

إيمان البسطي
حولت التجربة التجارية المبكرة إلى مشروع للتوعية الاقتصادية، وجعلت تمكين المرأة جزءًا من رسالتها التعليمية والمجتمعية.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 96–103
إيمان البسطي، سيدة أعمال ومصممة وفنانة تشكيلية محترفة منذ عام 1981. بلغ عدد من تلقوا التعليم على يديها أكثر من 6500 طالبة وطالب خلال مسيرة تعليمية امتدت لأكثر من عقدين، ثم انتقلت إلى ريادة الأعمال والعمل المجتمعي ونقلت ملامح الثقافة القطرية إلى محافل دولية.
فقد مبكر يصنع القوة
ولدت في منطقة الريان وهي تنتمي إلى قبيلة البسطي البوفلاسة، وعاشت طفولة جميلة ومستقرة وهادئة في حضن والديها، فرغم سفر والدها الكثير لطبيعة عمله الدبلوماسي كونه القائم بالشؤون الخاصة للمرحوم الشيخ أحمد بن علي حاكم قطر السابق غفر الله لهما، وكانت في كل مرة يغيب والدها تنتظر عودته بفارغ الصبر لمرافقته في أوقات جميلة يقوم بتدريبها على الفروسية ومشاركته هوايته المفضلة المقناص والرماية كونه فارسًا ومن أشهر رجال القنص بالصقور على مستوى الخليج العربي وتاجرًا في مجالات متعددة.
وقد كانت ترى الحياة بعيون والدها الذي لم يكن السند فحسب، بل كان القائد والقدوة ومصدر الفخر لها، فقد عرفت عنه الشجاعة والشهامة والكرم وهو ينحدر من أسرة عريقة، وهي عشيرة البوفلاسة فخذ المجاعدة من الفرع الأول (حنظل)، واشتهر جده حميد بن خلفان البسطي السردال المعروف خليجيا والمؤرخ تاريخه في أغلب دول الخليج والمعروف بدرايته بمغاصات اللؤلؤ وعلم الفلك، وكان قاضيًا عرفيًا يعود إليه كثيرون لحل قضاياهم وشاعرًا، وتنقل بسفنه الفريدة من نوعها بين بحر العرب والمحيط الهندي والسنجبار وكثير من البلدان للغوص على اللؤلؤ ومن ثم العودة به وبيعه على التجار المعروفين واشتهرت سفنه من كبر حجمها منهم بتيل و (السمحان) و (اليتيم) حيث إنه لا يوجد أكبر منه، ولا بمثله في دولة الإمارات، ولقب بالبسطي نسبة إلى حرفته حيث كان يعمل لديه الكثير في بسط خشب السفن العملاقة وهذا له أثر كبير على أجيال.
وما زاد من فخرها وتعلقها بوالدها كونه عادلا خارج البيت وداخله فكان لا يفرق بين بناته وأولاده في المعاملة من منطلق إيمانه بأن البنت والولد لهما التقدير ذاته، ولا يوجد فرق بينهما في التعلم وبناء الشخصية ودورهما في العائلة مما أعطاها الثقة الكبيرة بالنفس حيث تبنت مبادئ والدها وتأثرت بشكل كبير بشخصيته وتعلمت منه فن الدبلوماسية والتعامل مع الآخر والرحمة والكرم والشجاعة والإقدام والحلم والتغاضي عن أخطاء الآخرين، مثلما تعلمت من والدتها كيف يكون دور الإنسان في المجال الأكاديمي والعملي من جهده والقناعة بما أعطاه الله وروح التضحية والصبر عند الابتلاء وتقبل القضاء والقدر بنفس مؤمنة.
وتمتعت منذ نعومة أظفارها بموهبة وهي هبة من الله في مجال الفنون التشكيلية وكتابة الشعر وفن التجارة ومهارات التواصل مع الآخرين وقوة الحجة والإقناع والثقافة العالية في مجالات متنوعة.
