

عائشة العبيدان
كتبت بجرأة دفاعًا عن قضايا الوطن والناس، وحافظت على استقلال الكلمة طوال مسيرة صحفية امتدت قرابة أربعة عقود.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 228–233
عائشة عبد الرحمن العبيدان، كاتبة صحفية وخريجة تربية ولغة عربية، ومديرة مدرسة متقاعدة بدأت معلمة ثم تدرجت إلى العمل الإداري والقيادي.
وعي مبكر بالناس والوطن
عاشت طفولة بسيطة في منطقة مشيرب وسط عائلة قطرية محافظة متدينة ميسورة الحال، مع والدين حريصين على تلبية طلباتها وطلبات أخويها الأصغر سنًا بلا إسراف ولا تبذير، حيث كان الوالد حازمًا صارمًا حريصًا على أداء أبنائه الصلاة في أوقاتها والمواظبة على التعليم وحفظ القرآن الكريم، فلم يسمح لها باللعب مع غير بنات الأسرة من بنات العم أو الخال واللواتي كن يدرسن معها في المدرسة ذاتها ويرافقنها ذهابًا وإيابًا وتجتمع معهن في بيت واحد لتتشارك الأحاديث والدراسة والألعاب التي كانت في معظمها مرتبطة بالبيئة ومتوارثة مثل الكيس والورقة، الكيرم، الصبة، الدومينو، ما جعل طفولتها ممتعة عفوية بسيطة لم تخرج عن الإطار العائلي الضيق المليء بالقيم والحب، إذ يجتمع أفراد العائلة الموسعة على مائدة واحدة للطعام وغرفة واحدة لمشاهدة التلفاز وينام الأطفال في غرفة واحدة رغم سعة البيوت وتعدد الغرف، وظلت هذه العلاقة الجميلة الحميمية هي المعيار الثابت في علاقاتها الأسرية فكان يوم الجمعة مقدسًا تنتظره بشوق، يخصص للذهاب للمنتزه أو إحدى المزارع أو البحر برفقة عائلتها في فصل الصيف وللبر حيث العشب ومياه الأمطار.
دراسة تهيئ للقلم
التحقت في المرحلة الابتدائية بمدرسة «آمنة محمود الجيدة» ودرست المرحلة الإعدادية في قطر الإعدادية، ثم قطر الثانوية للبنات، كانت تلتحق خلال الإجازة الصيفية بأحد المراكز التعليمية الخاصة التي كانت محدودة آنذاك لدراسة المقررات الدراسية للسنة الدراسية الموالية، وحين وصلت المرحلة الثانوية امتدت علاقتها الاجتماعية وتجاوزت حدود الأسرة لتكون صداقات مع زميلاتها في الدراسة، وثقت عائلتها برجاحة عقلها وحسن أخلاقها فسمحت لها بتبادل الزيارات مع صديقاتها ومجالستهن في بيوتهن والمذاكرة معهن بساعات محددة دون تأخير.
في المرحلة ذاتها، بدأت علاقتها مع القصص والمجلات والصحف المحلية والخليجية فكونت مكتبة صغيرة متواضعة هي عبارة عن خزانة صغيرة، ركنتها في إحدى زوايا الغرف، فكانت حريصة أشد الحرص على ما تشتريه من كتب، فتحافظ عليها وكأنها كنزٌ تخشى ضياعه، فلم تسمح لأحد بالاقتراب من ركنها الصغير دون استئذانها، وامتدت هذه العلاقة من القصص الصغيرة إلى الاهتمام بالروايات في المرحلة الثانوية لكبار الرواة على غرار طه حسين وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويحيى حقي وغيرهم، والاهتمام بقراءة كتب الشعر باختلاف موازينه وزمانه وعروضه وبحره، القديم والحديث، وشعر المعلقات، الشوقيات، عمر بن أبي ربيعة، امرئ القيس إيليا أبي ماضي، نزار قباني، بدر شاكر السياب، فهد العسكر، محمد مهدي الجواهري وغيرهم الكثير كان لوالدها تأثير كبير على حب القراءة حيث كان قارئا جيدا لمتون الكتب في الدين والعقيدة والشعر القديم
تأخرت انطلاقتها الفعلية في مجال الكتابة قليلًا، إلى أن نضج فكرها واتسع مخزونها اللغوي. ومع التحاقها بالجامعة، بدأت كتابة خواطر شعرية على أوزان خفيفة، مثل بحري الوافر والبسيط، ونشرت أولى كتاباتها في أعداد متتالية من مجلة «الجامعية»، الصادرة آنذاك عن مكتب الخريجات في جامعة قطر. كما حرصت على اقتناء الأعداد الشهرية من مجلة «الدوحة»، الصادرة عن وزارة الإعلام، ومجلة «العربي»، الصادرة في دولة الكويت، ولا تزال تحتفظ ببعض تلك الأعداد بوصفها مراجع لموضوعاتها قبل انتشار الإنترنت.
المقال الأول في الصحف المحلية
أولى كتاباتها كانت عبارة عن رد فعل حول شريط كاسيت وصلها، يسيء لأبناء المجتمع بحوار بين اثنين تقمصا شخصيات قطرية وهمية وتلفظا بعبارات غير لائقة، جرى تداوله في المجتمع دون أن ينتقد مروجوه أو يعاقبوا، فاندفعت للكتابة من باب الغيرة على الوطن وأبنائه، وأمسكت القلم وكانت الساعة الثانية صباحًا، وكتبت المقال ناقدة في زاوية «نافذة» بصحيفة العرب المخصصة لجميع الكتاب ونشر تحت اسم رمزي «ع. عبيدان»، ثم انطلقت في الكتابة الصحفية والتزمت بها، وبعد بضع سنوات من الاستمرارية انفردت بعمود صحفي تحت مسمى «ومضة» وما زالت كتاباتها الأسبوعية بهذا العنوان ولكن تحت الاسم الكامل، سخرت قلمها في الدفاع عن الوطن والأمير مع بداية الأزمة الخليجية 2017 م «حصار قطر» حتى نهاية وحل الأزمة 2021 م.
