

شريفة العمادي
وضعت تماسك الأسرة في قلب عملها، وفتحت في العلاج النفسي والإرشاد الأسري مسارات علمية جمعت التخصص بالقيم.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 188–197
الدكتورة شريفة نعمان العمادي، المديرة التنفيذية لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، ومعالجة نفسية مرخصة في مجال الإدمان والانحرافات السلوكية والعلاج الأسري، وباحثة في العلاج المعرفي السلوكي والإسلام.
أسرة تضع العلم في الصدارة
ولدت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من سنة 1969 م في منطقة الدوحة الجديدة وسط عائلة قطرية متكونة من 9 بنات وولدين، هي الرابعة من بين إخوتها، عاشت طفولة هادئة وجميلة في كنف عائلتها المتفهمة والداعمة، ووسط الحي المليء بالحركة والنشاط نظرًا لقربه من سوق واقف الذي يمتلك والدها وأعمامها محلات به، وكان جميع أهالي الحي عائلة واحدة، وما عزز هذه العلاقات الاجتماعية تجمع البنات في الفترة المسائية لا سيما في الشتاء لتذوق مخبوزات الأم ومنها «الرقاق» الذي كانت تحب أن تجهزه بنفسها.
طبيعة الحياة في الفريج جعلت تتعامل مع جنسيات مختلفة وكونت صداقاتٍ مع بنات من مختلف الجنسيات، وهو ما أثر بشكل كبير في شخصيتها فلم تجد أي صعوبة في التعامل مع الآخر مهما كان عمق الاختلافات.
هذه الأجواء كونت شخصية متوازنة لكنها خجولة وكتومة تعجز في بعض الأحيان عن ترجمة مشاعرها التي تنفجر أحيانًا في شكل صراخ وصياح، لكن والدها – حفظه الله – تفهم وتقبل طبيعة شخصيتها الفريدة وآمن بقدراتها وكان يلقبها بها. لقيت دعمًا كبيرًا من إخوتها الذين تجمعهم علاقة وطيدة ومتماسكة، ويتمتعون كلهم بشخصيات فريدة ومستقلة، وهو نتيجة بيئة الحوار والنقاش وحرية التعبير التي أتاحها لهم والدهم الذي كان يهتم بأدق تفاصيل حياة بناته اللواتي يشاركنه أفكارهن بكل أريحية ودون خوف أو قيد، فكان رب العائلة يقدس الاجتماعات العائلية رغم انشغالاته وسفره الكثير بسبب عمله في مجال التجارة.
هذه اللحظات الجميلة والأجواء العائلية المفعمة بالحب جعلها تؤمن بأهمية الوقت النوعي لحل جميع المشاكل وبناء علاقات أسرية متماسكة، إذ خلت لقاءات العائلة من المناقشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورغم هدوء الوالدة وكونها غير متعلمة إلا أنها كانت حريصةً أشد الحرص على تعليم أبنائها وحصولهم على شهادات جامعية عليا، بالإضافة إلى اهتمامها الشديد بجميع تفاصيل حياة بناتها الدقيقة وبأناقتهن، فعلمتهن أصول التعاملات الاجتماعية والعطاء والكرم والإكرام، وعلمتهن الفرق بين قوة الشخصية والتعبير عن الرأي وبين احترام الزوج، وأثر عمها بشكل كبير في شخصيتها وشخصيات إخوتها إذ كان حازمًا ودقيقًا ويهتم بالتفاصيل الصغيرة في أساليب التعامل والحديث، وقد استفادت بشكل كبير من هذه النصائح والتوجيهات في حياتها الشخصية والمهنية.
السفر جزء من عادات العائلة
كان والدها حريصًا على رحلات السفر مع أبنائه لا سيما للدول العربية ليعرفهم على ثقافات وعادات وتاريخ الدول العربية، وكان حريصًا على زيارة المتاحف والمكتبات بشكل خاص، وهو ما نمى اهتمامها بالتاريخ وغرس فيها الانتماء العربي والوطنية.
ألف والدها كلمات تتماشى مع لحن السلام الأميري الذي كان في شكل موسيقى وهي «يا دوحة العز والفخر يا بلادي يا قطر عشت أنت تحت إمرة آل ثاني للأبد»، وكان يسجل لبناته وهن ينشدن هذه الكلمات.
ولحسن حظ أنها كانت ضمن جيل مهتم بالتعليم، والأهالي يولون التعليم مكانة وأهمية بالغة ويطمحون لتغيير وضع المرأة وتعزيز مكانتها في المجتمع، وهو جيل النهضة الذي شد العزم لبناء وطن قوي ومتماسك ومتطور.
