بدرية حسن
دليل الشخصيات ←

بدرية حسن

دخلت الإذاعة بصوتها وموهبتها، وجعلت من الميكروفون رفيقًا لمسيرة جمعت البرامج والدراما وخدمة المجتمع.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 128–135

بدرية حسن عبد الله، من قدامى المذيعات في إذاعة قطر، ومتخصصة في البرامج الاجتماعية والتفاعلية المباشرة والأدبية والوطنية والسياسية والثقافية. صنعت بصوتها حضورًا راسخًا، وواجهت تجارب الفقد بالصبر والإيمان لتواصل رسالتها الإعلامية.

الميكروفون ينادي مبكرًا

ولدت في مدينة الدوحة وترعرعت في وسط بيت هادئ ودافئ مليء بالحب متكون من أب طيب وهادئ وأم مدبرة، وستة أبناء ثلاثة أولاد وثلاث بنات هي الرابعة في ترتيبهم، بالإضافة إلى أخٍ غير شقيق. تربت على الالتزام بالدين والعادات والتقاليد، وغرست الأم في بناتها المسؤولية والاعتماد على النفس منذ الصغر، إذ عودت الوالدة بناتها على مساعدتها في أعمال المنزل، وقسمت المهام بينهن.

كانت مرحلة الطفولة مليئة بالطموحات، ففي الصف الرابع من المرحلة الابتدائية كانت تطمح إلى حفظ القرآن الكريم، فدخلت مركزًا للتحفيظ واستمرت إلى أن حفظت اثني عشر جزءًا من القرآن الكريم حفظًا وتلاوة وتجويدًا، وكان لذلك الأثر البالغ في تنمية مهاراتها اللغوية ومخارج الحروف وصقل صوتها، فجعلت القرآن نبراسًا في كل تحركاتها ومعاملاتها وقراراتها، ومختلف مسارات حياتها.

وفي الصف السادس وقعت في عشق القراءة ورائحة الكتب، فخصصت جزءًا من وقتها بعد الدراسة للقراءة، والجزء الآخر لحفظ القرآن الكريم.

عرفت بشخصيتها القيادية وبرجاحة عقلها وتفكيرها الإيجابي منذ الصغر، ما جعلها محل تقدير واحترام ومحبة الجميع لها، وجعل أسرتها تعتمد عليها في اتخاذ قرارات مهمة ومصيرية.

كان اكتشاف موهبتها الإذاعية ومهارتها الإبداعية وعذوبة صوتها بالصدفة وتحديدًا خلال الصف السادس وفي درس الشريعة، حين طلبت المدرسة من الطلاب قراءة نص لاختبار مهارات القراءة والأداء والإلقاء لديهن ووجدت ضالتها فيها وأعجبت بأدائها فرشحتها لقراءة فقرة في طابور الصباح، ومنها كانت انطلاقتها في عالم الميكروفون ومواجهة الجمهور، وأصبحت تقرأ القرآن في طابور الصباح في الإذاعة المدرسية بشكل يومي، فحصلت على إعجاب الإداريات والمدرسات والطالبات في قراءة القرآن وحصدت الإشادة وعبارات الثناء والإعجاب والإطراء ما جعلها أكثر ثقة بنفسها وبنبوغها وموهبتها المبكرة، هذا بالتوازي مع تميزها الدراسي، وحصولها على شهادات تقدير امتياز وجوائز وشهادات عدة في مسابقات حفظ القرآن الكريم على مدى سنوات متتالية.

وفي مرحلة الثانوية، أصبحت تقدم فقرات متنوعة تجمع اختياراتها بين الثقافة والأدب والمعلومة وتلاوة القرآن الكريم، وتوقع لها الجميع مستقبلًا باهرًا في العمل الإذاعي، لا سيما أنها وطدت علاقتها بشكل كبير بالميكروفون الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياتها.

