حصة العالي
دليل الشخصيات ←

حصة العالي

كسرت حواجز العمل التربوي، وقادت بالتخصص والشجاعة مسيرةً امتدت من التعليم العام إلى التعليم العالي والتقني.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 144–149

حصة يوسف العالي، تربوية وقيادية متخصصة في الكيمياء، وصاحبة خبرة تزيد على ثلاثين عامًا في التعليم العام والعالي والتقني والمهني. واصلت تعليمها وحصلت على دبلومين عاليين في التربية بامتياز مع مرتبة الشرف، ومثلت قطر في مهام رسمية إقليمية ودولية.

شخصية لا تخشى السؤال

ولدت في منطقة الدوحة داخل عائلة متفتحة محبة للعلم والثقافة مشجعة على الابتكار والتوفيق في جميع المجالات تتكون من أب وأم وستة إخوة ثلاثة ذكور وثلاث إناث هي أصغرهم فحظيت بالدلال والرعاية الخاصة من أفراد عائلتها لا سيما أخوها عبد الله العالي – رحمه الله – الذي كان يحرص على أن تكون الأولى ومتفوقة دائمًا في الدراسة والعمل، وكان الأب والصديق والداعم طوال فترة حياته، ووالدتها التي مثلت محور حياتها وعالمها، إذ اعتادت أن تحكي لها القصص التراثية والأمثال الشعبية التي شكلت منظومة القيم والمبادئ وهو ما بنى شخصيتها المتفردة القيادية التي صقلتها بالتفوق الأكاديمي ونمت موهبة الخطابة والتحدث من خلال مشاركاتها في مسابقة حفظ القرآن الكريم التي كانت سببًا في اختيارها من معلماتها لتقوم بدور المعلم الصغير وتكليفها برقابة الصف.

حباها الله بموهبة الرسم فحصلت على الميدالية الفضية في مسابقة للرسم على مستوى أطفال العالم من منظمة اليونسكو بعمر الثامنة وانعكست هذه الموهبة الفنية على شخصيتها في حب الأناقة والذوق الرفيع.

الكيمياء تفتح باب التعليم

نظرًا لتفوقها الدراسي كانت تطمح لدراسة الطب لكنها لم تجد تشجيعًا على هذا القرار فالتحقت بكلية العلوم تخصص الكيمياء على أمل دخول المجال البحثي وتجنبًا لتعيينها معلمة، وكعادتها تميزت في اختصاصها مما جعلها حديث الأساتذة والنموذج المشرف للطالب الذي يكن له الدكاترة والطلبة مكانة خاصة من الاحترام والتقدير، وعلى الرغم من تخرجها بامتياز مع مرتبة الشرف إلا أنها فوجئت بعدم تعيينها معيدة في جامعة قطر.

من الفصل إلى التوجيه

شعرت بالخيبة من عدم اختيارها لتكون معيدة في الجامعة فقررت الالتحاق بوزارة التربية والتعليم وكانت الصدمة الثانية عندما عينت مدرسة علوم في المرحلة الإعدادية فرفضت التعيين وقدمت طلبًا لتعيينها معلمة كيمياء للصف الثالث العلمي، وبالفعل حصلت على مرادها وقبل طلبها لتكون أول معلمة قطرية تدرس الكيمياء للصف الثالث العلمي بسن 22 عامًا مما جعل طالباتها يعتقدن أنها من طالبات كلية التربية المتدربات لصغر سنها. وقد جعلها شغفها بمادة الكيمياء معلمة متميزة تمزج العلم بالمتعة والخبرات الحياتية، وتحظى بحب طالباتها وتحصد نتائج مميزة وهو ما أهلها للانتقال للمحطة المهنية الموالية.

بفضل حماسها واجتهادها وقدرتها العالية على التعامل مع الطلبة عينت موجهة كيمياء وعلوم في سن صغيرة جدًا لم يتجاوز 29 عامًا. وقد اكتسبت خلال هذه المحطة من مسيرتها العديد من الخبرات والمهارات فتعلمت فن القيادة الرشيقة Agile Leadership الذي أصبح أسلوبًا قياديًا معتمدًا بالنسبة لها في مختلف محطاتها المهنية اللاحقة، واكتشفت أن شغفها للعمل الذي تقوم به ينعكس إيجابيًا على إلهام الآخرين وتحفيزهم.

