شيخة المنصوري
دليل الشخصيات ←

شيخة المنصوري

راهنت على التميز والتغيير المدروس، وتركت في التعليم أثرًا ظل حاضرًا في الطالبات والمعلمات والإداريات.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 198–207

شيخة إبراهيم المنصوري، رئيسة قسم الإشراف والدعم في إدارة شؤون المدارس بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وتربوية بدأت معلمة ثم موجهة ومديرة مدرسة.

طفولة في بيت التعليم

ولدت في 1963 م في منطقة الريان وسط أسرتها الممتدة التي تمسك بزمامها جدتها -والدة أبيها- وكانت العائلة تتوقع استقبال مولود ذكر طال انتظاره ولم يأت إلا بعد أربع بنات، لتنتهي تشكيلة العائلة بست بنات وأربعة صبية، يحملون خلف أسمائهم اسم قدوتهم في التسامح والعطاء وحب الآخرين والدها – رحمه الله – الذي جاهد صعوبات الحياة بكل صبر وجلد وقاسم حلو الحياة ومرها مع شريكة عمره الأم الحنون النشيطة كالنحلة في مملكتها والتي سخرت عمرها ووقتها للعناية بكل أفراد منزلها بلا كلل ولا ملل، وقد ورثت عنها ملامحها وصبرها واهتمامها بعائلتها.

وترعرعت بين أسرتها المستقرة المتماسكة التي كانت مثالًا للأسر الممتدة التي تضم الأم والأب والعم والخالة والجد والجدة، غرست أسرتها بداخلها الكثير، فجدتها قائدةٌ عظيمة للأسرة، استقت منها أساسيات القيادة، ونهلت من مبادئها وقيمها التي حفرتها في ذهنها منذ الصغر، ورغم رفضها الداخلي لتوجيهاتها -في طفولتها- إلا أنها أيقنت قيمة كل كلمةٍ وحكمةٍ في الكبر، وانبهرت بعظمة الدروس التي تعلمتها منها، إذ مثلت محور الحب والتماسك في الأسرة بفضل حرصها على جمع الأسرة وعلى الألفة والمحبة بين أفرادها، وظلت عماد البيت وركيزته إلى أن فارقت الحياة سنة 1991 م.

وقد جاد حي الريان عليها بأخوات من رحم الحياة كن خير رفيقات شاركتهن تفاصيلها واهتماماتها، فخطت سعدية على دفاترها أرقام الرياضيات وأساسيات علومها، وحلت معها المسائل الرياضية دون علمها أنها حلت في نفسها مسائل حلمها الذي صار واقعًا محفورًا على شهادتها الجامعية، ولصديقتها زهرة نصيب فقد كانت أمًا في حرصها على تعليم بنات الحي، وامتد حرصها إلى فترة عملهما معًا في التوجيه لاحقًا فكانت خير من عملت معه واستفادت منه.

وسط ثقافي داخل العائلة

لم تكتف العائلة بغرس المبادئ وحسب في الطفلة الشقية بل أيضًا عشق الحروف والكلمات فكانت تتصفح خفية كتب عمها عبد الله قدوتها في ثقافته وحبه للاطلاع، فكانت كتبه رفيقه الدائم ينتقيها بعناية في سفرياته المتعددة إلى مصر ولبنان، ويعود الفضل لعمها ومعلمتها أنيسة الهتمي في إشعال فتيل ثقافتها وحبها للقراءة.

دراسات تصقل القيادة التربوية

درست المرحلة الابتدائية في مدارس الريان الجديد والريان القديم، وقضت أجمل اللحظات بين جدران الساحات، ممرات الفصول، وصوت الطباشير، ورائحة كيك البرتقال في حصة النسوية (التدبير المنزلي) وهو ما أسهم في إعداد رؤيتها وترسيخ علومها، وقد تأثرت بشكل كبير بمعلماتها فلم يقتصر دورهن على التعليم بل غرس المبادئ وتوجيه الاهتمامات نحو القراءة والمطالعة والاطلاع.

الزوج الداعم والأمومة

وجدت أستاذة نصفها الآخر مع رفيق دربها عبد الرحمن (أبو سعود) الذي أراها الحياة بمنظور مختلف وصقل تجاربها وأهداها أمومتها وابنها سعود، وكان محركًا يدفعها للنجاح ويشجعها على الاستمرار في دراستها وعملها وحياتها.