رغم تنوع نشاطاتها في مختلف المراحل الدراسية إلا أنها وجدت فسحة لهواية أخرى هي الاستماع لإذاعة قطر لدرجة أنها تصطحب معها جهاز المذياع إلى المدرسة لتستمع لبرامج الإذاعة دقائق محدودة بين الحصتين أو في حافلة المدرسة أثناء عودتها إلى المنزل، استهوتها البرامج المباشرة مع عدد من الأصوات الإذاعية المتميزة مثل عبد السلام جاد الله، وعبد العزيز محمد، وهدى جاد، وناريمان الشوربجي – رحمها الله – والدكتورة إلهام بدر، ونشأت سلايطة، وأماني كامل، ومحمد علي المالكي وغيرهم من الزملاء، فأصبحت تستمع إليهم بشكل دائم، بل أصبحت تشارك بمساهمات شبه يومية في البرامج فنوعت قراءاتها وعززت مخزونها المعرفي والعلمي واللغوي، وتضاعف حبها للميكروفون وأصبحت أقرب للإذاعة حيث حلمها وهاجسها وطموحها لا سيما مع تشجيع المدرسات ومديرة المدرسة المربية الفاضلة شيخة الخال وصديقاتها لخوض هذه التجربة، فتوجهت بعد إكمال الثانوية العامة مباشرة لاستوديوهات الإذاعة، وأجرت اختبارًا اجتازته بسهولة، وطلب منها المسؤولون مباشرة العمل. وصادف أن يتزامن عملها في الإذاعة مع حرب تحرير الكويت، فاستثمرت الفرصة وتعلمت العمل الإذاعي الاحترافي من خلال متابعة أداء المذيعين في التغطيات المباشرة - «مذيع صامت»- وتستمع إليهم وتتابعهم وهم يقدمون البرامج بأنواعها المختلفة التي كانت تبث بشكلٍ مباشر، وبعد شهر واحد من التحاقها بالإذاعة كلفها عبد الرحمن المعضادي – رحمه الله – بالظهور على الهواء، فتحدثت بصوت طفولي عذب على الهواء (للوطن نغني، وللعلم ننشد فلبيك يا وطني… يا وطن الآباء والأجداد ويا أرض الأبناء والأجيال)، ومنها كانت انطلاقة مذيعة قطرية جديدة واعدة عبر أثير إذاعة قطر حيث جذبت انتباه عشاق الإذاعة وأسماعهم إليها.

الحلم يدخل الإذاعة

بعد عامين من دخولها الإذاعة قررت إكمال رحلتها التعليمية، وكانت تطمح للتخصص في القانون والدراسات النفسية حيث كانت تتمنى أن تصبح مذيعة ومحامية ومرشدة نفسية وكابتن طائرة، ولم يكن من الممكن الجمع بين كل هذا، فالتحقت بجامعة بيروت واختارت الفلسفة وعلم النفس. التحقت أيضًا بدورات تخصصية في الإعلام، وصرفت النظر عن مهنة كابتن طائرة لأنه لا يتناسب مع طبيعة الأنثى.

حصلت على دورات متعددة في اللغة الإنجليزية والكمبيوتر والسكرتارية والإدارة والتنمية الذاتية والإرشاد وعلم النفس وغيرها، وبعد دخولها الإذاعة شاركت في معظم الدورات التدريبية التي توفرت في مختلف التخصصات والاتجاهات وهو ما جعلها تخطو خطوات راسخة قوية في طريق النجاح، مكتسبة مهارات إبداعية.

التعلم يحمي الموهبة

حلقت عبر أثير إذاعة قطر لعقود متتالية وطرحت قضايا اجتماعية لامست عمق المجتمع القطري وقدمت البرنامج الشهير في إذاعة قطر وهو «وطني الحبيب صباح الخير»، واستضافت المختصين، وحرصت على إعداد برامجها بنفسها، فحققت انتشارًا واسعًا في قطر ودول الخليج، بل في معظم دول الوطن العربي وكونت علاقة راسخة بينها وبين المستمع وقاعدة جماهيرية واجتماعية عريضة عبر الأثير، حتى إن أحد المستمعين سمى مولودته تيمنًا باسمها.

حضورها وتميزها كان لافتًا ومشهودًا في أوساط المجتمع الإعلامي والثقافي وفي تغطية فعاليات مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون في مملكة البحرين وشاركت في تبادل المذيعين في سلطنة عمان، تميزت في إدارة الأمسيات الشعرية والثقافية المؤتمرات والندوات وحفلات التكريم، ونظمت وأعدت وقدمت عددًا من الدورات التخصصية في مجال الإعلام المسموع والتواصل الاجتماعي ومهارات التواصل مع وسائل الإعلام وفن إدارة الحوار، منها دورة تدريبية في مدينة صلالة بسلطنة عمان عن كيفية التعامل مع وسائل الإعلام.

قدمت العديد من المؤتمرات، من بينها مؤتمر المرأة العربية بحضور صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وطافت دول الخليج في جولات إذاعية وأجرت حوارات مع أشهر شاعرات الخليج في برنامجها الشهير «شاعرات من الخليج». هذا القرب من المستمع والذكاء المهني المكتسب في اختيار المواضيع والطرح التفاعلي المتميز جعل برامجها تحصد عددًا من الجوائز وشهادات التقدير من مختلف مؤسسات الدولة، منها شهادات تقدير من إذاعة قطر لدورها في الارتقاء بالبرامج الإذاعية ونالت أيضًا جوائز أخرى من مهرجانات خليجية وعربية.

