

خلود النعيمي
اقتحمت التدريب العسكري بإرادةٍ صلبة، وقادت الرجال والنساء في مسار غير صورة الدور الممكن للمرأة القطرية.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 176–183
خلود عنبر النعيمي، ضابط برتبة مقدم ومديرة معهد الشرطة النسائية وعضو لجنة التجنيد وقائدة المناسبات والفعاليات الرياضية. صنعت مكانتها بالانضباط والكفاءة، وتدرجت في المسؤولية حتى أصبح أثرها ممتدًا إلى أجيال من المتدربين والمتدربات.
قوة تتشكل في البيت
ولدت سنة 1970 م في منطقة وادي السيل وسط عائلة قطرية تقليدية محافظة متكونة من ست بنات وولد هي أكبرهم.
تميزت منذ سنوات طفولتها الأولى بحدة ذكائها وفطنتها وفضولها الشديد وحبها للاطلاع على كل شيء ونشاطها داخل البيت وخارجه، وهو ما جعل والدتها تعتمد عليها بشكل كبير في شؤون المنزل وفي الاعتناء بإخوتها.
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة أم المؤمنين للبنات بالرميلة، وكانت مرحلة ثرية بالتجارب والمغامرات الطفولية نظرًا لاهتمامها بالرياضة وحرصها على المشاركة في المسابقات الرياضية، واستمر تفوقها في المجال الرياضي بدعم ومتابعة مستمرة من والدها الذي آمن بقدراتها وموهبتها وتميز شخصيتها القيادية فكان بجانبها في مختلف مراحل مسيرتها العلمية والعملية، هذه الإحاطة والدعم والتفهم في الوسط العائلي ولد لديها وفاءً وانتماءً كبيرين لعائلتها، تضاعف الانتماء والوفاء وتوسع مع نضجها وتفتح مداركها ليشمل الوطن لتكون ابنته البارة وحامية حماه الوفية.
الزي العسكري يفتح الباب
على المستوى المهني كانت أحلامها بسيطة متواضعة فلم تكن تطمح أن تحقق شيئًا أكثر في مسيرتها غير أن تكون موظفة في الشؤون الاجتماعية، لكن انضمامها للمجال العسكري مثل تغييرًا كبيرًا في شخصيتها وغير مسارها وصقل شخصيتها، فقبل أن ينتهي العام الثالث الثانوي دخلت المجال العسكري في نهاية سنة 1990 م، والتحقت بوزارة الداخلية وحصلت على الموافقة لتلتحق بالدورة السادسة للشرطة النسائية في دورة استمرت حوالي ثلاثة أشهر.
حينها، تغيرت نظرتها للعالم بسبب اختلاطها بشخصيات مختلفة وكانت متميزة في النشاط الرياضي بالإضافة إلى التميز الأكاديمي وهو ما شد انتباه المسؤولين والمدربين بفضل طريقة وقفتها وحزمها وشدتها. خلال الدورة واجهت بعض المواقف وفكرت في الاستقالة، وصارحت أحد المسؤولين فتواصل مع والدها الذي رفض قرارها وأقنعها بعدم التراجع أو الاستسلام وأنها لا يمكن أن تغير كل من حولها وبضرورة الاستمرار والعمل على تطوير نفسها وتحقيق أحلامها وعدم النظر لتصرفات الآخرين.
بالفعل استمرت في الدورة وتمكنت من كسب ثقة جميع زميلاتها في الدفعة وكانت ملهمة لهم تحفزهن على الاجتهاد لخدمة الوطن وحصلت على المراكز الأولى في الدورة.
بعد انتهاء الدورة والتخرج، وزعت الخريجات على مختلف المراكز في حين لم يعرض عليها أي مكان فاستغربت من هذا القرار بدايةً وشعرت بارتباك وحيرة، لتفاجأ بعد ذلك بالمسؤولين يعرضون عليها البقاء في معهد تدريب الشرطة نظرًا لكفاءتها وجديتها واجتهادها وأسلوبها المميز في الإقناع والتعامل.
ترددت لوهلة بسبب الحر وصعوبة مجال التدريب، لكن بعد ذلك اقتنعت لتكون أول مدربة مشاة وأسلحة قطرية لمعهد تدريب الشرطة، والتحقت بدورات إعداد المدربين وحصلت على تقييم ممتاز.
وبعد سنتين دربت الدفعة السابعة وكانت أول تجربة لها ولقيت دعمًا كبيرًا من زملائها ومن المسؤولين، الذين أخذوا بيديها وكسروا حاجز الخوف لديها وشجعوها وهو ما ساعدها على تخطي هذه المرحلة الصعبة.
وبالفعل دربت الدفعة السابعة وبعد انتهاء الدورة كانت راضية وسعيدة بمخرجات الدورة، وحصلت على كتاب شكر من مدير المعهد، بعدها تتالت الدورات التدريبية إلى سنة 2005 م فحصلت خلالها على ترقية استثنائية من رتبة وكيل أول إلى رتبة ملازم، وكانت هذه الترقية القفزة الأهم في مسيرتها المهنية التي تطورت منذ بدايتها شكل قفزات. بالتوازي مع ذلك أكملت دراستها في جامعة بيروت العربية تخصص ليسانس حقوق وعلوم سياسية.