أولى الخطوات في الميدان

أكملت الثانوية والتحقت بجامعة قطر كمعلمة في بعثة، ورغم أن هذا المسار لم يكن طموحها في يوم من الأيام، إلا أن هذه الفترة كان لها الفضل في صقل خبرتها. بدأت بذلك مسيرتها المهنية كتربوية معلمة طموحة، انتهجت أسلوب التطوير الذاتي لتكون جزءًا فعالًا في منظومة التعليم، تضيف إسهامات من شأنها أن تبني ذاتها وتعود بالنفع على كل من تصادف في مسيرتها من منطلق رؤيتها التي تتطلع دائمًا للأخذ بيد كل من يحتاج كمعلمة لبذرة انتظرت ثمارها.

الخبرة تنتقل بين الصفوف

سنة 1991 م، اختيرت للعمل كموجهة مرحلية ضمن أول فريق من المعلمين يعين في التوجيه، في البداية رفضت هذا القرار لارتباطها القوي بمدرستها وطالباتها وزميلات المهنة خصوصًا، وكانت تنوي رفض هذه المهمة التي أوكلت لها إلا أن لقاءها مع فوزية الكواري صديقة العمر غير قرارها بعد أن أقنعتها بدخول المقابلة، وقد تعلمت منها أن العطاء لا ينحصر بالمكان أو المهنة، وإنما هو رفيق الشغوف حيث يكون.

المدارس المطورة

وقد استفادت من عملها كموجهة ومن انضمامها لمركز التأهيل في فترة التوجيه، الذي كان مصبًا لمهاراتها كمعلمة وقد وجهت خبراتها لقيادة فريقها في فترة المدارس المطورة التي انضمت لها بعد اختبارات عدة ضمن مقابلات دقيقة اجتازتها بجدارة، وقد لقيت مساندة من فريدة العبيدلي والمحمود وزيرة التربية والتعليم آنذاك – رحمها الله – في بدايات مدرسة موزة بنت محمد المطورة.

موزة بنت محمد المطورة

بدأت في موزة بنت محمد المطورة كمديرة مدرسة وقيادية تعزف سيمفونية عذبة بصحبة أوركسترا رائعة متمكنة ومحترفة في مجال التعليم، وبدأ مشوار احتضانها لبذرة مدرسة موزة بنت محمد المطورة التي كانت واحدة من مدرستين فقط في تلك الفترة تضم الطلاب من مرحلة الطفولة المبكرة من رياض الأطفال إلى الصف الثالث الابتدائي، كانت تلك المدرسة بداية حجر الأساس لمدارس موزة بنت محمد فيما بعد رياض الأطفال، المرحلة الابتدائية والمرحلة الإعدادية.

مثلت مدرسة موزة بنت محمد مصنعًا للأساسات على الأصعدة كافة، بدءًا من الفريق، مرورا بالمناهج وأساسيات البحث العلمي والإجرائي، ودروس الموسيقى التربوية والمسرح المدرسي وبرامج السباحة، انتهاء بالسياسات المنظمة للعمل، راهنت على التميز فأصبحت الصفة المميزة لمدارس موزة وهذا ما أشادت به صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر – حفظها الله – خلال زيارتها لمدرسة موزة بنت محمد المطورة، وتحملت المشقة في فرض التغيير بأسس مدروسة، فأصبح التفرد سمة لمدارس موزة بنت محمد حتى يومنا هذا، وشجعت على قوة الغرس، فترجمت ذلك إلى قوة في مخرجات مدارس موزة من طالبات ومعلمات وإداريات حتى يومنا هذا.

لم تكن مدرسة موزة بنت محمد مدرسة عادية بل لطالما كانت مميزة تخرج النخبة من الطالبات

أو الموظفات اللاتي يشار لهن بالبنان، وتشهد الإشادة بهن وببصمتهن حاليًا في مدارس موزة بنت محمد من قادة ومعلمات وإداريات، أو من انتقل منها ترقية كنواب ومعلمات لمدارس أخرى ومراحل دراسية أعلى بعلوم الاستقصاء والبحوث العلمية والإجرائية.