دخلت مجال الدراما الإذاعية فمثلت في مسلسلين إذاعيين، ورغم نجاحها إلا أنها لم تستمر في التمثيل الدرامي وأثرت أن تحمل لقب إعلامية ومذيعة، حيث وجدت نفسها حققت ذاتها.

لم تكتف بنجاحاتها وإسهاماتها في المجال الإذاعي، بل حرصت على المساهمة في النشاط الثقافي والمجتمعي فشاركت في فعاليات ثقافية عدة، فبعد نجاح برنامجها «شاعرات من الخليج» وحصولها على جوائز عدة تم اختيارها لتكون محررة لصفحة «همسات» الشعرية في صحيفة الوطن القطرية فحققت نجاحًا كبيرًا على مستوى الخليج حيث خصصت الصفحة للشعر النسائي الخليجي.

وبعد هذا النجاح في مجال الشعر رشحت لتشرف على الشعر النسائي في قطر التابع لمركز قطر للشعر «ديوان العرب» فكانت تسهم في تنظيم الأمسيات والفعاليات الشعرية التي تخص شاعرات قطر، بالإضافة إلى تطوعها في المركز الثقافي للطفل وشاركت أيضًا بفاعلية في مراكز التطوع ودعمت الحضور النسائي في أول مجلس بلدي من خلال المساعدة في وضع البرنامج الانتخابي.

ونظرًا لكونها شخصية إعلامية مبادرة بعطائها وخبراتها الإعلامية والمجتمعية اختيرت رئيسًا لمجلس أمناء أولياء الأمور بأكاديمية «المها»، ورئيس مجلس أمناء مدرسة رابعة العدوية الثانوية للبنات، إذ أسهمت في تطوير آفاق التواصل الأمثل بين المدرسة وأولياء أمور الطالبات، ورشحت كذلك لعضوية المجلس الاستشاري للأسرة في مركز خدمات التمريض الخاص التابع لمؤسسة حمد الطبية؛ فوضعت -مع الأعضاء- الأفكار والحلول لبعض المشاكل التي تواجه المرضى، فكانت تحضر الاجتماعات في مركز خدمات التمريض التابع لمستشفى حمد العام وتسهم بعطائها رغم مرض ابنتها.

صوت يتسع للدراما والمجتمع

واجهت العديد من الصعوبات في حياتها لا سيما حياتها الأسرية فالتحدي الأول في حياتها هو وفاة والدها قبيل امتحاناتها الجامعية بأسبوع، واضطرت للسفر لتقديم الامتحانات وهي في قمة انهيارها وألمها، فقد شعرت بالمسؤولية لتحقيق حلم والدها واجتازت هذا الظرف بنجاح وحصلت على تقدير جيد جدًا في السنة الجامعية الثانية.

التحدي الثاني هو دخولها مضمار العمل الإعلامي الميداني في الإذاعة وواجهت بجدارة واقتدار تحديات العمل الميداني بروح العطاء والإخلاص لصوت الوطن في إذاعة قطر والتفاني في عملها وبمساندة من أهلها وزملائها والمسؤولين.

التحدي الثالث دخول زوجها المستشفى فجأة في بداية حياتها الزوجية إذ كانت في فيينا، وواجهت صعوبة كبيرة في التواصل مع من حولها وتدبير أمورها في وقت عصيب وفي بلد لا تتقن لغته.

التحدي الرابع وهو الأصعب في حياتها كلها هو مرض ابنتها الكبرى فاطمة وهي في السادسة من عمرها، نزل عليها الخبر كالصاعقة وهز كيانها، ورغم ما كانت تعانيه داخليًا إلا أنها كانت راضية بقدر الله فصمدت ووجدت نفسها تتنقل بين المستشفيات والمواعيد بشكل شبه يومي بين قطر وأمريكا ولسنوات عدة، والصعوبة الأكبر آنذاك كانت في تحقيق التوازن بين عملها وبرامجها من ناحية ومواعيد المستشفيات ورعاية ابنتها بالإضافة إلى مسؤوليتها الأسرية وبقية أبنائها.

التحدي الخامس وفاة فاطمة في سن الحادية عشرة سنة 2014 م بعد ثماني سنوات من صراعها المرير مع المرض، والتحدي السادس مرض ابنتها أبرار ووفاتها في نهاية عام 2022 م.

