حياة نظر
دليل الشخصيات ←

حياة نظر

واجهت فقدان البصر بنور العلم، ومهدت بالتعليم والقيادة والتقنية طريقًا أكثر اتساعًا للمكفوفين.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 158–163

حياة خليل نظر، استشارية في مركز النور للمكفوفين ومديرة سابقة للمركز، وباحثة في التربية والقيادة التربوية. استثمرت تجربتها وخبرتها في تمهيد الطريق للمكفوفين وخدمة وطنها.

حين انطفأ البصر وبقيت البصيرة

ولدت وسط عائلة قطرية تقليدية مستقرة ومتوازنة متكونة من أخوين و6 أخوات، عاشت في مدينة الدوحة طفولة طبيعية حتى التحقت بمدارس التعليم العام في المرحلة الابتدائية.

كانت الحياة تسير بشكلٍ طبيعي وتقضي طفولة سعيدة بين المدرسة والبيت إلى أن أصيبت بانفصال مفاجئ في شبكية العين بينما كانت تبلغ من العمر 11 ربيعًا أفقدها القدرة على البصر، في البداية كان الموضوع صعبًا ولكن إيمانها بقضاء الله وقدره والدعم الذي لقيته من أفراد أسرتها وتشجيعهم الدائم ساعدها على تجاوز هذه المرحلة العصيبة والتكيف مع وضعها الجديد، وبدأت في التعرف إلى الأدوات المستخدمة لمساعدتها على إكمال مشوارها العلمي وفي الحياة بشكلٍ عام، وفي هذه المرحلة اختلفت طفولتها حيث إنها تختلف عن طفولة الشخص الذي ولد كفيفًا لأنها اكتسبت خلال السنوات العشر الأولى من حياتها الكثير من المهارات والمفاهيم التي ساعدتها فيما بعد.

الدراسة في مواجهة العتمة

الأزمة التي مرت بها لم تحل دون إكمالها لطموحها حيث وجدت مجموعة من الوسائل الذاتية والمجتمعية التي ساعدتها على تجاوز المحنة. الوسائل الذاتية كانت إيمانها بالله تعالى والرضى بالقضاء والقدر، والتسلح بالإرادة والعزيمة والتصميم على الوصول لأهدافها، والظروف الأخرى المساعدة هي الأسرة الداعمة والمشجعة حيث إنها اضطرت للدراسة في مدارس التعليم العام بسبب عدم توفر مراكز لذوي الإعاقة البصرية آنذاك، وأكملت المرحلة الابتدائية في مدرسة زبيدة الابتدائية ومن ثم التحقت بمدرسة الأندلس الإعدادية وبعدها مدرسة رابعة الثانوية.

من النعم التي من الله عليها بها أن أحاطها بأسرة داعمة كانت لها السند فكان إخوتها يسجلون لها الكتب الدراسية على شرائط كاسيت وتستمع إلى هذه الشرائط، وواظبت على الحضور في المدرسة صباحًا مع باقي الطلبة والاستماع إلى شرح المدرسات اللواتي لم يدخرن جهدًا في مساعدتها ودعمها، ووفرت لها وزارة التعليم لجانًا خاصة أيام الاختبارات لإجراء الاختبارات بحضور كاتبٍ وقارئ، فكان القارئ يقرأ عليها أسئلة الاختبار والكاتب يكتب الإجابات التي تمليها.

سنة 1994 م، تخرجت من المرحلة الثانوية قسم الأدبي الفرنسي وكانت من بين العشرة الأوائل في قطر، والتحقت بجامعة قطر كأول كفيفة تلتحق بالجامعة، وتمكنت من إكمال أربع سنوات إلى سنة 1998 م في تخصص اللغة العربية، وقد احتاجت لوسائل جديدة تسهل عليها الاندماج والنجاح في هذه المرحلة الأصعب والفضاء الأرحب، فساعدتها أسرتها من خلال توفير مرافقة تساعدها على التنقل بين المحاضرات، وكانت تسجل المحاضرات على شرائط وتراجعها في المنزل، وتم التنسيق بين والدها وجمعية قطر لذوي الاحتياجات الخاصة لتوفير مدرسة علمتها طريقة برايل وبفضل ذكائها العالي وحماسها تمكنت من تعلم طريقة برايل باللغتين العربية والإنجليزية والرياضيات والاختصارات في توقيت قياسي لم يتجاوز شهرين.

برايل تفتح أبواب الجامعة

في المرحلة الجامعية احتاجت للكثير من المراجع فنسق والدها مع جمعية قطر لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة للتواصل مع العديد من الجمعيات خارج دولة قطر وتوفير كتب متنوعة كانت بالنسبة لها النواة الأساسية لتكوين مكتبتها الخاصة بطريقة برايل بداية من القرآن الكريم وكتب تخص اللغة العربية وفي الأدب والمعاجم.