واجهت خلال فترة دراستها العديد من التحديات والصعوبات، فكانت المسيرة التعليمية متقطعة ومنقسمة بين مصر ولبنان، فدرست السنة الأولى في فرع مصر وانتقلت في السنة الثانية إلى الجامعة الأم في لبنان، فكانت قد بدأت المسيرة سنة 1993 م ولم تحصل على الشهادة إلا سنة 2011 م وذلك بسبب التزاماتها المهنية الكبيرة، إذ كلفت بتدريب العنصر النسائي وانشغلت بتكوين فريق قسم الشرطة النسائية وهو ما جعلها تؤجل إكمال الدراسة، وفي سنة 2009 م قررت أن تركز بشكل أكبر على التعليم وبالفعل خلال ثلاث سنوات حصلت على الشهادة.
أول اختبار في ميدان التدريب
سنة 2011 م عينت في منصب رئيس قسم الشرطة النسائية واستمرت في هذا المنصب لمدة 12 سنة أسهمت خلالها في توسيع دور القسم وتكثيف نشاط العنصر النسائي وتكثيف الدورات التأسيسية والتخصصية والحتمية، بالإضافة إلى إقامة العديد من الأنشطة والفعاليات بالتعاون مع المدارس ومختلف مؤسسات وقطاعات الدولة، حتى إن القسم أصبح إدارة مصغرة من إداريات وعسكريات.
كل التجارب والتحديات التي مر بها القسم خلقت نوعًا من الاستقلالية فكان القسم الوحيد من بين مختلف أقسام الوزارة الذي يتكون من العنصر النسائي حصرًا بدايةً من المسؤولين مرورًا بالموظفين وصولًا إلى العمال وهو ما جعله قسمًا مميزًا.
من القسم إلى قيادة المعهد
في بداية سنة 2023 م، عينت مدير لمعهد الشرطة النسائية لتبدأ مرحلة جديدة من مسيرتها المهنية، فأصبح المعهد كيانًا تحت مظلة أكاديمية الشرطة أسوة ببقية الإدارات الأمنية الموجودة في وزارة الداخلية له الخصوصية والاستقلالية التامة للعنصر النسائي.
ويستند هذا المنصب إلى تجربتها المهنية الثرية والطويلة.
في أول لقاء إعلامي أجري معها بعد تخرج الدورة التأسيسية في بداية مسيرتها عبرت عن أملها في تأسيس معهد خاص بالشرطة النسائية وبعد ثلاثين سنة تحققت رؤيتها وهو ما تعده إنجازها الأكبر.
حققت كذلك العديد من النجاحات فتعاونت مع الحرس الأميري وأشرفت على جميع المناسبات الخاصة والفعاليات الوطنية والرسمية، وهي حاليًا عضو في لجنة تجنيد الدورات التأسيسية للشرطة النسائية، إضافة إلى كونها عضو لجنة تجنيد دبلوم العلوم الشرطية للعنصر النسائي وقائد المناسبات والفعاليات الرياضية وكانت لها إسهامات مهمة خلال فعاليات كأس العالم فيفا 2022.
ونجحت من خلال منصبها في إرساء شراكة مجتمعية مع مختلف مؤسسات الدولة تقوم على مسارين؛ مسار التدريب ومسار الشراكات لتقديم دورات من أبرزها دورات الدفاع عن النفس لفئة الصم والبكم بالتعاون مع مركز المكفوفين، ساعدت هذه الدورات المكفوفين على اكتساب مهارة الدفاع عن أنفسهم وحضرت تخريجهم وانبهرت بمستوى أدائهم واتباعهم التعليمات، وما زالت مثل هذه الأنشطة والفعاليات المجتمعية متواصلة.
أيضًا شاركت رفقة الباحثين الدكتورة أمل صبري والدكتور محمد مرسي في مسابقة بحثية ضمن السياق الأمني أطلقتها الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي سنة 2014 م، وحصل البحث الذي جاء تحت عنوان «تنشئة شباب الخليج العربي» على المركز الثاني ووزعت طبعتان من هذا الإصدار القيم.
أثر يتجاوز الرتبة
واجهت تحديات وصعوبات كثيرة ارتبط معظمها بطبيعة عملها في البداية، إذ كانت المرأة الوحيدة ضمن مجموعة كبيرة من الرجال، وألقيت على عاتقها مسؤولية تأسيس فريق نسائي من فرع لقسم ثم معهد، وأسهمت في توسيع دائرة العنصر النسائي، وواجهت العديد من الصعوبات في التعامل مع العنصر النسائي فحاولت احتواء الجميع والتكيف مع مختلف التوجهات والأفكار والمستويات، وتمكنت من تخطي جميع التحديات والصعوبات بفضل العزيمة والإصرار وقوة الشخصية.
في بداية مشوارها أشرفت على عدد كبير من المتدربات لأن عدد المدربات قليل، ولقيت صعوبة في السيطرة على العدد الكبير من متابعة وتدريب وإشراف، لكن حبها الكبير لوطنها وإصرارها على خدمته حفزها لتخطي الصعاب من أجل تطوير المرأة والمشاركة في تمكينها.
في الفترة الأولى كانت تجد حرجًا في تدريب الشباب، لكن وضعها أمام الأمر الواقع وإدخالها الميدان كسر هذا الحرج، وتمكنت من توجيه عدد كبير من الرجال، وبرغم أنها كانت مرتبكة أول مرة تدرب رجالًا غير أنها تخطت حاجز الخوف وتمكنت من السيطرة على المتدربين ووفقت في مهمتها.
طبيعة عملها تجعلها تنسى في كثير من الأحيان أنها أنثى وتندمج في العمل، وقد لقيت استجابة كبيرة من المتدربين رجالًا ونساءً.