

أمينة قطبة
مثلت ثقافتها في محطات دبلوماسية متعددة، وجمعت بين صرامة المهمة ودفء الحضور الإنساني.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 74–81
أمينة عبد الله قطبة، مستشارة في مجال العطور والأعمال، ومدربة معتمدة في البروتوكول والثقافة. رافقت زوجها سعادة المستشار علي الزينل في محطات دبلوماسية متعددة، وساندت الطموحين وأصحاب الإنجازات الإبداعية.
بيت يهيئ للسفر
ولدت في 1965 م بمنطقة النجمة بالدوحة، وسط عائلة قطرية محبة للعلم والثقافة، وبيت عامر بترتيل القرآن، يضم عددًا من حفظة كتاب الله! فوالدتها جميلة عبد الله يوسف أول مغسلة رسمية للأموات في قطر، التي حفظت القرآن في سن الثالثة عشرة، وفتحت باب بيتها لتحفيظ كلام الله للسيدات والأطفال، وهي الأم المثالية في قطر لسنوات عدة، وشخصية مجتمعية من الدرجة الأولى، ووالدها أحد مؤسسي دار الكتب القطرية.
تميزت بشخصيتها الاجتماعية المعروفة في الفريج، فكانت لا تعود للبيت قبل موعد النوم، بل تقضيه في الاهتمام بالسيدات اللواتي فقدن أبناءهن، فتخفف عنهن، وتكون لهن الابنة المؤنسة.
رسمت في مخيلتها حلمًا كبيرًا وهو أن تكون سفيرة لبلدها ومجتمعها، وقد دعمها في هذا الحلم أخوها الدكتور محمد قطبة عليه رحمات الله ورضوانه، الذي مارس دور الأب بعد رحيل رب الأسرة، وآمن بقدراتها بعد أن رأى فيها مؤهلات النجاح والتميز وتناسق الفكر مع اللغة، مع السلوك مع الطموح.
وقد تأثرت ماما كثيرًا بنشأتها في فريج النجمة، حيث شكل سكانه عائلة واحدة كبيرة، وخليطًا جميلًا من المواهب والمهارات والطموحات والإمكانيات، يتشارك أهلها الأوقات الجميلة ويتساندون في الأزمات، وتتبادل الشابات الدراريع والفساتين، ويستعرن من بعضهن الذهب والحلي، فلم تكن إحداهن تشعر بالنقص أو القلة مهما كان مستواها المادي، وهو ما زرع التواضع وحب الغير والتشارك في نفوس الجميع.
كان للعائلة دورٌ كبيرٌ في بناء شخصية الباحثة والمثقفة التي وجدت نفسها في محيط من الناجحين والفاعلين في المجتمع، فأخوها الدكتور محمد قطبة -رحمة الله- كان أحد أبرز الشخصيات في المجتمع القطري بالمجال التعليمي في جامعة قطر، ووزارة التربية والتعليم، ومؤسسة قطر للتعليم، وفي الإعلام، والأدب، والشعر، والآفاق الثقافية العديدة، وأخوها سعادة القاضي خالد قطبة اسمٌ يشار له بالبنان، مشهودٌ له بالأخلاق العالية والحس الإنساني والنزاهة والانضباط.
ولها العديد من الإخوة الذين كانوا رموزًا للتميز، ومن بينهم أخوها المرحوم عبد الرحمن قطبة، وأخواتها الدكتورة حمدة قطبة، وعائشة ومريم.
عندما كانت في الصف الثالث الثانوي خطبت لزوجها علي زينل، واقتربت من زوجة أخيه الوكيلة ماجدة سالم حرم سعادة الأستاذ موسى زينل، أحد مؤسسي وزارة الثقافة في قطر، فحظيت بالجلوس مع المدرسات، والمعاملة المميزة، ما عزز تميزها العلمي وتفوقها الأكاديمي.
الدبلوماسية اختيار حياة
سنة 1984 م تزوجت من علي الزينل، أول مدرس للغة الفرنسية في الدولة، والذي شغل بعدها منصب رئيس توجيه اللغة الفرنسية، فهو واحد من أوائل المدرسين والموجهين في دولة قطر الذين حظوا بثقة المسؤولين والقيادة.
وفي سنة 1995 م عرض على الدكتور محمد قطبة منصب مندوب قطر الدائم للأمم المتحدة، فوافق على هذا التشريف، وأعد نفسه للسفر، لكنه تعرض لأزمة صحية، وتدهورت حالته سريعًا، وهو ما جعله يرشح مجموعة من الأسماء الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، من بينهم علي الذي وقع الاختيار عليه في النهاية ليحصل سنة 2001 م على منصب مندوب قطر الدائم لدى اليونسكو، بفضل إتقانه للغة الفرنسية والإنجليزية، وكونه أحد رجالات الدولة ذوي المكانة والثقة.