محطات في الصحافة
رائحة الكتب والمجلات كانت بالنسبة لها الإدمان الجميل الذي لم تفكر في الإقلاع عنه مهما كثرت مشاغلها ومسؤولياتها فكان مهربها من ضغوطات الحياة وكانت حريصة على الاطلاع على الآراء والتحليلات المختلفة وبناء رأيها وموقفها الخاص من كل حدث، وكبر حلمها بممارسة دور الكاتب والصحفي وكان أكبر طموحاتها أن تخاطب يومًا ما رئيس تحرير ما للاطلاع على كتاباتها وقد وضعت هذا الهدف نصب عينيها، ليتحقق الحلم ويصبح واقعًا ووضعت خطة لتحقيق غايتها وركزت على ممارسة الكتابة بشكل مستمر والالتزام بها بعمود صحفي أسبوعي تحت مسمى «ومضة» بدأت بوادرها بداية مع جريدة العرب القطرية سنة 1984 م، ثم انتقلت إلى جريدة الراية ثم الوطن ثم الشرق.
خطوط حمراء
على مدار مسيرتها في الكتابة التزمت بمجموعة من القواعد والمبادئ التي لم تحد عنها ووضعت لنفسها خطوطًا حمراء لم تتجاوزها وهي خطوط رسمها والدها في خيالها قبل أن ترسمها لنفسها في كتاباتها، فالكتابة بالنسبة لها حرة تناقش جميع القضايا وتدخل جميع الزوايا لكن تقف عند خط الوطن والأمير كما أنها لا يجب أن تمس من كرامة أي شخص وذكره وألا تخل بقيم المجتمع القطري المحافظ.
المقال يصنع أثرًا عامًا
تمكنت من ملامسة قضايا المواطن وهمومه من خلال ما يخطه قلمها من سطور تحاكي واقع المواطن وواقع المجتمع من أجل الإصلاح وتنقية المجتمع مما يعتريه من سلبيات تؤثر في عمليتي النمو والتطوير، في مجتمع بترولي، وقد وجدت كتاباتها صدى لدى القيادة والسلطة حيث تمكنت من تغيير بعض القرارات الحكومية من بينها قرار وزارة الصحة بدفع رسوم البطاقة الصحية على المقيمين بمبلغ 200 ريال، حيث طلبت مراعاة الظروف المالية لهم وما كان من الوزير سعادة السيد علي بن سعيد الخيارين إلا التجاوب وتخفيض الرسوم إلى 100 ريال فقط بقرار آخر ونشر في الصحف الرسمية في اليوم الموالي بناء على المقال.
تمثيل الوطن في الخارج
لم يقتصر دورها على الكتابة فحسب بل مثلت وطنها في الخارج بالمشاركة في المحافل الدولية وذلك تلبية لدعوة من وزارة الإعلام بالكويت لحضور بعض المؤتمرات الخاصة بالإعلاميات الخليجيات لمناقشة دورهن في الصحافة الخليجية على مدى سنوات متتالية، أيضًا شاركت في مؤتمر المانحين السوريين بقيادة الشيخ صباح رحمه الله، سنة 2015، ووجهت لها دعوة رسمية خاصة من وزير الإعلام الكويتي سعادة السيد يوسف السميط لزيارة الكويت بعد التحرير سنة 1992 كنوع من التقدير والاحترام حول ما كتبته من مقالات من بداية الغزو العراقي على الكويت حتى التحرير وبصفة أسبوعية، وتعرفت خلالها على ما ألحقه الغزو العراقي من آثار مدمرة بعد الانسحاب.
استقلال الكلمة تحت الضغط
كانت من أوائل السيدات اللواتي يدخلن عالم الصحافة وهو ما جعلها تواجه العديد من التحديات والصعوبات بعضها داخلية وأخرى خارجية فبداياتها كانت خجولة بسبب تخوفها مما تكتب وكيف تكتب، ومترددة بسبب خوفها من المجتمع ومن موقف والدها حين يعلم بظهور اسمها في جريدة محلية، لكنها تحدت جميع المخاوف والعراقيل ونزعت الخوف من نفسها.
أما التحدي الآخر الذي واجهته كان خلال فترة عملها في وزارة التعليم حيث كانت تكتب مقالات نقدية جريئة تسائل من خلالها بعض القرارات وتدعو لبعض التعديلات وتسلط الضوء على العديد من السلبيات بمنظار الواقع الميداني الذي تراه وتتعايش معه، لكنها أصرت على مواصلة السير في هذا المسار من منطلق إيمانها بضرورة الفصل بين الكتابة الصحفية والعمل التربوي ومن منطلق مسؤوليتها تجاه المجتمع لا سيما في ظل ما اعترى تشغيل المدارس المستقلة التابعة للمجلس الأعلى للتعليم من انحرافات وفشل وسوء تشغيل وغيرها، وهو ما جعلها تتعرض للاستجواب حول ما تكتب أحيانًا، إما مباشرة أو من خلال الرد على الصحيفة، ولكن هذا لم يمنعها من الاستمرار بمنهجها النقدي في الكتابة لقناعتها التامة بأن الكلمة الصادقة أمانة وأنها مسؤولية أمام الله الذي منحها هذه الموهبة.