وكان والدها حريصًا على زيارة المكتبة في كل دولة يزورونها، فكانت تتوجه لكتب علم النفس بتوجيه غير مباشر من والدها.
الدكتورة شريفة مصدر فخر لعائلتها
جعلت دكتورة والدتها فخورة بها، فقد حققت حلمها وجعلتها تحضر أكثر من حفل تخرج، حتى إنها عندما أتمت دراسة الدكتوراه في بريطانيا وحصلت على شهادتها ولم تحضر والدتها الحفل حاولت تعويضها فشاركت في جائزة التميز العلمي التي تعد واحدةً من أهم الجوائز في الدولة، وفازت بالجائزة البلاتينية سنة 2009 م لترى نظرة الفخر والسعادة في عيني والدتها، لا سيما أنها استلمت الجائزة من الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الذي كان وليًا للعهد آنذاك.
من التفوق إلى التخصص النفسي
في السنة الثانوية الثانية، درست سكرتارية طباعة إنجليزية وعربية رغم أنها لم تكن مهتمة بوظيفة السكرتيرة، لكنها اكتسبت مجموعة من الخبرات والمهارات لا سيما فيما يتعلق بتنظيم الوقت وتنظيم الملفات، وهو ما ساعدها كثيرًا في مسيرتها الوظيفية لاحقًا.
بعد الحصول على الثانوية العامة كانت تخطط للتخصص في علم النفس الذي كان يستهويها منذ الطفولة، لكن ذلك التخصص لم يكن متوفرًا في قطر ورفضت عائلتها السماح لها بالدراسة خارج البلاد، فحاولت الالتحاق بتخصص الخدمة الاجتماعية، وللمرة الثانية باءت مساعيها بالفشل بسبب اكتمال العدد، وهو ما أحبطها إحباطًا شديدًا، لا سيما أن طلبة كثيرين قبلوا في هذا الاختصاص بمستوى ومجموع أقل من مستواها ومجموعها، فاضطرت إلى اللجوء للخيار الثالث وهو التخصص علم الاجتماع كتخصص رئيسي وخدمة اجتماعية كتخصص فرعي في جامعة قطر، وقد استفادت كثيرًا من الدكاترة، وكانت طالبة مجتهدة حريصة على البحث والتعمق، لم تكتف بالكتب ولم تضيع فرصةً لتعلم أشياء جديدة، فهي لا تعتمد على التعليم داخل المؤسسة التعليمية، بل تسعى لتطوير نفسها وتحرص على زيارة أماكن مختلفة وجديدة وإجراء بحوث يطلبها الدكاترة، حتى إنها لم تكتف بالتربية العملية في المستشفيات بالحد المطلوب بل تجاوزته وهو ما أكسبها معرفة أوسع، وكسبت ثقة في نفسها وأصبحت أكثر نشاطًا داخل الفصل. كانت تناقش ولا تتردد في التعبير عن رأيها بعد أن اكتشفت أنها تحب الإبداع ولا ترضى بأسلوب التلقين، ولا يمكن أن تحفظ أي شيءٍ إلا إذا اقتنعت به، وساعدها تفكيرها الفريد والمتميز التحليلي البعيد عن التقليدية في الحصول على أعلى الدرجات بالجامعة، فتخرجت بعد أربع سنوات وحصلت على كمٍ كبيرٍ من المعلومات المهمة لتتحدى نفسها وكانت تضع نصب عينيها إنهاء الماجستير والدكتوراه، وهو طموح زرعه فيها والدها الذي كان يدعوها بالدكتورة.
التجربة في مركز الإرشاد ومواصلة تحصيل العلم
بالتزامن مع التدريس واصلت الدراسة وحصلت على دبلومٍ عالٍ للإرشاد النفسي بجامعة قطر، واستمرت في التدريس وأيضًا العلاج في مركز الراشد، وقد استفادت بشكلٍ كبير من العمل تحت قيادة الدكتور صلاح الراشد الذي لقيت منه دعمًا وتشجيعًا كبيرين. في هذه المرحلة عرفت في المجتمع بصفتها معالجةً، وفي سنة 2001 م حصلت على البعثة بعد محاولات عدة، وسافرت إلى بريطانيا وكانت فترة صعبة بسبب أحداث 11 سبتمبر 2001 م، ووجدت نفسها في بلد جديد لوحدها، لكن الدعم الذي لقيته من والدها -الذي شجعها على إكمال الرحلة وخوض المغامرة وآمن بقدراتها- حفزها على المواصلة، وأنهت سنة دراسة الماجستير وحصلت على شهادة في الإرشاد الأسري تخصص علاقات زوجية، وأيضًا لم تفوت الفرصة لحضور حصص في مواد اختيارية وإضافية على غرار علاج الإدمان، فاستفادت كثيرًا من هذه التجربة.
