

إنعام النعيمي
اختارت التمريض رسالةً للحياة، وواصلت التعلم حتى أصبح عطاؤها المهني امتدادًا لقناعة إنسانية راسخة.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 90–95
إنعام صالح النعيمي، مساعدة المدير التنفيذي للتمريض في قسم الطوارئ بمستشفى حمد العام. واصلت التعلم والتطوير، وحولت ثقة المرضى والمسؤولين إلى إنجازات مهنية متتابعة.
طفولة تميل إلى العطاء
عاشت طفولة عادية هادئة وسط عائلة قطرية تقليدية محافظة بمنطقة الخيسة، ونظرًا لتقارب سنها مع إخوتها الأولاد وبينهم توأمها قضت معظم أوقاتها مع إخوانها تلعب مع الصبيان وهو ما جعلها تفضل ألعاب الأولاد عن الألعاب المخصصة للبنات، ورغم أنها لم تكن طالبة متميزة ولا متفوقة وواجهت صعوبات في تعلم مادة اللغة الإنجليزية إلا أنها كانت صاحبة شخصية مميزة في البيت وخارجه، وقد لقيت دعمًا كبيرًا من والدتها التي ربت أبناءها الخمسة أفضل تربية، وبذلت قصارى جهدها لدفع أبنائها للنجاح والحصول على وظائف، وكافحت لتوفر لهم حياة كريمة هادئة رغم تواضع الظروف المادية التي كانت تمر بها العائلة إذ كان والدها يعمل ميكانيكيًا في ميناء الدوحة، وهو ما أعطى الابنة دافعًا للاجتهاد والإتقان والتفاني.
ورغم شخصيتها الكتومة والهادئة وقليلة الحديث إلا أنها عنيدة ومكافحة، فدخلت أكثر من معهد في محاولة منها لتحسين مستواها في اللغة الإنجليزية وتحدت نفسها قبل أن تتحدى وأوقدت شعلة التنافس بداخلها لتكون ندًا لكل المحيطين بها، بل وأفضل منهم.
كلمة غيرت الاختيار
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة الخليج العربي للصف الرابع، وانتقلت لمدرسة غرناطة الابتدائية ودرست مرحلة الإعدادية في مدرسة التعاون، والثانوية في الشيماء الثانوية.
التمريض يتحول إلى رسالة
لم تكن تضع أي مخططات وبرامج لمستقبلها خلال فترة الثانوية، إلا أنها وقفت أمام حدث غير توجهها في حياتها ووجه مسارها لاختيار مهنة التمريض، إذ زارت الشيخة موزا بنت ناصر مدرسة الشيماء الثانوية التي كانت تدرس بها وقدمت محاضرة عن التمريض وأهميته، وشجعت القطريات لدخول هذا المجال الذي لم تكن الشابة الطموحة تعلم بوجوده، ومنذ تلك اللحظة تغير تفكيرها ومسارها، وقررت دخول مدرسة التمريض ورغم أنها لم تتمكن من الالتحاق بها، إلا أنها واصلت التخصص العلمي وتخصصت في التمريض خلال المرحلة الجامعية.
كونها الممرضة القطرية الوحيدة بقسم الطوارئ في حد ذاته يعد إنجازًا، وقد تدرجت في الوظائف من ممرضة إلى ممرضة مسؤولة إلى رئيسة ممرضات إلى مديرة تمريض ثم مدير تنفيذي لإدارة التمريض، ولذلك تكون قد مرت بجميع المراحل وحصلت على الخبرات كافة واكتسبت جميع المهارات الضرورية للقيام بمهامها الحالية لأنها كانت تؤدي المهام الموكلة إليها على أكمل وجه وتعمل ساعات طويلة بإصرار وشغف.
في بداية مسيرتها تعاونت مع الجيش وشاركت في العديد من الدورات التدريبية، وشاركت في تمرين الكوارث وقدمت لقوة الأمن الداخلي «لخويا»، فدربت أول فريق إنقاذ في لخويا، وكان من بينهم العديد من الضباط وهو من أهم إنجازاتها، وأيضًا من أهم إنجازاتها إكمالها مرحلة الماجستير في بريطانيا ومشاركتها في «الصقر الجارح» مع الدكتور عبد الوهاب المصلح مدير قسم الطوارئ السابق، والذي كان له الفضل الكبير في دعم مسيرتها لا سيما فيما يتعلق بمجال الكوارث
خلال مرحلة انتشار فيروس كورونا بذلت مجهودًا كبيرًا وأسهمت بشكلٍ كبير في بناء مستشفى ميداني في توقيت قياسي، خلال أقل من أربعة أشهر وذلك تحت إشراف الدكتور خالد عبد النور، مدير الطوارئ السابق الذي عزز قدراتها فيما يتعلق بمواجهة فيروس كورونا.
