

حمدة قطبة
سبقت جيلها إلى تخصص الصحة العامة، وجعلت من العلم والتخطيط والعمل الجماعي أدواتٍ لخدمة المجتمع.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 150–157
الدكتورة حمدة عبد الله قطبة، طبيبة استشارية أولى في الصحة العامة بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، ورئيسة مجلس إدارة المركز الثقافي للطفولة. أسهمت في تأسيس إدارة للتغذية المجتمعية وفي تطوير استراتيجيات وقوانين ولوائح صحية تخدم المجتمع.
طموح منظم منذ البدايات
ولدت سنة 1970 في مدينة الدوحة وسط عائلة قطرية مكونة من سبعة أبناء هي أصغرهم فحظيت بمعاملة مميزة ولقيت الرعاية والإحاطة من جميع أفراد أسرتها لا سيما أخوها الأكبر الدكتور محمد قطبة الذي أدى دور الأب والقدوة بعد وفاة والدها عندما كانت تبلغ من العمر سبع سنوات فتأثرت بشخصيته العلمية المميزة، وكانت علاقتهما وثيقة عززها اهتماماتهما المشتركة فكان يأخذها لمكتبة دار الكتب القطرية التي كان والدها أحد مؤسسيها ويعمل بها رئيسًا لقسم التجليد.
حرصت الأم على العدل بين أبنائها -ذكورًا وإناثًا- وهو ما خلق لدى بناتها الاستقلالية والثقة ولدى الأبناء التفهم واحترام المرأة وانعكس على مساراتهم ومسيراتهم، وتأثرت كثيرًا بشخصية والدتها المكافحة المحبة للعلم والثقافة التي ترملت وهي في ريعان شبابها لم تتجاوز ثلاثة والثلاثين عامًا، وحرصت على تعليم أبنائها السبعة في أفضل الظروف فلم يشعروا بالنقص أو اليتم بعد أن اتخذت قرار العمل وتحفيز أبنائها للحصول على شهاداتهم العلمية.
تأثرت كثيرًا بجدتها التي عززت فيها المبادئ الدينية والأخلاقية من خلال حرصها على أداء أحفادها الصلوات في مواقيتها.
منذ بداية مسيرتها في تحصيل العلم كانت طالبة متميزة فكانت الأولى على المدرسة في الصف الأول وحصلت على هدية قلم فضة مع صبغ أزرق وهو ما حفزها على مواصلة الاجتهاد والتميز، وعندما بدأت الرؤية تتضح بالنسبة لها شعرت بانجذاب إلى عالم الأدب، فخاضت تجربة كتابة الشعر ووضعت مشاريعها المستقبلية من ضمنها الحصول على دكتوراه في الأدب العربي، وقد تأثرت بشكل كبير بمعلمة اللغة العربية مريم فخرو التي اهتمت بها بشكل كبير واستثنائي بعد خضوعها لعملية استئصال زائدة دودية فكانت تخصص وقت فسحتها لمساعدتها على مراجعة ما فاتها من الدروس.
لكن في المرحلة الإعدادية والثانوية نضجت شخصيتها وطموحها واتضحت أمامها الخيارات والمسارات فجمعت مبلغًا وأخذت دورة في الحاسوب عندما كانت الصف الأول الثانوي وكان الكمبيوتر ما زال في بدايات انتشاره، وفكرت في التخصص بالهندسة أو البرمجة نظرًا لكونه تخصصًا جديدًا، لكنها لم تحصل على بعثة لدراسة الكمبيوتر حسب تقديرها وشهادتها وإنما على بعثة لدراسة الطب، ورغم أن والدتها شجعتها على الدراسة في الغرب إلا أنها فضلت الدراسة في البحرين لتشابه البيئة مع قطر، ولكونها قريبة من وطنها.
الطب يفتح الطريق
سنة 1988 م سافرت لدراسة الطب في جامعة الخليج بدولة البحرين، وطوال فترة دراستها الجامعية لقيت اهتمامًا كبيرًا من أسرتها التي كانت تزورها بشكل متواصل للاطمئنان عليها بزيارات متكررة، وهو ما جعل الرحلة مغامرة جميلة مع شابات مثابرات ومجتهدات يتبوأن حاليًا مناصب مهمة في الدولة، واستفادت بشكل كبير من التجربة الثرية وتعلمت خلالها تحمل المسؤولية وأصبحت شخصية مستقلة.
