

جوهرة السويدي
مزجت التصميم بالثقافة وريادة الأعمال، وصنعت من تعدد اللغات والأسفار رؤيةً إبداعيةً ذات حضور عالمي.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 136–143
جوهرة علي السويدي، رائدة أعمال ومصممة داخلية في مجالي الأزياء والعقارات. جمعت في تجربتها بين التصميم والأزياء والعقارات، وقدمت نموذجًا يمزج التقاليد بالابتكار والتعبير الإبداعي بالاحتفاء الثقافي.
عين ترى الجمال مبكرًا
ولدت في مدينة الدوحة، وسط بيئة ثقافية نابضة بالحياة، تعرضت لمزيج من التأثيرات الحديثة والقيم التقليدية، حيث إن والدها رجل أعمال قطري في مجال الاستيراد والتصدير، وأمها هي الأخرى سيدة أعمال ناجحة في مجال الاستثمار العقاري، قضت السنوات السبع الأولى من طفولتها في قطر ثم سافرت مع عائلتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أكمل والدها دراسة الماجستير.
أحاطتها عائلتها منذ ولادتها بالمحبة كونها البنت البكر للعائلة، وهو ما جعلها البنت المدللة، ولكن أيضًا المسؤولة عن بقية إخوتها حيث جربت شعور الأمومة مبكرًا، وهي ما زالت طفلة عندما ولدت أختها، وتعزز هذا الشعور مع أخيها وبقية أخواتها.
رسخ ذلك الشعور بداخلها روابط العائلة وقدسيتها، حيث وجدت القدوة والإلهام داخل العائلة لا سيما في والدتها التي كانت تتمنى أن تصبح مثلها يومًا ما، إذ كان للأم دور مهم في تكوين الحس الإبداعي والفني من خلال تنمية الذائقة الموسيقية بالاستماع إلى مزيج من الموسيقى العالمية المتنوعة فكانت تطلب منها متابعة الغناء عندما كانت تراها تدندن بشكلٍ عفوي وخجول لبعض الأغاني في محاولة منها لتعزيز ثقتها بنفسها، حيث ألهمتها لمتابعة هذا الشغف لاحقًا بالتدرب على العزف على آلات موسيقية متعددة منها البيانو والجيتار، وقد تعلمت من والدتها الجمع بين أكثر من دور ومسؤولية بالإضافة لدور والدتها كأم، كانت سيدة أعمال ناجحة في مجال الاستثمار العقاري، وجمعت بين دور الأم وعملها مما ترك الأثر الكبير في نفسها.
ورثت عن والدها شخصيته القوية وحرفيته العالية حيث بنى لنفسه مكانة مهمة في مجال الاستيراد والتصدير الذي حقق فيه نجاحًا باهرًا، وقد أسهم ذلك في تعزيز شخصيتها وتكوين خبراتها للانخراط لاحقًا في مجال الاستثمارات العقاريًة ومجالات العمل الأخرى.
تميزت بالذكاء الحاد ودقة الملاحظة وسرعة الفهم وعمق التحليل، وهو ما جعلها تخطو بثبات في مسيرتها التعليمية في مختلف المراحل من الابتدائية إلى الثانوية لتتكلل في النهاية بحصولها على الثانوية العامة بمجموع عالٍ فتح لها أبواب الخيارات، وهيأ لها طريق النجاح.
ونظرًا لتمكنها من اللغة الإنجليزية وإتقانها لها توجهت بوصلتها نحو جامعة قطر للتخصص في أدب اللغة الإنجليزية، وكما هو متوقع واصلت مسيرة التميز الأكاديمي، وحصلت على نسب عالية في السنة الأولى، وفي الوقت الذي كان من المتوقع أن تتحمس لإكمال مسارها الأكاديمي وتفوقها العلمي فاجأت الجوهرة الجميع بقرار تغيير التخصص الذي وجدت أنه لا يتوافق مع طموحاتها، واتخذت قرارًا مصيريًا بتغيير التخصص، ودرست هندسة تصميم في جامعة فرجينيا كومنولث في قطر.
خلال هذه المرحلة المهمة والثرية حاولت الجمع بين الموهبة وتنمية المهارات فبدأت العمل مع أشخاص مهمين في مجال تصميم المنازل من بينهم المهندس عبد الله الحمد.