سنة 1971 وبينما كانت لم تتجاوز سن السابعة انقلبت حياة عائلتها رأسًا على عقب إثر حادثة مركب الريان الشهيرة التي أودت بحياة والدها الذي كان قائدا للسفينة والكثير من رجال قطر المعروفين غرقًا، وأكرمهم الله بالشهادة وعم الحزن مدينة الريان وضواحيها وفي كل بيت في قطر، حيث إنه يعتبر المجتمع القطري أسرة واحدة تتقاسم الأفراح والأتراح، حيث تحطم مركب الريان في هذه الرحلة ودخلت المياه فيه وبدأ بالغرق وبدأ والدها غافان بالصراخ ونداء الرجال (اعتقوا الصقور والكلاب عسى الله يعتق رقابنا من النار)، وهرع يقص حبال الصقور وكلاب الصيد ولم يكن يفكر في شيء سوى إعتاقهم عندما فقد الأمل في النجاة، وهذا يدل على شهامته، ورغم الصدمة الكبيرة التي شعرت بها ابنته التي كانت شديدة التعلق به وتنتظر عودته إلا أنها قبلت بكل الحزن لوفاته وكان عزاؤها أنه توفي شهيدًا وعند الله يرزق، وأن تصرف والدها وسمعته الطيبة ومواقفه البطولية جعله مصدر فخر وإلهام بالنسبة لها، وكان دائمًا القائد وكان دائمًا الغائب الحاضر في جميع تفاصيل حياتها ومراحلها.
التجارة تبدأ من مقاعد الدراسة
بعد وفاة الوالد حرصت والدتها وجدتها وخالها على إحاطتها بالحب والاهتمام، ورغم قسوة الحادثة وصعوبة الصدمة إلا أنها كانت سببًا في نضج إيمان، التي كانت الطالبة النجيبة صاحبة الموهبة الاستثنائية والطموحات العالية، وقد لقيت دعما وإحاطة كبيرة من والدتها المثقفة والمتعلمة المهتمة بالقراءة والسياسة والتي قدمت أفضل مثال بالنسبة لها على المرأة المعتمدة على نفسها والتي تواجه التحديات بعزم وثبات والقادرة على المحافظة على تماسك أسرتها، حيث حرصت الأم على توطيد علاقتها بإخوتها وهو ما جعلها طالبة واثقة مبدعة مميزة حتى إنها بدأت في حصد الاهتمام والجوائز وإثبات موهبتها في الفن التشكيلي في عمر السبع سنوات إذ حصدت جائزة الميدالية الذهبية للفنون من منظمة اليونسكو سنة 1972 م.
درست المرحلة الابتدائية والإعدادية في الريان القديم والثانوية في مدرسة آمنة بنت وهب التي كانت تضم مختلف المراحل الدراسية من الابتدائية إلى الثانوية وهناك اختلطت بزميلاتها اللواتي ينحدرن من العائلات العريقة في تلك المناطق من قطر مما خلق لها دائرة كبيرة من المعارف والعلاقات الاجتماعية والتي ما زالت تحافظ على علاقتها الودية والأخوية معهم إلى الآن سواء كانوا طالبات أو إداريات، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على حياتها العامة.
وقد خاضت أجمل التجارب وكونت أجمل العلاقات في مدرسة آمنة بنت وهب الثانوية التي كانت تجربة مميزة هيأتها لخوض تجربة الحياة الجامعية فيما بعد.
بعد الحصول على الثانوية العامة بتفوق وبمجموع عال توقع معظم أفراد العائلة أن تتخصص في الطب لا سيما أنه حلم والديها إلا أنها اختارت طريقًا مختلفًا نظرًا لميولها وموهبتها الفنية، فاختارت أن تدرس التربية الفنية أو الفنون الجميلة، فكانت أول قطرية تحصل على بعثة من وزارة الإعلام للولايات المتحدة الأمريكية، وللأسف وقفت العادات والتقاليد المحافظة أمام أحلامها وطموحاتها بعد أن اعترض أحد أفراد العائلة على سفرها، فلم يكن أمامها من خيار سوى تقبل الأمر الواقع رغم مرارته والتحقت بجامعة قطر وتخصصت في التربية الفنية، ولكن لم تشعر أنها اقتربت من حلمها وطموحها فكانت أحلامها أكبر بكثير من ذلك فأقنعت عائلتها بالانتساب إلى جامعة حلوان بجمهورية مصر العربية والتي تعتبر ثاني أكبر جامعات العالم في التربية الفنية، فوافقت العائلة بشرط تناوب أفراد الأسرة على مرافقتها، ولحسن حظها حصلت على استثناء وتم قبولها في الجامعة التي درست بها لمدة أربع سنوات وحصلت على ليسانس التربية الفنية من جامعة حلوان لتكون أول قطرية تحصل على هذه الشهادة وهو ما سهل عليها الانضمام لجماعة الفنانين العرب وتعززت مكانتها بين الفنانين العرب بحصولها على الجائزة العاشرة في معرض للفنانين التشكيليين الذي أقيم في مصر، وهو ما غذى طموحها وضاعف عزيمتها لإكمال مسيرتها.