عملت كذلك مع جنسيات مختلفة ومستويات مختلفة من الموظفين ودربتهم بالإضافة إلى إدارة المستشفى، وتمكنت مع التعامل مع الجميع بسلاسة ومرونة نظرًا لطبيعة عملها التي تفرض عليها ذلك، وحصلت على ثقة كبيرة من المسؤولين، وهو إنجاز تفخر به وصلت له بفضل إصرارها وشغفها بالتمريض واعتباره رسالة إنسانية قبل أن يكون وظيفة.
أما أكبر إنجاز فهو افتتاح طوارئ حمد الجديد في الموعد المحدد رغم التحديات المختلفة وقد وفقت في مختلف محطاتها المهنية وعلاقاتها العملية والاجتماعية، وعلى الصعيد الشخصي تعتبر إكمالها مرحلة الماجستير في بريطانيا مصدر فخر لها لا سيما في ظل التزاماتها الكثيرة.
الإنجاز وسط الاختبار
كثيرة ومتنوعة أولها ضعف اللغة الإنجليزية لديها منذ المرحلة الثانوية وتواصلت هذه المشكلة وتعمقت خلال المرحلة الجامعية إذ كانت جميع المواد تدرس باللغة الإنجليزية، ما فرض عليها تحديًا كبيرًا في فهم المحتوى، فالكتب كبيرة والتحدي الثاني أنها دخلت التمريض في الجامعة دون علم أهلها، كانت توهمهم أنها تدرس مقررات عادية، إذ رفضوا هذا التخصص ناظرين إليه نظرة دونية.
عندما اكتشفت عائلتها دراستها التمريض طلبوا منها تغيير التخصص بعد أن قطعت شوطًا كبيرًا فيه، لكنها رفضت رفضًا قاطعًا وأصرت على مواصلة دراستها، فبقيت في حالة مدٍ وجزر معهم حتى أقنعتهم بالسماح لها بمواصلة مشوارها الدراسي. وعند التحاقها بقسم طوارئ حمد الذي تعمل به منذ 2002 م واجهت مجموعة أخرى من التحديات بداية مع عائلتها التي رفضت عملها في قسم الطوارئ، حاولوا إقناعها بدخول قسم النساء بسبب الاختلاط، لكنها أصرت على مواصلة العمل في الطوارئ، وظلت بالقسم واستمرت العراقيل تترى، فواجهت صعوبة في إقناع المرضى القطريين بكفاءة الممرضة القطرية التي تقدر أن تؤدي وظيفتها على أكمل وجه، لأن هناك اعتقادًا سائدًا بعدم قدرة المرأة القطرية على مهام التمريض، لكنها كانت تقنعهم بعكس ذلك وتدعوهم إلى مساندة المرأة القطرية في كافة المهام والوظائف، وتطلب منهم أن يختبروا إمكاناتها وكفاءتها، ولقد تمكنت من فرض نفسها إلى أن أصبح المرضى يطلبون التعامل معها حال دخولهم المستشفى وكانت القطرية الوحيدة في قسم الطوارئ.
سنة 2018 م، واجهت مجموعة من التحديات حين كلفت بالإشراف على افتتاح المبنى الجديد، خصوصًا أنها لم تكن لديها أي خبرة في هذا المجال، فقرأت أكبر عدد من المراجع والمعلومات للإلمام بهذه المهمة، وكانت على قدر عالٍ من المسؤولية وخاضت التحدي بكل تمكن وعزيمة وإصرار، تمكنت من افتتاح المبنى الجديد الذي كان إنجازًا كبيرًا سيضاف إلى رصيدها من الإنجازات، رغم رفضها في البداية تحمل هذه المسؤولية، وقد لقيت مساعدة كبيرة من فريق العمل في مستشفى حمد الذين لجأت لهم في العديد من التفاصيل، وكانت هذه المرحلة من أكثر المراحل صعوبة نظرًا لكثافة العمل الذي يتطلب ساعات متواصلة.
العلم يفتح أفقًا جديدًا
من بين أهم إنجازاتها في الحياة حصولها على الماجستير الأول من بريطانيا سنة 2014 م بتخصص القيادة والإدارة الصحية في التمريض والماجستير الثاني الذي حصلت عليه سنة 2019 م بالدوحة في جامعة جورجتاون باختصاص إدارة الكوارث.