في الجامعة وجدت في العديد من الأساتذة قدوة لا سيما أن ظروفهم المادية بسيطة لكنهم كافحوا وجاهدوا للوصول إلى ما وصلوا إليه من علم ومكانة اجتماعية وهو ما حفزها على بناء شخصية علمية متميزة، ومن بين أكثر الشخصيات التي تأثرت بها خلال هذه الفترة الدكتورة مريم، وهي أول دكتورة بحرينية درست علم الجينات،
ورغم أنها لم تكن تحضر جميع المحاضرات لتفضيلها التعلم الذاتي والحصول على المعلومة باجتهاد شخصي إلا أن الدكاترة لاحظوا شغفها وتميزها العلمي وروحها التنافسية واستفادتها من طريقة التعليم الفريدة والمسلية التي خلقت لديها الفكر الإبداعي ونمت لديها سرعة البديهة.
قضت سبع سنوات في البحرين لتتمكن من الحصول على الشهادة، وبعد العودة كرمت ضمن المبتعثين في جامعة قطر، وفي هذه المناسبة التقت بصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي كانت داعمة ومساندة وكانت كلماتها نبراسًا اهتدت بنوره في بقية محطاتها العلمية والمهنية.
بدأت مسيرتها المهنية سنة 1996 م في مؤسسة حمد الطبية حيث استفادت من التدريب في التخصصات المهمة مثل الباطنية والجراحة من الاستشاريين في هذه المجالات وهذا ما حفزها على اختيار تخصصها فيما بعد.
البحث عن المجالات النادرة لطالما كان هاجس هي لكنها كانت تحتاج إلى دافع وحافز، وكان حافزها للتقدم في مسيرتها العلمية والمهنية نقاش حاد واستياء من أسلوب تعامل أحد زملائها معها، وبعد انتهاء النقاش مباشرة بدأت تسأل عن التخصصات المطلوبة وغير المتوفرة في قطر، فأعلمها رئيس أحد الأقسام في المستشفى أن هناك نقصًا في تخصص الوبائيات وهو التخصص الذي كانت تعشقه منذ الجامعة بسبب ارتباطه بالحسابات.
اتجهت إلى الدكتورة غالية آل ثاني (رئيس قسم التعليم المستمر) وأخبرتها أنها ترغب في التخصص في الصحة العامة -طب المجتمع- فطلبت منها الدكتورة غالية تقديم طلب ووعدتها بتسهيل إجراءات البعثة، في البداية لم تتمكن من السفر بسبب تعقيدات الإجراءات إلى أن التقت في أحد الأيام بالدكتورة غالية مجددًا بالصدفة في أحد ممرات المستشفى وأعلمتها أنها سجلتها في بعثة لدراسة الصحة العامة لتكون بذلك أول قطرية تدرس هذا التخصص.
التحول إلى الصحة العامة
سافرت سنة 1998 م للسعودية من أجل الدراسة في البورد العربي لتخصص طب المجتمع كانت القطرية الوحيدة مع بعض الزملاء السعوديين.
خلال هذه الفترة اختيرت للمشاركة في دورة تدريبية بمدينة جدة ضمن عشر سيدات متميزات ذوات مناصب وتدربت على أيدي مجموعة من المدربين وحصلت على العديد من الدورات المكثفة في تطوير الذات والبرمجة اللغوية على مدار ستة أشهر وحصلت سنة 2000 م على شهادة مدرب معتمد، وصقلت مهاراتها وطورت شخصيتها بشكل كبير، وبعد خمس سنوات قضتها في المملكة العربية السعودية وفقت خلالها في الامتحانات واختتمتها بأطروحة مميزة عادت إلى وطنها سنة 2001 م لتبدأ مرحلة جديدة من التميز والعطاء، وبعد عودتها أصرت على إهداء صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر أطروحتها فاقترحت عليها سموها إكمال الدراسة بالخارج في وايل كورنيل.
رغم أنها عادت إلى ممارسة عملها بشكل طبيعي بعد لقائها بصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر إلا أنها ظلت تفكر في السفر إلى الخارج وبالفعل اتخذت القرار بالسفر إلى بريطانيا سنة 2004 م في المركز التدريبي لمنظمة الصحة العالمية، وبعدها في عام 2007 م حصلت على عضوية الكلية الملكية للصحة العامة لتكون القطرية الوحيدة التي تحمل العضوية، وبعد سنتين حصلت على الزمالة من الكلية نفسها، هذه التجربة لم تغير حياتها فحسب، بل غيرت حياة كثير من الناس لأنها فتحت أمامهم الأبواب وألهمتهم لخوض التجربة ومن بينهم زملاؤها في التخصص.