وتدرجت بعد ذلك من معلمة كيمياء للصف الثالث الثانوي العلمي إلى موجهة كيمياء وعلوم، رئيس توجيه العلوم بنين بوزارة التربية والتعليم، ثم مدير مساعد للقبول بجامعة كارنيجي ميلون قطر، وبعدها مدير مكتب التطوير المهني بالمجلس الأعلى للتعليم، وشغلت منصب مدير مكتب البعثات بالمجلس الأعلى للتعليم، بعد ذلك منصب مدير مشارك باللجنة التنفيذية لكلية شمال الأطلنطي قطر، فمساعد مدير مشروع جامعة كالجاري للتمريض بقطر، ومن ثم مدير مركز التدريب والتطوير التربوي بوزارة التعليم والتعليم العالي وأخيرًا مستشار بمكتب وزير التربية والتعليم والتعليم العالي.

امرأة تقود مساحات جديدة

استمر حبها لمهنتها والعطاء المميز من خلال المبادرة وتطوير الأداء في جميع مراحل مسيرتها ومحطاتها المهنية فكانت لا تتردد في التعبير عن الرأي المستند إلى أصول علمية فرشحت للمشاركة في كثير من اللجان والفعاليات. كانت أول امرأة قطرية تترأس قسم رجال في وزارة التربية والتعليم عندما كانت بيئة العمل غير مختلطة، وكانت أول من دخل مدارس البنين، كما تولت التوجيه في مدارس البنات والبنين في كل المراحل من الابتدائية إلى الثانوية. ركزت على تطوير بيئة العمل والتعليم وإحداث الأثر، وهو ما أسهم في كسبها ثقة واحترام مجتمع الرجال الذين ساندوها في المبادرات التي كانت تقدمها.

حرصت على التطور الوظيفي تقبلت التغيير واكتسبت الشجاعة للتنقل بين مؤسسات العمل من التعليم العام إلى التعليم العالي إلى التعليم التقني والمهني والعمل مع خبرات دولية متنوعة، وهذا أثرى وعزز حصيلة الخبرات المكتسبة التي ساعدتها في حل مشكلات العمل وإدارة الأزمات وتقلد مناصب قيادية عدة، فقد شغلت وظيفة مدير مركز التدريب والتطوير التربوي بوزارة التعليم والتعليم العالي، والمدير المشارك في اللجنة التنفيذية لكلية شمال الأطلنطي في قطر، ومساعد مدير مشروع كلية علوم التمريض بجامعة كالجاري الكندية في قطر، ومدير مكتب البعثات بهيئة التعليم العالي في المجلس الأعلى للتعليم، ومدير مكتب التطوير المهني بهيئة التعليم في المجلس الأعلى للتعليم، ومدير القبول المساعد بجامعة كارنيجي ميلون في قطر بمؤسسة قطر، ورئيس توجيه العلوم بنين بوزارة التربية والتعليم، بالإضافة إلى ترؤسها ومشاركتها في العديد من اللجان الوزارية ومشاركتها في إعداد اختبارات الكيمياء للشهادة الثانوية العامة بتكليف منفرد من وزير التربية والتعليم، والمشاركة في إعداد كتب العلوم للمرحلة الابتدائية وكذلك تنقيح كتب الكيمياء للمرحلة الثانوية، وتنفيذ العديد من الدورات التدريبية ذات الأثر للعاملين في الميدان التربوي، كل ذلك بالتوازي مع مشاركتها بأوراق عمل وحضور العديد من المؤتمرات المحلية والإقليمية والعالمية سواء عن دور المرأة في دولة قطر والتقنيات التربوية وغيرها.

ثلاثة عقود من الأثر

جرت الرياح في كثير من الأحيان بما لا تشتهي سفن أحلامها فشاءت الأقدار أن تسير في طريق بعيد عن الذي كانت قد رسمته في مخيلتها واختارته لنفسها ولكنها لم تستلم للإحباط ولم ترضخ للعراقيل وغيرت خططها العديد من المرات لتصل لما وصلت إليه اليوم.

لم تكن بداية مسيرتها المهنية كما خططت لها ولذا جعلت شغفها بمادة الكيمياء هو الهدف لتعليم طلبة الثانوية العامة وخاصة أنها لم تتدرب ميدانيًا ومن ثم عانت من مشكلات المعلم المبتدئ الذي لم يحظ بأي شكل من أشكال الدعم ورغم ذلك قررت التحدي لإثبات كفاءتها.

وعندما عينت بقرار وزاري كأول رئيس توجيه علوم في قطاع الرجال، واجهت بعض التحديات من حيث كونها المرأة الوحيدة في مكان العمل، كما أن حرصها الدائم على التطور والرغبة في التغيير الهادف ولد الغيرة في بيئة العمل، لكن كفاءتها العالية وحبها للعمل ساعدها في اكتساب احترام الجميع.

جميع تلك التحديات كانت تدفعها للاستمرار والمثابرة، فقد كان بعضهم يصفها ب «المرأة الحديدية» التي لا تنهار ولا تتوقف ولا تتراجع، فهي تؤمن بمبدأ البناء في مكان جديد مقابل البقاء في المكان ذاته وترميم ما يهدم.