

إليزابيث ريس
عبرت الثقافات والبلدان حتى وجدت في قطر انتماءً جديدًا، وحولت فهمها للهوية والمظهر إلى خبرة مهنية متخصصة.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 82–89
إليزابيث ريس، مستشارة في آداب وبروتوكول المظهر وصاحبة شركة «Glam Your Image». بدأت مسيرتها مضيفة طيران، ثم غيرت اتجاهها المهني ووسعت خبرتها بالسفر والتدريب حتى أصبحت متخصصة في مجال البروتوكول والصورة المهنية.
موزمبيق في الذاكرة
ولدت سنة 1972 م، في دولة موزمبيق وسط عائلة برتغالية متوازنة ومتماسكة متفهمة ومنفتحة وسعيدة متكونة من والديها وشقيقها، وكان والداها قد استقرا في إفريقيا قبل ارتباطهما بسنوات، فالأم ترعرعت في موزمبيق نظرًا لكون والدها واحدًا من أهم رجال الأعمال البرتغاليين في القارة السمراء، وهو صاحب شأن ومكانة اجتماعية كبيرة، فقد استقر هناك للعمل بالجيش في وقت كانت فيه هذه الدولة الإفريقية في أوج ازدهارها وتقدمها حتى إنه كان يطلق عليها «نيويورك إفريقيا» آنذاك، وقد تعرف الوالدان هناك وارتبطا واستقرا وكانا يأملان أن يربيا أبناءهما في البلد الذي جمعهما وأسسا فيه حياتهما.
لكن مع بداية الحرب الأهلية في موزمبيق، وبينما كانت لم تتجاوز عامها الثالث، انقلبت حياة العائلة رأسًا على عقب ففقدوا ما بنوه لسنوات واضطروا لترك كل شيءٍ وراءهم والابتداء من الصفر في البرتغال، ورغم أن ظروف الحياة قد تغيرت واضطر الوالدان لمكافحة ظروف الحياة الصعبة لتأمين أساسيات المعيشة، وعاشا كثيرًا من الخيبات والهزائم إلا أنهما حرصا على أن يعيش الأبناء طفولة سعيدة محاطين بالعائلة الموسعة وأبناء الأعمام، وكانت التجارب الأليمة التي عاشتها العائلة درسًا ورسالة للأبناء لتقدير ما لديهم من نعم وعدم أخذ الأشياء مسلمة كما تعلموا أهمية الاجتهاد والعمل الشاق لحصد الثمار وتحقيق النجاح.
تعلموا أيضًا أنه لا بد دائمًا من توقع كل شيء والاستعداد لكل الاحتمالات والأهم من هذا كله فهموا أنه ما دامت العائلة بخير ومترابطة فكل شيء سيكون بخير، ويمكن تعويض أي خسائر مهما كانت قيمتها المادية، في حين أنه لا يمكن تعويض العائلة، وهو ما جعل علاقتها بأخيها علاقة مميزة لا يمكن هزها ولا زعزعتها فهو لها القدوة والسند والنموذج الذي سعت للسير على خطاه.
رغم أنها غادرت موزمبيق في سنٍ صغيرة جدًا لم تتجاوز الثلاث سنوات، إلا أن هذا البلد كان له التأثير الكبير في نشأتها وبناء شخصيتها، إذ عاشت العائلة على الذكريات الجميلة التي صنعتها في إفريقيا، فكانت أحاديث العائلة عن حياتهم هناك لا تنتهي بين سعادة بجمال التجربة وحنين للبلد الذي بنوا فيه عائلتهم وألمٍ على ما آل إليه الحال، وكانت الصور شاهدة على كل اللحظات التي عاشوها، ومن خلالها فهمت سبب تعلق أبويها به.
رحلة تعليم عابرة للثقافات
لطالما حلمت أن تصبح مضيفة طيران وهو ما لم يكن يتطلب شهادة جامعية آنذاك، لكنها قررت أن تكون مضيفة طيران حاصلة على شهادة جامعية، لذلك قررت التحقت بتخصص السياحة واللغات، وحصلت على شهادات في اللغة الإنجليزية والألمانية والفرنسية وتميزت خلال المرحلة الجامعية في مادة اللغة الفرنسية التي كانت تفضلها على اللغة الإنجليزية.
لم تعتقد أن تخصصها الأكاديمي سيحملها لشيء أبعد من العمل كمضيفة طيران لكنه قادها إلى ما هي عليه اليوم.
لم تكتف بهذه الشهادة فحصلت بعد ذلك على شهادة في الآداب والبروتوكول نظرًا لإيمانها بأهمية قواعد الآداب في كيفية الأكل بشكل صحيح، وأيضًا أهمية لغة الجسد ولهذا السبب تخصصت في آداب السلوك والبروتوكول.