وقد أفردت المدرسة اهتمامًا خاصًا بعلوم الاستقصاء والبحوث العلمية والإجرائية، وحرصت على الاحتفاظ ببصمة تلك البحوث وتطويرها، خصصت لها جزءًا كبيرًا من الوقت والجهد وكان لها نصيب الأسد من برامج التدريب واجتماعات العمل حتى خارج ساعات الدوام، وقد أثمرت هذه الجهود فوز المدرسة بالمركز الثاني في أول مسابقة للبحث العلمي في دولة قطر، وكانت هذه انطلاقة تميز مدارس موزة بنت محمد بالبحوث العلمية والإجرائية التي تتدلى ثمار حصادها حتى اليوم وبمراكز متقدمة جدًا.

الاهتمام بعلوم البيئة وأساسيات الترشيد والتنمية المستدامة

ركزت المدرسة على البيئة وأساسيات الترشيد والتنمية المستدامة، وحصدت العديد والدروع والشهادات التي بين حروفها تقف شامخة الجهود والتفاني، إذ كانت المدرسة سباقة في ترسيخ أساسيات حب البيئة والمحافظة عليها، من خلال مشاركات عدة منها منظمات عالمية مثل اليونسكو، وبرنامج «لكل ربيع زهرة»، حرصت إدارة المدرسة وعلى رأسها المديرة على صقل اهتمام الطالبات بالقضايا العالمية، وقد شاركها فريقها المميز في ذلك، حتى إن الوفد الياباني الذي زار مدرسة موزة بنت محمد المطورة أثنى على التزام التلميذات برعاية نبتة خاصة لكل تلميذة، تزرعها وتتعهدها يوميًا، وهي الفكرة التي تبنتها الأخصائية الاجتماعية آنذاك عائشة شاهين الكواري، من باب جذب الطالبات للحضور يوميًا للمدرسة وتعلقهن بها، وكان لهذه الفكرة أثر وقيم عظيمة متمثلة في الانتماء واحترام البيئة.

تعزيز القيم في نفوس الطالبات

اهتمت مدرسة موزة بنت محمد اهتمامًا خاصًا بتعزيز القيم في نفوس الطالبات، وأصدرت كتابًا خاصًا بعنوان (سر سعادتي أني أحب الله) ساعدت في تنفيذ فكرته ممرضة المدرسة أستاذة فكرية بسيوني – رحمها الله –.

ومن بين أهم المبادرات في هذا المجال (وجه وجهتك) الذي أوصل المدرسة للمشاركة في الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله.

ونفذت المدرسة أنشودة (أسماء الله الحسنى) وتم إعداد كورال قطر بقيادة المبدعة مرفت الناصر، الذي مثل موزة بنت محمد بإبهار وإشادة الجميع في عدد من المحافل الوطنية والبرامج الإذاعية الوطنية، إضافة إلى البرامج التي نجحت في فرض قوتها كبرنامج (خطوة) الذي كان يستقطب في وقته صغيرات الخبرة من طالبات الجامعة ومن لم تلتحق بالجامعة لتضعهن على بداية الطريق المهني بثبات، وقد خرج مجموعة من الطالبات اللواتي يمثلن الآن نماذج مشرفة تثلج الصدر بنجاحاتها، منهن من وصلت للقيادة التربوية، ومنهن من استمرت في عطائها المتميز في مجالها، وبرامج موزة بنت محمد الموجهة للطالبات لغرس أساسيات العلوم فيهن.

علمني كيف أتعلم

من بين أهم المبادرات التي أطلقت خلال فترة إدارة مبادرة (علمني كيف أتعلم) الذي يهدف لرفع مستوى الطالبات أكاديميًا، ويركز على فئة التلميذات اللاتي يجدن صعوبة في دروس القراءة، فكانت المديرة تشرح لهن الدروس وتشجعهن على قراءة كل شيء يمر على أعينهن الصغيرة، ومن تأتي بالعدد الأكبر، يكون لها مبلغ بوزن ما تعلمت وحفظت.

إسدال الستار على المطورة وتجربة المستقلة

اكتمل المشوار بعد تجربة المدارس المطورة بالمدارس المستقلة وهو ثوب موزة بنت محمد الابتدائية الذي لبسته رغما وإجبارا نظرًا للمستجدات في الميدان التربوي.

نجاحات منقطعة النظير لموزة بنت محمد الإعدادية

سنة 2008 م تم افتتاح مدرسة موزة بنت محمد الإعدادية وهي امتداد لمسيرة موزة بنت محمد الابتدائية أختها الكبرى، وذلك بطلب من وزيرة التعليم آنذاك الفاضلة/ المحمود رحمها الله واستمرت النجاحات وتوالت الإنجازات بين مناظرات قطر باللغتين العربية والإنجليزية بقيادة الفاضلة معلمة ومنسقة اللغة العربية أ. نجاح جادو، وأيضا معلمة ومنسقة اللغة الإنجليزية أ. نادية فتوح، اللتان قدمتا جهودا كبيرة في المناظرات انعكست في إحراز المراكز المتقدمة.