بعد التخرج من جامعة قطر سنة 1998 م بدأت مسيرتها المهنية من خلال مركز النور للمكفوفين كمعلمة للغة العربية لمدة سنتين، وفي هذه المرحلة أخذت على عاتقها مهمة تشجيع المكفوفين على الالتحاق بالمركز والاستفادة من خدماته المتاحة، ودرست المنتسبين طريقة برايل، وحاولت تقريب المفاهيم ونقل تجاربها، كما حرصت على تعليم أولياء الأمور طريقة برايل لتسهيل التواصل بينهم وبين أبنائهم، كما قدمت دورات للطاقم التدريسي الذي التحق للتدريس بالمركز، وألفت خلال هذه المرحلة كتاب تعليم اللغة العربية للصف الأول الابتدائي لمساعدة الأطفال على التعلم بشكلٍ أسرع نظرًا لعدم توفر مصادر تعليمية كافية في هذا المجال لا سيما للمرحلة الابتدائية، أيضًا في الفترة ذاتها حصلت على العديد من الدورات التدريبية لتطوير مهاراتها واكتساب معارف جديدة في التربية الخاصة.

من المعرفة إلى قيادة المركز

منذ تخرجها من جامعة قطر، لم تشعر لوهلة أن طموحها ومشوارها العلمي توقف عند البكالوريوس ورغم دخولها المجال العملي وقد شجعتها تهنئة سمو الشيخة موزا بنت ناصر في حفل تخرجها وتمنياتها لها بإكمال الدراسات العليا أعطتها حافزًا وفتحت أمامها العديد من الأبواب.

وبعد العمل في المركز لسنتين، حصلت على بعثة للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية وبعد انتقالها مباشرة إلى الولايات المتحدة ركزت على دراسة اللغة الإنجليزية لمدة ثمانية أشهر واجتازت الاختبارات الضرورية، وبعد ذلك التحقت بجامعة سانت جوزيف لدراسة الماجستير في التربية الابتدائية والخاصة. وقد تخرجت سنة 2003 م بتقدير امتياز، وبعدها مباشرة قدمت طلبًا لوزارة التعليم وجاءها الرد بالموافقة على استكمالها مباشرة دراسة الدكتوراه وفي السنة نفسها بدأت دراسة الدكتوراه في مجال القيادة التربوية وتخرجت سنة 2007 م بتقدير امتياز من جامعة سانت جوزيف بمدينة فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا.

بعد حصولها على شهادة الدكتوراه والعودة إلى أرض الوطن تم تعيينها مديرًا عامًا لمركز النور للمكفوفين سنة 2007 م حتى 2014 م وقد حاولت خلال هذه الفترة الاستفادة قدر المستطاع من التجارب التي خاضتها والخبرات التي راكمتها لتطوير برامج تعليمية في المركز وتطوير وسائل تعليمية لخدمة ذوي الإعاقة البصرية، كذلك شاركت في العديد من المؤتمرات وألقت العديد من المحاضرات وشاركت في العديد من اللجان التي تهدف للمساهمة في تطوير القوانين والأنظمة التي تخص تقديم الخدمات لذوي الإعاقة البصرية ولذوي الإعاقة بشكلٍ عامٍ، وفي سنة 2014 م أصبحت استشارية بمركز النور وهي تواصل مهامها إلى الوقت الراهن.

استفادت بشكلٍ كبير من التقنيات الحديثة إذ تم استحداث برامج ناطقة أو برايل تخدم المكفوفين وضعاف البصر سواء في الجوال أو الأجهزة اللوحية، فمن خلال استخدام تقنية برايل يتم تحويل الخط المبصر لبرايل والعكس كذلك، إضافة إلى برامج قارئات الشاشة الموجودة على الهاتف المحمول والأجهزة اللوحية التي يتم من خلالها تحويل النص إلى صوت وهي مطلعة على كل المستجدات من خلال توظيف هذه البرامج. وهي عضو في نادي الابتكار ومجموعة الخبراء العرب في نفاذ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمركز مدى للتكنولوجيا المساعدة.

نور يمتد إلى الآخرين

أكبر الصعوبات فقدان حاسة البصر لا سيما في البداية حيث كان من الصعب التكيف على وضعها وتقبله كما لم تكن تعرف الوسائل التي تساعدها على تجاوز إعاقتها، لكن بعد ذلك تغلبت على التحديات كافة، وانطلقت في طريق تحصيل العلم والنجاح وسارت بخطى ثابتة دون توقف.

أيضًا لقيت صعوبة في التنقل داخل الحرم الجامعي وكذلك خلال الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث اضطر شقيقها إلى مرافقتها، ووجدت خلال مرحلة الماجستير والدكتوراه صعوبةً في الحصول على بعض المراجع الضرورية بطريقة برايل، لكن التكنولوجيا الحديثة ذللت أمامها تلك الصعوبات.

حصلت على جوائز عديدة أهمها: تكريم في عام 2023 كإحدى الشخصيات الخليجية الرائدة في مجال العمل الاجتماعي من لجنة وزراء الشؤون/ التنمية الاجتماعية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، جائزة التميز في البحوث سنة 2014 من مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، وجائزة قطر لسيدات الأعمال الأولى لفئة المحترفين سنة 2011 من رابطة سيدات الأعمال القطريات، وجائزة الخريج الشاب المتميز سنة 2007 م من جامعة قطر، وجائزة تكريم بمناسبة اليوم العالمي للمرأة تحت شعار «المرأة إرادةٌ وطموح» سنة 2005 م من المجلس الأعلى للأسرة.