من خلال هذه المرحلة اكتشفت أن ما رسمته لها الأقدار في السابق كان ما أفضل مما خططت له، فاضطرارها لدراسة علم الاجتماع بمنزلة الضارة النافعة إذ اكتشفت لاحقًا أنه اختصر عليها مسافات عند دراسة الماجستير في بريطانيا، فحصلت على الماجستير في سنة واحدة بينما لو كان تخصصها خدمة اجتماعية لاحتاجت سنتين لتحصل على الشهادة ذاتها.
العمل في الاستشارات العائلية
فور العودة إلى الدوحة، باشرت العمل في مجال الاستشارات العائلية، وواصلت العمل في وزارة التعليم. فكانت تقابل الحالات وتقدم المساعدة في إرشاد الزوجين لمساعدتهم على عيش حياة زوجية أفضل وتمكنت من مساعدة أسر كثيرة للعدول عن الطلاق وأيضًا للعيش في استقرار نفسي وأسري، ساعدت كذلك العديد من الأشخاص الذي يمرون بحالات نفسية على تجاوز أزماتهم والتفكير بإيجابية وطبقت كل التدريب والخبرات التي حصلت عليها من دراستها في بريطانيا مع الحالات في قطر.
كانت تعمل الفترة الصباحية رئيسة قسم البحوث والدراسات في مركز الاستشارات العائلية وتصب تركيزها على التطوير والتخطيط لتقديم أفضل خدمة في الاستشارات الزوجية والأسرية، وفي الفترة المسائية كانت تلتقي الحالات، وكانت تجد متعة كبيرة في الحالات المتعلقة بالرعاية الوالدية، إذ إن فض هذه النوعية من المشاكل بين الطفل وأبويه تجعلها تشعر بالسعادة والرضا.
وقد مثلت الدولة في هذا المجال في المؤتمرات الدولية وكانت تحرص على إبراز أهمية المبادئ الدينية الإسلامية في الإرشاد النفسي وتسترشد بالأدلة على ذلك، وقد لاقت أفكارها اهتمامًا كبيرًا من المختصين في الدول الغربية في هذه الدراسات وهو ما جعلها تتلقى دعوات منهم للمشاركة في مؤتمراتهم.
في تلك الفترة شكلت لجنة من مختصين عدة من دائرة جامعة قطر وكانت عضوًا معهم واشترك الفريق في تأليف كتاب منهج الثقافة الأسرية.
هذا الكتاب يعد المصدر الأكبر للفخر لأنه كان فرصة للعمل مع أهم الأسماء في المجال الذي تتطلع لتصل في يوم ما إلى ما بلغوه من علم ومكانة وقد اكتسبت منهم خبرة كبيرة.
الزواج والدكتوراه
كانت تنوي دراسة الدكتوراه مباشرة بعد الحصول على الماجستير إلا أن خططها تغيرت بعد أن تزوجت عقب حصولها على الماجستير، وقد لقيت دعمًا كبيرًا من زوجها عبد الرحمن السويدي الذي يتمتع بثقافة عالية وهو مهندس كيميائي وكاتب له مؤلفات عدة، شجعها للحصول على الدكتوراه حسب ما اتفقا عليه في عقد الزواج.
وخلال فترة دراسة الدكتوراه واجهت مجموعة من الصعوبات حيث اضطرت للابتعاد عن زوجها لفترات طويلة بسبب التزامات زوجها الوظيفية، ورافقها في هذه الرحلة ابن اختها الذي خفف عليها وطأة الغربة.
وهي تعتبر جميع الصعوبات التي تعرضت لها صعوباتٍ عادية مقارنةً بالصعوبات التي يعانيها بقية الأشخاص حول العالم في جميع الأزمان.
الحصول على الدعم والتشجيع
لقيت على مدار مسيرتها التعليمية والمهنية دعمًا كبيرًا من الأسرة والبيئة المحيطة وقوانين الدولة وهو ما كسر الحواجز وذلل العقبات أمامها، فصادفت في طريقها أشخاصًا آمنوا بقدراتها وشخصيتها سواء من الدكاترة في الجامعة أو من المسؤولين والمدربين، وقد استفادت من معظم الأشخاص الذين أرشدوها ووجهوها بعد أن لمسوا فيها الاجتهاد والرغبة في التعلم.