بدأت مسيرتها العملية في سن الثانية والعشرين في شركة الطيران البرتغالية وفي أحد الأيام وقع بين يديها إعلان افتتاح شركة طيران جديدة في طيران آسيا ماكاو تستقطب طاقم يتحدث البرتغالية وقد جذبها الطموح وحب المغامرة لخوض تجربة جديدة في الصين، وبالفعل في سنة 1995 م قدمت استقالتها من الشركة وسافرت لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها، وفي الوقت الذي كانت تنوي فيه أن تعمل في الصين لسنتين تغيرت قراراتها ومساراتها بعد أن التقت بزوجها برتغالي الجنسية أيضًا في الصين لتتكرر التجربة ذاتها التي مر بها أبواها سابقًا إذ جمعهما القدر وأسسا عائلتهما في بلد غير بلدهما الأم.
خلال هذه المرحلة أسهمت بشكل كبير في إطلاق شركة الطيران وشهدت نمو وتطور الشركة التي تفخر بكونها كانت جزءًا منها وتدرجت فيها وظيفيًا من مضيفة طيران رئيسية إلى مدرب طيران للخدمة والسلامة، وبذلت جهدًا كبيرًا للوصول إلى تلك المرحلة، فشاركت في العديد من الدورات التدريبية أثناء وجودها في ماكاو، إضافة إلى المشاركة في جلسات التصميم مع أصدقائها وزملائها الصينيين، الذين جمعتها بهم علاقة وطيدة وطيبة رغم الاختلافات الكثيرة سواء على المستوى الفكري أو الثقافي، ووقعت في عشق مجال التصميم وفكرت جديًا في خوض غماره.
ترى أن الشخص الذي تمكن من التأقلم في الصين يمكنه العيش في أي مكان في العالم، فكان الانتقال إلى الصين الصدمة الثقافية التي أعدتها لأي شيء لا سيما أنها كانت في مقتبل العمر حينها.
كان من الصعب تعلم اللغة الصينية حيث إنه ليس هناك لغة موحدة في الصين، فهناك لغة الماندرين واللغة الكانتونية إضافة إلى الكثير من اللهجات، كما كان طاقم الطائرة الذي عملت معه في ذلك الوقت من مدن مختلفة في الصين، ما أتاح الفرصة لها لفهم الثقافة الصينية التي تعد ثقافة ثرية وأيضًا تنافسية جدًا فيما بينها ومختلفة جدًا كذلك.
من الطيران إلى قطر
قادت الأقدار إلى قطر بعد أن حصل زوجها ميجيل على دعوة من قبل اللجنة الأولمبية الآسيوية للعمل في ألعاب آسيا 2006، ولم تكن في ذلك الوقت تمتلك أي معلومات عن الشرق الأوسط أو حتى عن مكان قطر في الخريطة حتى إنها سارعت بإجراء بحث في جوجل Google وقد أدهشتها المعلومات التي حصلت عليها، وشعرت أن هذه الزيارة يمكن أن تكون فرصة للقيام بشيء مختلف وخوض مغامرة جديدة، وبالفعل اتخذت وزوجها خطوة جريئة فانتقلت مع أبنائها الذين ولدوا في الصين وأكبرهم يبلغ 5 سنوات، في حين لم يتجاوز ابنها الأوسط السنتين.
عندما انتقلت إلى قطر شعرت كأنها في موطنها الأم ولم تشعر بالغربة، إذ وجدت أن العرب يشبهون البرتغاليين، وأن الأماكن متشابهة بشكل كبير فتمكنت من الاندماج بسرعة في المجتمع القطري وكونت علاقات كثيرة مع العديد من القطريات اللاتي فتحن أبواب بيوتهن وقلوبهن لها ولعائلتها وأطفالها.
لم تواجه أي صعوبة في التواصل مع من حولها من جنسيات وثقافات لإتقانها أكثر من لغة علاوة على كون لغتها الأم من اللغات الحية سهلة الفهم.
لم تتفاجأ بمعظم خصائص ومميزات الثقافة القطرية نظرًا لقربها وتشابهها مع ثقافتها الأم، لكن ما شد انتباهها منذ أن وطأت قدماها قطر هو تغطية النساء رؤوسهن واللباس الفضفاض الذي يرتدينه، ولد ذلك العديد من التساؤلات حول هذا الموضوع لا سيما أن هناك اختلافات بين المسلمين وفي درجة التزامهم باللباس الفضفاض، وهو ما دفعها لدراسة الآداب المحلية وجعلها تتعمق في فهم الدين الإسلامي وكان فرصة لتعلم أشياء جديدة.