الدراسة توسع الخيال
بعد التخرج سنة 2004 م حالفها الحظ بالحصول على فرصة للعمل بشركة fitch التي تعد واحدة من أحد أهم الشركات المتخصصة في مجال التصميم والتي يقع مقرها الرئيسي في لندن، وكان لعملها في هذه الشركة الأثر الكبير في تكوين خبراتها في التصميم حيث عملت مع خبراء أصحاب كفاءات عالية لمدة ثلاث سنوات، وخضعت لتدريبات مكثفة توجت بتصميمها لمكتب الوزراء في الديوان الأميري القطري.
وتضاعفت فرص التميز وهبت رياح النجاح بعد افتتاح فرع للشركة تحت مظلة مؤسسة قطر التعليمية ما بين سنة 2004–2005 م فاغتنمت الجوهرة الفرصة الذهبية بعد أن اختيرت لتكون المصمم الداخلي الرئيسي للمكاتب والشركات وحلقة وصل بين الشركة والعملاء.
ما بين سنتي 2005–2007 شهدت مسيرتها المهنية نقلة نوعية بعد تعيينها مديرة مشروع في مبنى مركز قطر المالي فأسست طاقم استقبال احترافي من أجل مساعدة رواد الأعمال الجدد والراغبين في إنشاء شركات مالية واستشارية وقانونية التي كانت تسجل تحت رعاية مركز قطر المالي، وبعد إنهاء عملها بصفتها مديرة للمشروع بنجاح عينت في موقع تطوير الأعمال للمركز.
تميزها وإبداعها لفت انتباه العديد من الجهات المختصة الذين وجدوا فيها موهبة استثنائية تستحق التقدير والاهتمام، واختارتها مؤسسة MEPI الأمريكية للدراسة في جامعة DUKE المختصة بالإدارة في كارولينا الشمالية، وحصلت فيها على شهادة الإدارة التنفيذية.
كانت روح الإبداعية وعينها الجمالية واضحة منذ صغرها. وتأكدت هذه الموهبة بعد إكمال رحلتها التعليمية بجامعة فرجينيا كومنولث في قطر، حيث حصلت على شهادة في التصميم الداخلي، وانطلقت بعد ذلك في مهنة سمحت لها بتحويل المساحات إلى روائع فنية ووظيفية، إذا إنها تتمتع بقدرة عالية على تصور وإنشاء مساحات متميزة عن بعضها، مع الحفاظ على ارتباط الموضوع بالغرض والبلد الذي تقع فيه المساحة، إضافةً إلى لمستها الفريدة التي تقوم على غرس العناصر القطرية المحلية في تصميماتها مع الحفاظ على الجاذبية العالمية التي اكتسبتها الاعتراف والإعجاب في عالم الصناعة، وقادها في النهاية إلى أن تصبح رائدة أعمال مشهورة مع تأسيس علامتها التجارية للملابس.
التصميم يتحول إلى مهنة
امتدت مواهب إلى ما هو أبعد من وطنها بعد أن غامرت بالدخول إلى مناطق دولية، حيث عملت مصممة ديكور داخلي في مدن بارزة مثل لندن، وفي جميع أنحاء الولايات المتحدة. وقد استفادت بشكل كبير من هذه التجارب العالمية بتوسع منظورها الفني وإثراء حساسيتها التصميمية، مما مكنها من خلق بيئات آسرة تتجاوز الحدود الثقافية.
وبالإضافة إلى مساعيها الدولية، أكملت دورة الأعمال التنفيذية من جامعة ديوك في ولاية كارولينا الشمالية، مما عزز قدراتها في الإدارة الاستراتيجية.
من الدوحة إلى حضور عالمي
طموحاتها التي لا تعرف حدودًا وشغفها الإبداعي المتجدد امتد إلى ما هو أبعد من التصميمات الداخلية لتغوص في عالم موازٍ لا يقل إبداعًا وابتكارًا، وهو عالم الموضة. فاستدعت تراثها الثقافي الغني وحسها الفطري بالأناقة، وأسست سنة 2020 علامة تجارية للملابس تجسد جوهر الموضة القطرية المعاصرة، وأطلقت علامتها التجارية للملابس (Casa Johara) وهي في سن 39 عامًا.
وسرعان ما اكتسبت كازا الاهتمام وشدت الأنظار، وتمكنت من منافسة أهم الماركات المحلية العالمية لدمجها بين الزخارف القطرية التقليدية مع الصور الظلية الحديثة، فتمكنت من تلبية احتياجات عشاق الموضة المحليين والعملاء الدوليين.