كان مرض الدكتور محمد فاجعة للعائلة، إذ كان على الدوام داعمًا للسيدة حتى في أزمته الصحية، حيث دفع لها تكاليف إجراء عملية تصحيح نظرها في البحرين بسبب النقص الذي تعاني منه، رغم تواضع وضعه المادي في تلك الفترة، إذ كان حريصًا على أن تتخلص من النظارة حفاظا على مظهرها، فقد كان مقتنعًا تمامًا أنها ستكون سيدة مجتمع من الدرجة الأولى!
كانت تظن أنها مجرد دعابة وأن الأمر حلم صعب المنال، لأنها لم تكن تعلم آنذاك بترشيحه زوجها للمنصب الدبلوماسي، وبعد إجراء العملية وعودتها لأرض الوطن بأيام فجعت برحيل سندها الذي كان لها قدوة ومصدر فخر، لكنه كان قد مهد كعادته الطريق لها، وأنار السبيل لزوجها، فبعد وفاته بأيام عين علي مندوبًا دائمًا لدى اليونسكو، ووجد حقيبته جاهزة بعد أن اشترى الدكتور محمد وحرمه عائشة العمادي كل ما يلزم للرحلة والمنصب.
رحيل السند وبقاء الوصية
فور تعيين زوجها في المنصب الدبلوماسي قررت أن تطور نفسها تماشيًا مع متطلبات حياتها الجديدة، ومكانة زوجها الاجتماعية، وعندما سافرت إلى باريس شاركت في العديد من المناسبات والفعاليات الكبرى، وزارت أكثر من 15 دولة حول العالم في زيارات رسمية، وكانت تحرص على إبراز ثقافتها، واستثمرت حضورها للترويج لحجابها وثقافتها، ودافعت بشراسة عن هويتها، وهو ما جعلها تتعرض للهجوم في بعض الأحيان، ولكنها لم تتراجع، بل نجحت في فرض نفسها من خلال ثقافتها وحضورها وأناقتها.
نجحت كذلك في تجسيد وعكس نتاج بلدها من خلال نجاح أبنائها من الطلبة القطريين الدارسين في فرنسا الذين يشغلون حاليًا مناصب مهمة في سفارات في دول أوروبية، فمنهم القنصل، والسكرتير الأول، والسكرتير الثاني.
هوية تحمل إلى العالم
حرصت على زرع الأخلاق الحميدة والثقافة والتقاليد القطرية في أبنائها، فكانت الجندي الحارس لثقافتها داخل البيت وخارجه! لم تتساهل حين يتعلق الأمر بالتعليم والعلم والثقافة، ما جعل أبناءها يتميزون بالثقافة العالية وقوة الشخصية والتأثير في محيطهم، ولم تكتف بدور الأم على أكمل وجه في عائلتها، بل اهتمت أيضًا بالطلبة القطريين في باريس وزوجات الدبلوماسيين وكل المحتاجين، وفتحت أبواب بيتها لهم لتعوضهم عن حضن الأم وأرض الوطن، فلقبت عن جدارة بماما أو خالتي.
ورثت مهنة تغسيل الأموات عن والدتها، فكانت تحرص على حمل كفنها وكفن أحبتها معها، ففي كل مرة توافي المنية أحد الأشخاص في الغربة يكون كفنه من عندها، ولم يقتصر عطاؤها وكرمها على أبناء وطنها بل شمل مسلمين مغتربين.
واجهت «ماما» العديد من الصعوبات في الغربة، إذ تعرضت للعديد من المشاكل الصحية، وأجهضت أربع مرات، ووجدت نفسها وحيدة، حين لم يتمكن زوجها من البقاء معها بسبب مسؤوليات منصبه.
أصيبت بفيروس كورونا، وهو ما أفقدها حاستي التذوق والشم سنة ونصف السنة، وانقطع عنها الناس خلال فترة مرضها، لكنها تلقت عشرات المكالمات من أشخاص لم يسبق لها أن التقتهم، بعضها من عائلات الطلبة الذين تستقبلهم في منزلها، وتحملت نصف مسؤوليات وأعباء منصب زوجها من المعاناة والتعب، فكانت نادرًا ما تجد الفرصة للجلوس معه، إذ كان وقته هو ملكًا للدولة، وكانت هي الأم والأب، فتحملت مسؤولية تربية الأبناء كاملة.
ماما أمينة
لم تتوقف عن طلب العلم وحصد المعارف والشهادات العلمية، ولم تكتف قط بشهادتها العلمية وخبراتها الحياتية في الدوحة؛ فدرست الديانات في مدرسة متحف اللوفر بباريس، لتتمكن من الدفاع عن دينها، والتحقت بالمعهد العالي للفنون، وحصلت على الماجستير في إدارة مشاريع، وأبدعت أول «براند» عربي فرنسي في العطور، حتى اعتبر العطر الذي جسدته تزاوجًا بين الشرق والغرب من خلال امرأة شرقية حتى أصبحت مستشارة في مجال العطور.
أسهمت بشكل كبير في إصدار «ماركة» عطور، ووفقت في إدخال «الماركة جيفانا» في المحلات التجارية في قطر، وبعد العودة إلى أرض الوطن بدأت مسيرتها في مجال تطوير المشاريع.