بعد أن استقرت وعائلتها في دولة قطر بدأت التفكير في مسيرتها المهنية وقررت إعادة اكتشاف ذاتها والبحث عن شغفها الحقيقي وقضت قرابة عامين في الدراسة والسفر حول العالم وشاركت في جميع الدورات التي تهم مستشاري الصور في تصميم ثقافات مختلفة وأسواق ووجهات نظر مختلفة، من هنا جاءت فكرة تأسيس «Glam Your Image» التي حققت نجاحًا كبيرًا في دولة قطر حيث تتعامل الشركة مع العديد من الشخصيات المهمة والعلامات التجارية المعروفة وتعمل على الاستثمار فيها لمواصلة علاقة العمل.
قررت بعد ذلك تقديم تدريب كامل لعملائها، ولم تكن استشارات الصور كافية وتخصصت في الآداب والبروتوكول الدولي لتدريب العديد من الأشخاص على اكتساب المزيد من الثقة وإتقان المهارات الاجتماعية وفهم قوة لغة الجسد ومهارات الاتصال.
الثقافة القطرية تعيد رسم الطريق
رغم أنها كان من الممكن أن تعمل في المجال الذي حلمت به دون الحاجة إلى شهادة جامعية إلا أنها كافحت للحصول على شهادة جامعية وأصرت على ذلك، فضلًا عن تعلم العديد من اللغات التي سهلت التعامل مع مختلف الجنسيات والثقافات، وفتحت أمامها العديد من الأبواب والمجالات، فهي مؤمنة بأهمية التعلم المستمر وتطوير الذات وضرورة الحصول على شهادة جامعية، وترى أن أهم استثمار يخوضه المرء هو الاستثمار في نفسه، فهي مشجع قوي للدراسة والحصول على المزيد من المعرفة، ورغم أنها بلغت من العمر 51 عامًا ما زالت تشارك في دورات تدريبية كل عام.
اتخذت العديد من القرارات المصيرية التي غيرت مسارها وأكثرها تأثيرًا وصعوبة كان الانتقال من بلد إلى آخر، ما جعل حياتها دائمة التغيير، كان التغيير دائمًا للأفضل وساعدها على تطوير ذاتها وتحقيق العديد من الإنجازات والنجاحات.
الخبرة بعد الفقد
من أصعب المواقف واللحظات التي مرت بها وفاة والدتها بشكل مفاجئ في عمر 59 عامًا إثر سكتة دماغية سنة 2010 م، وهو ما سبب لها صدمة كبيرة وبقيت تحت تأثير تلك الصدمة سنوات عدة، لا سيما أنها كانت مقربة من والدتها التي كانت تشركها في تفاصيل حياتها وتستشيرها في كل قراراتها، وفي الوقت الذي كانت تحاول فيه أن تجمع شتات ذاتها وتتجاوز الصدمة خسرت والدها بعد خمس سنوات من وفاة أمها، وكانت وفاة والديها التغيير الأكبر في حياتها الذي أثر على جميع المستويات -مهنيًا وعاطفيًا- كزوجة وأم وأيضًا كصديقة، فتغيرت أولوياتها وأحاسيسها، ورغم صعوبة الفقد إلا أن الصدمة جعلتها تغير منظورها للحياة وطريقة تعاملها مع الأشياء ومع عائلتها تحديدًا وتعلمت المضي قدمًا رغم الألم.
تضع أبناءها الثلاثة على رأس قائمة أولوياتها، فهي أم قبل أن تكون سيدة أعمال أو صاحبة مشروع، فرغم أن أبناءها كبروا وترعرعوا في قطر، وانتقل أكبرهم معها إلى الدوحة بينما لم يتجاوز سن الخامسة، إلا أنها حرصت على أن تعرفهم بجذورهم وهويتهم وتجعلهم منفتحين على مختلف الأفكار والثقافات، وهو ما جعلهم فخورين بأصولهم البرتغالية يتحدثون البرتغالية ويغنون النشيد الوطني وفي الوقت ذاته يتحدثون العربية.
أسهمت في تعليم أبنائها أهمية بذل الجهد من أجل مساعدة الناس من حولهم داخل المجتمع الذي يعيشون فيه، ودعوتهم بشكل مستمر من أجل أن يكون هدفهم المساعدة دون انتظار مقابل، واهتمت بشكل أكبر بأن تكون قدوة لعائلتها والأصدقاء من حولها.
علاقتها مع أبنائها قائمة على الحوار والنقاش والصراحة فهي تحاول قدر المستطاع أن تكون موجهة ومرشدة لهم دون فرض أو قيد.
تقوم علاقتها مع زوجها ميغيل هيتور على الدعم المتبادل فهو ليس رفيق دربها فحسب، بل هو توأم روحها، فكان دائمًا إلى جانبها مشجعًا وشريكًا مثاليًا، ووجدته محبًا حقيقيًا وأيضًا موجهًا وناقدًا لها.