السعودية وبريطانيا توسعان الخبرة
أشرفت على سبع إدارات على مدار مسيرتها، فكانت كل سنتين تنتقل إلى محطة مختلفة لتستثمر مهاراتها في مختلف التخصصات لتوسيع أفق إدراكها، وأدت خلال هذه الفترة الأمانة والرسالة على أفضل وجه وأسهمت في تأسيس قسم التغذية بوزارة الصحة، أما آخر محطة في مسيرتها فكانت إدارة الأبحاث بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، حيث أمضت خمس سنوات. كما تولت تدريس مادة الوبائيات ضمن برنامج البورد العربي مدة طويلة، وأشرفت على رسائل الدكتوراه.
في تلك الفترة حرصت على الحضور في الساحة العالمية عن طريق عملها ضابط اتصال مع منظمة الصحة العالمية لخمسة أمراض، ما جعلها دائمة السفر، وترأست فريق المسح الصحي العالمي الذي كان بمنزلة أكبر دراسة مسحية تغطي المجتمع في دولة قطر وكانت نتائجه بوابة وضع الاستراتيجية الصحية الوطنية للدولة، كما أسهمت في وضع استراتيجية وزارة البيئة، وكتبت استراتيجية المجلس الأعلى للأسرة، وكانت أول قطرية وعربية تكون عضوًا في مجلس اتفاقية الأطراف الخاصة بمكافحة التدخين وتترأس الإقليم وتمثله في مجلس الأمناء، وتحققت إنجازات ونجاحات عدة في مجال مكافحة التدخين على المستوى العالمي.
كان للعائلة دور كبير في نجاحها فتأثرت بمن أحاطوها وإخوتها الذين يكبرونها سنا وشقوا طريقهم بعزم وثبات في مجالات مختلفة ونجحوا في جعل والدتهم فخورة بهم، شقيقاها محمد وخالد من مناصري المرأة ولديهما جانب إنساني كبير، خالد الذي يعمل قاضي استئناف ذكاؤه الاجتماعي عالٍ يقيم الشخصيات بشكل ممتاز، عائشة استشارية وخبيرة ترجمة للصم ومريم أمينة مكتبة، كلهم متميزون وفي وظائف مميزة.
ورغم أن أخاها عبد الرحمن الوحيد الذي لم يلتحق بالجامعة إلا أنه تمكن من النجاح في مجال التجارة.
شخصيتها العنيدة جعلتها تواجه العديد من الصعوبات حيث وجدت نفسها في كثير من الأحيان في مواجهة مع أشخاص يحاولون الالتفاف على الحقوق، كما أنها لاقت صعوبة في إيصال رؤيتها واستراتيجيتها للعاملين معها الذين لم يتقبلوا توجهها فكانت تجد المعارضة في كثير من الأحيان، كما أنها لم تكن تجد حرجًا في الاعتراض على الإجراءات أو القرارات التي لا تقتنع بها.
عانت كثيرًا من ضغوط العمل بسبب تغير الإدارات والتوجهات والسياسات بشكل مستمر، لكنها كانت تواجه هذه العقبات إما بالتحكم فيها أو الانتقال إلى مكان آخر لكي تستمر في العطاء.
السفر المستمر سواء للدراسة أو العمل جعلها تواجه تحدي التعامل مع شخصيات مختلفة بأفكار مختلفة وفي بعض الأحيان تواجه مواقف عنصرية، ولكنها تمكنت من إثبات كفاءتها وفرض شخصيتها.
علم يبقى بعد التقاعد
فجعت بوفاة سندها وقدوتها أخيها محمد الذي كان داعمًا ومساعدًا في مختلف محطات حياتها فتغيرت أشياء كثيرة في حياتها لأنه كان يمهد الطريق أمامها وكان الناصح والمرشد.
لم يكن اتخاذ قرار التقاعد سهلًا بالنسبة للدكتورة وظلت تفكر في هذه الخطوة أكثر من أربع سنوات، وقد اتخذت هذا القرار لتتمكن من قضاء وقت أطول مع والدتها لأنها تعدها الأولوية في حياتها، وكانت حرمت من قضاء وقتٍ كافٍ معها بسبب سفرها المستمر وانشغالاتها الكثيرة بسبب طبيعة دراستها وعملها، حيث إنه لطالما كانت علاقاتها الاجتماعية محدودة، فالطبيب مضطر للعمل حتى في المناسبات الدينية وليس لديها فرصة لتكوين علاقات جديدة، وبعد تقاعدها عام 2022، قررت إعادة ترتيب حياتها وبناء حياة اجتماعية جديدة.