خلال فترة دراستها الجامعية في مصر تأثرت بالعديد من زملائها الذين لمست فيهم الكفاح لتحقيق أحلامهم والمسؤولية العالية من خلال إيجاد مصادر للدخل لتوفير احتياجاتهم الضرورية، حيث كان معظم الطلاب من الدخل المتوسط والضعيف يسدون تكاليف الدراسة واحتياجاتهم من خلال بيع لوحاتهم التي يعملون عليها لأوقات متأخرة بالليل ويعرضونها صباحًا في الأسواق، وهو ما جعلها تخجل لأنها لا تعتمد على نفسها مثل البقية، ومن هنا جاء قرار الاعتماد على الذات من خلال إطلاق مشروعها الأول من مصر والذي كان عبارة عن مصنع صغير لصناعة الأحذية الجلدية النسائية ذات الطابع العالمي، ورغم أن التجربة لم تستمر بسبب التزاماتها الأكاديمية إلا أنها استفادت منها بشكل كبير في حياتها بعد ذلك في مجال التجارة.
العودة وبناء المشروع
بعد انتهاء الرحلة التعليمية والعودة إلى أرض الوطن سنة 1995 م، فكرت في استثمار تجربتها في مصر ودخلت في مجال آخر حيث أنشأت سنة 2000 م مقهى THE LEGEND الذي لقي اهتمامًا وإشادة إعلامية لكونه أول مقهى بإدارة نسائية قطرية وهو يستهدف بشكل خاص الفنانين والمثقفين حيث وفرت داخله مساحة للفن لتكون هذه التجربة الرائدة محط أنظار الجميع لا سيما لكونها مبادرة ثقافية أسهمت في تعزيز الحراك الثقافي الفني من خلال المزادات التي كانت تقيمها داخله، بالإضافة إلى عرض منتجات نسائية، واستمرت في هذا المجال بشكل متذبذب بين نجاح وفشل إلى أن وقفت على أرض صلبة وأخذت الخبرة الكافية لتطوير الشركة لتصبح من أبرز الشركات المعروفة في السوق حاليًا تحت الاسم التجاري «سفن ليجند»، وتعمل في صناعة الحلويات والأغذية وتلبية احتياجات العملاء.
سنة 2018 م قررت أن تخطو خطوة كبيرة في مسيرتها في اتجاه مختلف تضع فيه عصارة تجربتها وحصاد خبرتها بين الفن والتجارة من خلال تأسيس جمعية المرأة للوعي الاقتصادي والاستثماري في دولة قطر.
وكونت مجلس إدارة لها من عدد كبير من مبدعات قطر يشغلن عدة تخصصات مهمة على المستوى المحلي والدولي يسهم معها يدًا بيد في تطوير وتثقيف المرأة القطرية في الوعي الاقتصادي والاستثماري لتحقيق رؤية قطر 2030.
وعي اقتصادي للنساء
تعتبر أن محبة الناس والمحافظة على علاقتها بجميع أصدقائها أكبر إنجازاتها ونجاحاتها لا سيما في ظل الانشغالات الكثيرة، كما تفخر بتأثر العديد من السيدات اللواتي انضممن للجمعية بأفكارها ومبادئها.
وعلى مدار مسيرتها في الفن شاركت في العديد من المعارض المحلية والدولية وحصلت على عدة جوائز عالمية منها جائزة رؤيا عالمية للمرأة بالشارقة، والمركز الثالث في جائزة التسامح من خلال البيت القطري والعديد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية.