ولم تتوقف عن إبهار عملائها باهتمامها الشديد بالتفاصيل والتزامها بالجودة، وهو ما جعل علامتها التجارية تحتل مكانة مهمة لكونها رمزًا للمعاصرة والموضة، وأيضًا للأناقة المشبعة بالفخر الثقافي. رؤيتها تجاوزت الغاية المادية والمكانة الاجتماعية حيث إن مشروعها يحمل رسالة سامية تتمثل في توثيق العلاقة التي تجمع بين الأم وبناتها من خلال ابتكار ألبسة مشتركة بينهما تحمل التصميم ذاته، كما أنها حرصت على تخصيص جزء ممن أرباح الشركة للأطفال المحتاجين أينما وجدوا.
بعد خمسة عشر عامًا من العطاء والفن والإتقان والجودة نجحت في تأسيس مجموعة مشاريع خاصة بين قطر وأوروبا تهتم بالتصميم الداخلي والخارجي، وراكمت على مدار سنوات العديد من الخبرات مما جعلها قادرة على تحقيق المعادلة الصعبة بين المحافظة على العادات والتقاليد في مجالها من جهة ومواكبة العصر ومتطلباته والابتكار والتجديد من جهة ثانية، فكانت تبذل قصارى جهدها للوصول إلى مراحل معينة في عملها لتقديم أعمال تعكس شخصيتها والثقافة القطرية الأصيلة، وفي الوقت نفسه منفتحة على الثقافات المختلفة.
وحققت الشابة الطموحة العديد من الإنجازات في مجال العقارات، حيث تعكس عقاراتها الواقعة في الدوحة ولندن ودبي ولشبونة ذوقها المميز ورؤيتها الإبداعية، لمزج الابتكار المعماري مع تعزيز الثقافة.
الهوية وسط تعدد الثقافات
للمرأة دور عظيم في المجتمع، فهي ليست فقط نصف المجتمع، بل هي من تربي وتعلم النصف الآخر من المجتمع، وتكون هذه المهمة أصعب بالنسبة للمرأة الناجحة على الصعيد المهني حيث إنها تحارب في أكثر من جبهة، لكن هذه الحرب والتحدي كانا متعة خالصة بالنسبة للسيدة التي تجد وسط إنجازاتها فرحة عارمة وهدفًا في أمومتها، فهي تسخر الجزء الأكبر من وقتها وجهدها لطفليها اللذين تغمرهما بالعطف والحنان باستمرار، مما يكشف قدرتها الرائعة على تحقيق التوازن بين متطلبات حياتها المتعددة الأوجه.
وفي كل لحظة تمارس فيها دور الأمومة يزداد إيمانها أنها تستثمر في المشروع الأهم في حياتها وهو ما يحميها لمضاعفة جهودها لتكون الأم المثالية مثلما كانت أمها بالنسبة لها.
منذ نعومة أظفارها وجدت نفسها في خضم ثقافات متعددة تتجاذبها أفكار متباعدة فتارة تشعر بالانتماء لوطنها وثقافتها القطرية وطورًا تشعر بفضول وانجذاب تجاه ثقافة والدتها جدتها من والدتها التي كانت من أصول إسبانية.
هذا الاختلاف الذي فتح نوافذ فكرها على ثقافات متعددة، وغرس فيها الفضول وحب الاطلاع على ثقافة الآخر، وكان له بالغ الأثر في تكوين شخصية مميزة وفريدة، وأسهم في صنع وتفجير الموهبة كان له جانب مظلم عاشته في سرها، ولم تبح به لغير فنها، حيث تسبب لها في العديد من الصراعات الداخلية بين الجانب الأجنبي والانفتاح على الثقافات المتنوعة وبين المحافظة على أصالة الثقافة القطرية والعربية.
زرع ذلك في طريقها العديد من الصعوبات لكنها وصلت في النهاية إلى حل للمعادلة الصعبة، وتعلمت طريقة التفكير بشمولية أكبر والنظر بمختلف الجوانب، واكتسبت مهارات عديدة ساعدتها على تخطي الحواجز والإنجاز في حياتها وتحقيق طموحاتها دون الدخول في مواجهة مع المحيطين بها، وتعلمت من هذه التجارب المتنوعة كيف تكون قدوة لأبنائها وتؤدي دورها كأم.