إيناس الكواري
دليل الشخصيات ←

إيناس الكواري

قادت المختبرات الطبية بعقلٍ علمي ومسؤوليةٍ إنسانية، وجعلت من الدقة والتطوير المستمر أساسًا لمسيرتها.

النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 112–117

الدكتورة إيناس عبد العزيز الكواري، رئيسة مختبرات مؤسسة حمد الطبية، وطبيبة استشارية أولى في علم أمراض الأنسجة والخلايا البشرية، وأستاذة مساعدة في جامعة كورنيل للطب. جمعت بين الدقة العلمية وتطوير العمل المؤسسي، وحافظت في الوقت نفسه على حضورها الأسري بصفتها أمًا لأبنائها الثلاثة.

فضول علمي منذ الطفولة

ولدت ونشأت في عائلة قطرية محافظة ومحبة للعلم والاطلاع والقراءة مكونة من ست أفراد هي أصغرهم، تعيش بمنطقة وادي السيل ثم انتقلت إلى الغرافة لتستقر في النهاية في منطقة الدفنة.

منذ نعومة أظفارها تميزت بكونها طفلة شغوفة بالعلم محبة للقراءة والمطالعة تنهل من كل ما يقع بين يديها الصغيرتين فكانت لا تفوت فرصة لزيارة المكتبات للقراءة واستعارة الكتب المختلفة ومن أكثر المكتبات التي زارتها هي المكتبة التابعة للمجلس الثقافي البريطاني، ما أسهم كثيرًا في توسيع آفاق التفكير والتطلع لمزيد من المعرفة، ولقيت في المحيط العائلي كل ما تحتاجه من دعم وتشجيع ومصادر للتعلم فوالدها عبد العزيز كان يعمل بوزارة الإعلام وكذلك والدتها أمينة «ماما أمينة» كانت إذاعية ورئيسة قسم برنامج الطفل بإذاعة قطر.

هذه الأجواء العائلية المشجعة والمحفزة جعلت منها طفلة موهوبة متعددة المواهب والمهارات حيث كانت عاشقة للرسم تقضي أوقاتا طويلة في اللعب بالقصاصات الورقية والألوان وكذلك تصميم وكتابة مجلات طفولية صغيرة، وذلك لشدة تعلقها وتأثرها بوالدتها التي كان لها الأثر الكبير في تشجيعها لتجربة المغامرة واكتشاف العالم والسفر للخارج للتعلم وتجربة حياة جديدة.

طريق المختبرات

درست المرحلة الابتدائية في كل من مدرسة الرميلة والفلاح والغرافة، والمرحلة الإعدادية في مدرسة سكينة بنت الحسين وكانت دائمًا من المتفوقات في جميع المراحل الدراسية وحصلت على كثير من شهادات التكريم.

أتمت المرحلة الثانوية في مدرسة الشيماء وحصلت على الثانوية العامة بمجموع 97% وهو ما أهلها لدخول التخصص الذي كانت تحلم به، وبالفعل دخلت سنة 1990 م جامعة الخليج العربي-كلية الطب بمملكة البحرين وتخرجت عام 1996 م.

وقد لقيت على مدار رحلتها التعليمية الدعم من والديها اللذين سانداها في قراراتها واختياراتها وخصوصًا في فترة التخصص والزمالة خارج قطر.

استطاعت بمعادلة شهادتها الطبية بالشهادة الكندية بعد اجتياز فحص تقييم المجلس الطبي الكندي بالعاصمة البريطانية لندن عام 1997 م لتلتحق بعدها بجامعة أوتاوا بمقاطعة أونتاريو الكندية عام 2001 م وأكملت خمسة أعوام من الإقامة بتخصص علم أمراض الأنسجة البشرية وحصلت على البورد الكندي في عام 2006 م، ولم تكتف بالبورد الكندي وقررت الانتقال إلى مدينة مونتريال بمقاطعة كيبيك الكندية لمدة عامين لحصول على الزمالة من جامعة ماكغيل (Mcgill) في تخصص علم أمراض الدم والأورام اللمفاوية وتخصص علم أمراض الخلايا البشرية كما أصبحت زميلة للكلية الأمريكية لعلماء الأمراض (CAP) في عام 2007 م.

شكلت الدراسة خارج قطر خصوصًا فترة الغربة في كندا العامل الأكبر على بناء شخصيتها وجعلتها شخصية مسؤولة تعتمد على نفسها بشكل كبير.

واجهت بعض العراقيل والتخوف من قرار للسفر للخارج من أجل الدراسة لمدة طويلة، لكن كانت والدتها تشجعها بقوة على ألا تخشى الغربة وأن تحقق أحلامها بمتابعة الدراسة والحصول على التخصص والزمالة.