كما تعتبر أول امرأة عربية تدخل عالم التصميم من أوسع أبوابه حيث قامت بتصميم المصحف الأول للمؤتمر الإسلامي الأول بدولة قطر، وتصميم الكوب العالمي لقطر (كوب المدينة) لشركة روزنتال العالمي.
كما أنها تعد واحدة من بين عدد قليل من الفنانين الذين قاموا بتصميم الهدايا التذكارية من الفابورجيه، وقامت بالتصميم لدور عالمية كشركة وروزنتال الألمانية.
أيضًا حصلت على جائزة المرأة المثالية تحت رعاية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر، وكان لها العديد من المشاركات المحلية والدولية آخرها المشاركة في الشقب للخيول العربية أثناء استضافة قطر لكأس العالم (فيفا 2022) بلوحات متميزة للخيول العربية.
خلال مسيرتها التعليمية التي استمرت لأكثر من عقدين أسهمت في ابتكار فكرة النوادي في المدارس انطلاقًا من مدرسة الرسالة الثانوية للبنات التي كانت تعمل بها كمدرسة فنون بصرية، كما أشرفت على العديد من الأنشطة ونشرت ثقافة النوادي في العديد من المدارس الأخرى، ومثلت القدوة لطلبتها فطورت مهاراتهم ووجهتهم وشجعتهم على دخول مجال الفن.
أيضًا شاركت في جميع المعارض الفنية التي أقيمت بالدولة من خلال أعمال طلابها في من بينها معرض مركز مطافي وورق في ورق وغيرهما، كما أشرفت على طلابها للمشاركة في مسابقة إعادة تدوير الورق، كما شاركت في العديد من الجداريات المشتركة وفي ورش فنية في المتحف الإسلامي، ولم يقتصر نشاطها على ذلك حيث خاضت العديد من التجارب الابتكارية التي استمتع بها طلابها في إطار حرصها على إقامة أنشطة لاصفية.
كذلك كانت عضوًا في اللجنة الوطنية للاحتفال باليوم الوطني وشاركت في العديد من الفعاليات سواء من خلال التصميم أو التحكيم أو التنفيذ الميداني، كما صممت أوبريتًا متكاملًا للمرادة.
سنة 2022 م قررت التقاعد للتفرغ للاهتمام بوالدتها أولا ولإدارة الجمعية والعودة للمسار الفني.
رغم أنها لديها العديد من الإخوة والأخوات غير الأشقاء في دولة الإمارات وفي المملكة العربية السعودية إلا أنها تعتبر أن البعد بعد القلوب وليس بعد الدروب، فهي تعتبر أن الحدود الجغرافية لا يمكن أن تقف حاجزًا أمام علاقتها بإخوتها الذين تربطها بهم علاقات وطيدة.
التعليم إرثٌ مستمر
واجهت العديد من التحديات في مسيرتها ولكن معظمها كانت تحديات أسرية، أكبر صعوبة كانت وفاة والدها وتغير الوضع الأسري ولحق ذلك وفاة جدتها التي كانت لها السند الأقوى مع والدتها لتخطي ضغوطات الحياة والتغيرات في فقد بعض الأصدقاء المقربين لها الذين كانوا بالنسبة لها عائلتها الثانية، لكنها مع كل ألم فقد تضمد جراحها وتواصل فهي مؤمنة أنه «عاشر من تعاشر لا بد من الفراق».
تأثرت بالتغييرات التي أحدثتها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر فيما يتعلق بتمكين المرأة على جميع الأصعدة، وكانت المثل والقدوة لها لما حققته من نجاحات رغم العقبات، حققت الشيخة موزا بنت ناصر للمرأة القطرية نجاحات أوصلتها للعالمية وهي تعتبرها مثلها الأعلى وكما تعتبر سمو الأمير الوالد قائد المسيرة والتغيير في دولة قطر أو تأثرت كثيرًا بكلماتها ومقولاته التي نقشت في ذاكرتها وفي صميم قلبها، كما كان سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني السقف الكبير لجميع الشعب الذي تعلم منه روح التحدي والإصرار على المبدأ وعلى الوصول للحلم رغم الصعوبات التي واجهتها دولة قطر وأدت بقيادته للارتقاء بالدولة الفتية.