وقد تميز فريقها بإصراره على التعلم ومواكبة كل ما هو جديد ومن شأنه أن يضيف لموزة بنت محمد ما يزيد من أرصدة تميزها، فقدمت نجاح أبو شنب مثالا للإصرار والعزيمة وكانت حريصة كل الحرص على رعاية الطالبات علميا وماديا خاصة ذوات الدخل المحدود من خلال برامج تنموية مثل «صندوق الخميس» وبرعايتها تعلمت طالبات موزة بنت محمد أساسيات الاقتصاد، الادخار، والتنمية المالية، كانت حريصة على الأجر الجماعي لموزة بنت محمد من خلال برامج مع الجمعيات الخيرية في رمضان، ومساهمات خيرية عدة، وبمؤازرة الفريق الإداري تم تطبيق الإدارة الإلكترونية في مدارس موزة بنت محمد.

حسن اختيار الفريق سر النجاح

تؤمن بأهمية حسن اختيار فريق العمل من المبادرين من ذوي النجاحات والخبرات والإبداعات، لذا ركزت على النقاط التالية لتقوية قيادة الأفراد سياسة الإدارة المفتوحة، التعلم من الأخطاء، اعتماد نظرة الصقر أو الهليكوبتر لتحليل الأمور، تطوير قدرات الأفراد، بناء الثقة فيهم وتقليص أي شعور بعدم الأمان وزيادة المهام الموكلة إليهم وإعطائهم المعلومات المطلوبة لإنجاز العمل وتقديم المدح لهم، تقوية الشعور بالانتماء الحيوي وليس مجرد الوجود الجسدي.

تقدير لمسيرة مدرسية

ظلت مدرسة موزة بنت محمد مركز اهتمام والجزء الحاضر في ساعات يومها بين رعاية وتخطيط واهتمام بهذا الصرح، وكانت لموزة بنت محمد الأولوية في حياتها لدرجة أنها أكملت الدبلوم الخاص في التربية وأجلت إكمال دراستها العليا لشعورها الصادق بأن المدرسة تحتاجها وأولى برعايتها، واعترافا بجهودها وإسهاماتها الكثيرة والمميزة تم تكريم من قبل شركة fast- forward لتطوير اللغة الإنجليزية من الشركة الأم، باعتبارها أول عربية تدخل مختبرات الشركة في بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية، وكان للأستاذة مريم الراشدي بصمة مميزة في هذا البرنامج بنظام التعلم عن بعد لتعليم اللغة الإنجليزية من معامل المدرسة والمنزل وقد شارك فيه عدد من المعلمات والطالبات وكذلك أولياء الأمور بالتواصل مع مختبرات الشركة في مقرها الأساسي، وكان ارتفاع مستوى اللغة الإنجليزية ملحوظا، حيث حصلت المدرسة على مستوى متقدم بين المدارس كأعلى مشاركة ونتائج.

مرض الأم ونقطة تحول في المسيرة

بعد سنوات من العطاء المتواصل اضطرت مديرة المدرسة مرغمة لترك مدارس موزة بنت محمد جسدًا وليس روحًا؛ فقد فاجأتها الأيام بما لم يكن في الحسبان، فها هي أمها الحنون النشيطة بينما تستعد لأداء مناسك العمرة تصاب بنزيف في المخ يرغم على ترك مكانها، ومنح الفرص لمن كانوا ضمن فريقها ممن صقلت موزة خبراتهن وطورتها، فكان الترشيح منها لهن بمنزلة بقاء جزء منها، وانتقلت لعملها الذي ما زالت تمتطي صهوته حاليًا كرئيس قسم الإشراف والدعم بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي. ولا تنسى فضل بناتها حصة السويدي ولينا البوعينين فلم تكونا من رحم بطنها ولكنهما ابنتان ولدت محبتهما من رحم قلبها تعهدتهما بالاهتمام فترة عملها معهما وتعهدتاها بالحب الصادق والإخلاص والود بعد تركها العمل في مدرسة موزة بنت محمد.