ومن الصعوبات التي واجهتها اعتمادها على نفسها بالكامل في التأقلم وتحمل المسؤولية في كل مجالات الحياة. اعتمدت على نفسها في اختيار سكنها وتجهيز أمورها المعيشية والتنقل بسيارتها الخاصة واعتمدت على الخرائط الجغرافية الورقية في التنقل لمناطق بعيدة حيث لم توجد خدمة GPS حينها.

ومن الصعوبات تأقلمها مع مناخ كندا القارس البرودة في فصل الشتاء وكانت درجة الحرارة تصل إلى ما بين 5 و15 درجة ما دون الصفر وكانت هناك أيام تصل درجة الحرارة إلى 20–25 درجة تحت الصفر مع نزول الثلوج الغزيرة.

ورغم صعوبات هذه المرحلة إلا أنه كان لها التأثير الكبير على شخصيتها حيث علمتها هذه التجربة الاعتماد على النفس بالكامل والتعرف إلى ثقافات جديدة واكتشاف التطورات العلمية والاختراعات الجديدة من خلال إقامتها بكندا وتنقلها للولايات المتحدة من حين إلى آخر لحضور المؤتمرات والورش العلمية.

الاختبار يصقل الخبرة

بدأت مسيرتها المهنية كطبيب اختصاصي ومن ثم طبيب استشاري أول سنة 2008 م في مؤسسة حمد الطبية. بداية هذه الفترة كانت مميزة وصعبة حيث إنها مرحلة انتقال من الدراسة الأكاديمية والعمل الإكلينيكي تحت الإشراف إلى مرحلة الاعتماد على النفس في العمل الإكلينيكي وتطبيق المهارات والخبرات المكتسبة.

تحافظ على الاطلاع وقراءة الكتب العلمية والمنشورات البحثية، وتشارك بشكل مستمر في تطوير مهاراتها التشخيصية بالمشاركة في برنامج تحسين الأداء من الكلية الأمريكية لعلماء الأمراض (CAP) حيث يقيم هذا البرنامج المهارات التشخيصية للطبيب بشكل دوري طوال العام. استطاعت اجتياز هذه التقييمات وبنجاح في كل من تخصص علم أمراض الأنسجة البشرية وعلم أمراض الخلايا. والجدير بالذكر أن هذه التقييمات تتم عن طريق بعث شرائح زجاجية من الكلية الأمريكية لعلماء الأمراض تحتوي على تحديات تشخيصية وعند اجتياز التقييم تصدر الكلية الأمريكية لعلماء الأمراض شهادة تتضمن وحدات تعليم طبي مستمر (CPD).

من التخصص إلى القيادة

من أكبر التحديات والمحطات الفاصلة في مسيرتها تكليفها بمنصب رئيس إدارة المختبرات في بداية جائحة كورونا بالتزامن مع النقص العالمي لفحوصات وأجهزة الكشف عن فيروس كورونا، ورغم صعوبة هذا التحدي إلا أنها اعتبرته الطريق إلى تحقيق تطلعاتها ومشاريع كانت تطمح لها منذ بداية مشوارها التخصصي، فتسلحت بالعزم وحب الوطن ورسالتها الإنسانية لتجاوز المرحلة ولجأت إلى الله سبحانه وتعالى وتوفقت بفضله في إنجاز المهمة على أكمل وجه وبأفضل صورة.

على مدار مسيرتها التي استمرت أكثر من 25 سنة، حققت الدكتورة القطرية الأولى المتخصصة في علم الأنسجة والخلايا البشرية العديد من الإنجازات والنجاحات من بينها الانضمام كعضو في المجلس العلمي للوكالة العالمية لبحوث السرطان التابع لمنظمة الصحة العالمية، وأسهمت في العمل والإشراف على توسعة وتحديث مختبرات مؤسسة حمد الطبية، ومنها افتتاح مركز قطر الوطني للتبرع بالدم الجديد، وأشرفت -بالتعاون مع (قطر بيوبنك)- على تدشين المرحلة الأولى من مركز قطر الحيوي للأنسجة البشرية في مطلع عام 2023 م، وتعمل الآن مع فريقها المخبري في تطوير مجالات وتطبيقات الطب الدقيق وكذلك تطوير الفحوصات والأجهزة المخبرية مواكبةً مع أعلى المقاييس العالمية.

هذه الإنجازات كانت بالتوازي مع مشاركتها في كثير من المشاريع البحثية التي بلغت أكثر من أربعين بحثًا منشورًا في العديد من المجلات الطبية العالمية والمشاركة في مؤتمرات دولية عدة خاصة بطب وإدارة المختبرات.

تقدير لمسيرة دقيقة

اعترافًا بجهودها الكبيرة وتميزها العلمي وإسهاماتها في مجال تخصصها حصلت على تكريمات محلية ودولية كثيرة، منها تكريم هوغ كيري «Hugh Currie Award» لأفضل بحث في المؤتمر الدولي السادس عشر لعلم الخلايا بمدينة فانكوفر الكندية. وحصلت على العديد من الدروع وشهادات التقدير للخدمات التي أسهمت بها خلال فترة عملها.