السنة وعلماء من الشيعة، وهو المؤتمر الأول من نوعه في قطر. قدم المركز كذلك وبكامل طاقمه وفريق عمله الرؤية الصحيحة لعلاقة الإسلام بالأديان الأخرى واحترامه للآخر، وأصبح ممثلًا للدبلوماسية الناعمة في كل أنشطته داخل الدولة وخارجها، من خلال أهدافه ورؤيته وإيمانه بمحاربة التطرف والإرهاب بكل أشكاله وأنواعه ومحاولة التقريب بين المجتمعات والشعوب والأديان والثقافات من خلال التعامل والتعاون والمشاركة مع الجاليات المختلفة في دولة قطر التي تمثل مختلف الطوائف والعقائد والأفكار واللغات، وكتبت الكثير من الأوراق العلمية والبحثية حول أهمية التفاهم والتعارف والاتفاق لإعمار الأرض.
صوت الإسلام في الإعلام
بدأت الرحلة بزيادة قناعتها وإيمانها الراسخ بالقيم الإسلامية، فأصبحت تطرح تلك الموضوعات في حلقات كثيرة سواء في التلفزيون أو الإذاعة والصحف، حتى إن كثيرًا من المراكز والجامعات الأوروبية والأمريكية دعتها للمشاركة في المؤتمرات، فذهبت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بجامعة ويسكونسن وألقت محاضرة عن «موقف الإسلام من الأديان الأخرى»، وكذلك في أوروبا ألمانيا، إيطاليا، بولندا، بلجيكا، وأيضًا بريطانيا وتركيا وإيران وسراييفو وكثير من الدول، وطرحت رأيها وبينت أن الإسلام يتفق في مقاصده مع المصالح العامة للبشر ولا يعارضها إلا في الشاذ منها.
التكريمات والجوائز
اعترافًا بجهودها وإسهامها في فتح جسور وقنوات تواصل مثمر بين الأفكار والأديان المختلفة حصلت على العديد من التكريمات والجوائز، من بينها وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى من جمهورية مصر العربية، وجائزة شخصية السلام والتقارب من جمهورية إيران الإسلامية، وجائزة خدمة المجتمع من الإمارات العربية المتحدة، وجائزة التميز على مستوى الخليج العربي، بالإضافة إلى جائزة هنري دافيسون من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وجائزة التميز البرلماني من الاتحاد البرلماني العربي.
كتب تثبت رسالة الحوار
خاضت تجربة الكتابة والتأليف فأصدرت العديد من الكتب هي نتاج وانعكاس لفكرها منها «أبو حفص عمر السهروردي حياته وتصوفه والتصوف الإسلامي والأخلاق»، وذلك بالشراكة مع الدكتور أحمد السايح، وكتاب «أصول العقيدة بين الشيعة المعتزلة والإمامية»، بالإضافة للعديد من البحوث والدراسات المنشورة من بينها «التربية الأسرية بين الضوابط الشرعية والمتطلبات الحديثة»، و «المرأة المسلمة وشروط الرقي»، و «النبوة وأهمية الإعجاز».
الحوار أمام سوء الفهم
واجهت على مدار مسيرتها بعض التحديات منها الفئات الذكورية التي تقف عائقًا أمام إشراك المرأة في الحوار، وذلك نتيجة لعدم ثقة هذه المجتمعات في قدرة المرأة، ومن بين المواقف التي تعرضت لها في السنة التي عينت فيها عميدةً كان يفترض أن يكون اجتماع «عمداء كلية الشريعة في الخليج العربي» في دولة قطر، ولكن بعض العمداء من دول الخليج لم يعجبهم الحال بأن تترأسهم في الاجتماع امرأة، لذلك تعطل الاجتماع لمدة سنتين، لكن بعد إصرار منها وتغير بعض الشخصيات التي كانت معرقلة عقد الاجتماع بمنتهى الاحترام والتقدير المتبادل.