بعد وفاة أبرار عاشت حالة من الحزن الشديد والاكتئاب القسري، فأبرار بالنسبة لها لم تكن ابنة فحسب بل كانت صديقة ورفيقة، حاولت الأم أن تضمد جرح فقد فاطمة عبر اهتمامها الشديد بأبرار فتعلقت بها تعلقًا لا يوصف، وحتى بعدما علمت بمرضها لم تفقد الأمل وكانت تمني نفسها بشفاء فلذة كبدها رغم أن الأطباء لم يعطوها أملًا في شفائها، فكانت الصدمة قاسية يوم رحيل أبرار تاركةً لوعةً وألمًا في قلب الأم الثكلى، التي شعرت بالانكسار فابتعدت عن عملها وعن المجتمع فترة من الزمن، لكن إيمانها بالله وبالقضاء والقدر جعلها تتقبل الواقع. رغم كل التحديات التي واجهتها في حياتها أثناء مرض ابنتيها فاطمة وأبرار إلا أن المصاعب لم تجعلها تتقاعس في عملها وكانت تقرأ نشرات الأخبار وتقدم البرامج الموكلة إليها وهي في ذروة مأساتها.

الشغف ينتقل بين الأجيال

حافظت بحرصٍ شديدٍ على الاستقرار والتوازن النفسي لبيتها وأسرتها والوقوف إلى جانبهم في أوقات ضعفهم وحاجتهم، فلم تبخل على أبنائها بالوقت والجهد والرعاية والاهتمام والتوجيه في تعليمهم، وتربيتهم على الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية.

هذا الشغف الذي سرى في عروقها منذ الطفولة انتقل إلى أبنائها، فابنتها سارة تحلم أن تكون مذيعة، وهي الآن مشروع مذيعة ناجحة وأصبحت تسجل بعض المقاطع التوعوية وتنشرها عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وأجرت بعض اللقاءات التلفزيونية كونها متطوعة في أحد المراكز الشبابية ولها نشاطات تفاعلية في المجتمع، وابنها محمد أيضًا يختاره المدرسون للإذاعة المدرسية بعد أن لمسوا فيه الموهبة والشغف بالنشاط الإذاعي وامتلاك مهارات اللغة العربية وفن الإلقاء.

قدمت مختلف البرامج الإذاعية المباشرة والمسجلة، وحصدت معظم برامجها جوائز وشهادات تقدير، كما حظيت بالتكريم في عدد من المؤتمرات والمهرجانات والندوات وغيرها، وحصل برنامجها (التنويه الاجتماعي) على الجائزة الفضية في مهرجان القاهرة الثامن للإذاعة والتلفزيون، وحصلت على شهادة تقدير من مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون بمملكة البحرين، وذلك عن برنامج (شاعرات من الخليج)، وعلى شهادة أخرى عن البرنامج نفسه في قطر كأفضل برنامج تسجيلي.

أيضًا كرمت على نجاح برنامجها (وطني الحبيب صباح الخير) كأفضل برنامج بث مباشر يومي وأيضًا كرمت على برنامجها (لقاء الظهيرة) كأفضل برنامج بث برنامج يومي، وكرمت لجهودها المتميزة وتعاونها من أجل تطوير العمل الإذاعي والارتقاء به طوال سنوات عطائها بإذاعة قطر، وكرمت كذلك في الملتقى العربي الأول للمتطوعات كما حصلت على جائزة الكفاءة العلمية في مجال التمكين المهني، ومنحت الجائزة الدولية رفيعة المستوى على هامش المشاركة العلمية الفاعلة في مؤتمر المرأة والمسؤولية المجتمعية الثالث في الدول العربية.

حصلت على شهادة تكريم وتقدير لنجاحها في الفعاليات المجتمعية المختلفة ومن بينها شهادة تقدير لمساهمتها في نجاح برنامج فعاليات (لكل ربيع زهرة) برعاية حرم سمو الأمير تقديرا لدورها الريادي في إثراء فعاليات الملتقى العربي الأول للمتطوعات، وأيضًا من مهرجان الدوحة الثقافي.

كرمت جمعية قطر الخيرية لجهودها في دعم الجمعية ونشاطاتها الخيرية والإنسانية، وحصلت على شهادة شكر وتقدير بمناسبة مشاركتها في إنجاح السوق الخيرية لرعاية النزلاء بالمؤسسات العقابية والإصلاحية بوزارة الداخلية، وحصلت على شهادة تكريم من وزارة الصحة بمناسبة مشاركتها في فعاليات (يوم المعاق العالمي)، بالإضافة إلى شهادات شكر وتقدير من الجمعية العمومية للاتحاد الدولي للفروسية، ومن اللجنة العليا المنظمة للبطولة العربية الرابعة للأندية وأبطال الكؤوس، ومن مركز قطر لاستشراف المستقبل، ومن ديوان العرب، ومن الهيئة العامة للشباب والرياضة، ومن المركز الاجتماعي والثقافي للمكفوفين، ومن إدارة الثقافة والفنون، ومن النادي العلمي القطري وغيرها من شهادات التكريم.