من بين الأشخاص الذين دعموها في مسيرتها التعليمية مريم الخال – رحمها الله – مدرسة اللغة العربية التي لم يقتصر دورها على تعليم اللغة العربية، بل غرست فيها الصدق وعلمتها درسًا ثمينًا أن الصدق ستكون نتائجه إيجابية على المدى البعيد، حتى لو تعرضت في البداية لصعوبات، وساعدها الملحق الثقافي في بريطانيا كثيرًا فكانت تلجأ له في كل مشكلةٍ أو صعوبةٍ ولا تتردد في طلب المشورة والنصح.
وتعلمت الكثير من المدربين الذين وجهوها ومن بينهم حصة العثمان التي كانت بمنزلة الأخت من رحم الحياة، فوقفت إلى جانبها في فترة مرض والدتها، وفي مرحلة العمل في الاستشارات العائلية وجدت دعمًا من مديرتها الدكتورة هناء آل ثاني ومن المسؤولين والمتخصصين من بينهم راشد الدوسري وراشد النعيمي وآمال المناعي التي تعلمت منها الاجتهاد، إذ كانت شعلة متوقدة من النشاط والحيوية وكانت تمثل قدوة لها، إضافة إلى الدعم الذي لقيته من مجلس الإدارة آنذاك منيرة المسند وسميرة المانع.
وتعتبر نفسها محظوظةً بالعمل مع هذه الأسماء وبالعمل مع القيادات في مؤسسة قطر فهم لها السند والداعم.
إسهامات ونجاحات
قدمت وما زالت الكثير من الإسهامات، منها المشاركة في برنامج «تنشئة» الذي أصبح برنامجًا وطنيًا.
وتفخر بكونها عضو لجنة المختصين غير الرسميين في علاج الإدمان بالأمم المتحدة، وبكونها أول شخص يربط العلاج المعرفي السلوكي بالإسلام من خلال رسالة الدكتوراه التي فازت بها في مشروع التميز العلمي، حتى إن أحد الباحثين في بريطانيا سار على منهجها ودرس العلاج المعرفي السلوكي وعلاقته بأديانٍ أخرى، ومثلت المرأة القطرية في المحافل الدولية بصفتها متخصصة صاحبة خبرة، مع المحافظة على ثقافتها وهويتها وتعاليم دينها، وتفخر بكونها مدافعة عن الأسرة وهي أسرية بامتياز تساند التماسك والترابط الأسري والعلاقات السوية حول العالم في المحافل الدولية، وترجع نجاح قطر في الوصول إلى ما وصلت إليه من إنجازات لترابط العلاقات الأسرية ومتانتها.
فخورةٌ بالمكان الذي وصلت إليه والإنجازات التي حققتها فيما يتعلق بتغيير السياسات ونواحٍ اجتماعية وأسرية وسلوكيات.
الإرشاد الأسري أمام الاختبار
تعتبر نفسها من جيل المحظوظين حيث شهدت دولة قطر في سنوات نشأتها وشبابها وأوج عطائها تغيرات كبرى وتمكين المرأة في المجالات كافة بفضل مجهودات القيادات العليا في الدولة التي مثلت القدوة والنموذج.
لكن حظها الوفير لم يقف حاجزًا دون العقبات التي تعتبر رفيق النجاحات، حيث حرصت على تنويع الأماكن التي عملت بها وكان هذا تحديًا لها.
أيضًا تعرضت لنظرة سلبية نمطية وعنصرية خلال دراستها في بريطانيا نظرًا لتزامن سفرها مع أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، لكنها تمكنت من تغيير هذه النظرة ورسمت نموذجًا مشرفًا وصورةً جميلةً للمرأة القطرية في الخارج لا سيما فيما تعلق بالثقافة، وحملت على عاتقها مسؤولية تمثيل بلادها بأفضل صورة دون المساس بمبادئها، فكانت تدافع عن دينها ومعتقداتها بالعلم والمنطق دون اندفاع أو انطباعية، وسارت الشابات القطريات اللواتي درسن في الجامعة ذاتها على نهجها، ما عزز الصورة الإيجابية للمرأة القطرية.
واجهت تحديات في مجال الإرشاد النفسي لكن تقبل الحالات والالتزام بالتوجيهات التي تعلمتها من المختصين جعلها أكثر قدرة على التعامل مع كل الحالات والجنسيات وسهل عليها أداء واجبها.
كذلك يعد عمل المرأة في مجال مكافحة الإدمان تحديًا ولكنها لقيت دعمًا من الجميع فلم ينظروا إليها على أنها امرأة فقط، وإنما امرأة متخصصة في المجال فرضت نفسها بفضل جدارتها، ولقيت دعمًا من رئيس مجلس الوزراء السابق والنائب العام علي بن فطيس المري والعديد من الشخصيات الفاعلة وأصحاب القرار.