نشوى بابكر
دليل الشخصيات ←

نشوى بابكر

ورثت شغف الإعلام، وشقت طريقها في الصحافة الرياضية حتى أصبحت صوتًا حاضرًا في الملاعب والشاشات.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 311–316

نشوى بابكر عيسى، مذيعة رياضية سودانية، وأول مذيعة رياضية تنضم إلى تلفزيون قطر.

مذيعة رياضية أربعينية سودانية الأصل أمريكية الجنسية قطرية القلب والروح، حب الإعلام يسرى في دمائها، فقد ورثت الشغف عن والدها الصحافي والأديب وجدها الذي أسس أول جريدة إقليمية في السودان، تدين بالولاء لمسقط رأسها الذي غادرته عندما كانت طفلة ولقطر التي احتضنتها ووفرت لها الفرص وسبل النجاح، شقت طريقا صعبا وعصيا على المرأة فكانت أول مذيعة رياضية تدخل تلفزيون قطر وتجول وسط الملاعب الرياضية وتغطي أهم الأحداث والفعاليات، خريجة علوم في جامعة قطر، عشقت الإعلام فتجولت بين الإذاعة وتلفزيون قطر لتطل على الجمهور من خلال التغطيات والتقارير الإعلامية، أسعفتها الفرص في كثير من المحطات لتحصد النجاح فأطلقت العنان للموهبة، وخاضت غمار مجال صعب حتم عليها التضحية بوقتها وجهدها فوجدت إلى جانبها زوجا محبا داعما منحها جنسيتها الأمريكية كما منحها الدعم والمساعدة على تحقيق التوازن بين وظيفتها وأبنائها الأربعة أحمد ومحمد وعليا ولين، كان لعائلتها فضل كبير في نجاحاتها، فجعلتهم فخورين بإنجازاتها ومسيرتها الحافلة بالتميز.

السودان في الذاكرة الأولى

نشأت في عائلة سودانية مقيمة في قطر تتكون من ستة أفراد وهي الابنة الكبرى للصحافي والمحلل السياسي بجريدة الراية بابكر عيسى.

أحبت القراءة منذ الصغر فكانت تقسم أوقات فراغها بين مكتبة المنزل التي تحتوي على مئات الكتب المتنوعة في شتى مجالات العلم والثقافة وممارسة الرياضة حيث كانت حريصة على ممارسة أنواع مختلفة من الرياضات لا سيما مع فتح قاعات الرياضة المخصصة للنساء.

كان والدها يساعدها على اختيار الكتب ويشجعها على القراءة فزرع فيها حب العلم وكان مواظبا على زيارة معرض الكتاب واقتناء الكتب لتشجيع أبنائه على التفوق الدراسي وتثقيف النفس ليسيروا على طريقه نظرًا لكونه أديبا ومحبا للقراءة والكتابة، كانت تطمح أن تصبح إعلامية منذ الطفولة لكن بعد تخرجها من الثانوية تخصصت في مجال العلوم في جامعة قطر التي دخلتها بعد حصولها على منحة استثنائية من الديوان الأميري مخصصة للجالية السودانية من خلال سفارتهم وعلى مدار سنوات دراستها وحتى بعد حصولها على البكالوريوس ظل حلم دخول مجال الإعلام يراودها ولم تتخل عنه.

فقد مبكر يضاعف التحدي

فجعت العائلة سنة 1998 بفقدان ربتها بعد معركة مع مرض السرطان وهو ما جعل تدخل في حالة من الحزن والاكتئاب الشديدين لا سيما أنها كانت الأقرب لأمها التي لطالما كانت السند والداعم لها وكانت تؤمن بموهبتها في مجال الإعلام وشجعتها على خوض التجربة رغم خوفها الشديد عليها والذي لم تقدر على إخفائه رغم محاولاتها.

قطر تصبح وطنًا ثانيًا

نشأت في قطر وأتمت فيها جميع المراحل الدراسية وحصلت على منحة دراسية من جامعة قطر للدراسة، وهو ما جعلها تكن حبا كبيرا لهذا الوطن المعطاء الذي ساند طموحها وغذى موهبتها وأعطاها الفرصة لتحقيق أحلامها وهو ما جعلها تحاول من خلال كل نجاح وإنجاز في حياتها أن ترد الجميل لأهله من خلال تقديم كل ما تستطيع لخدمته.

الصحافة الرياضية تفتح الطريق

بدأت مسيرتها الإعلامية سنة 1999 كمقدمة برامج منوعات مع المخرج حسن الساعي ثم انتقلت سنة 2000 إلى تقديم الأخبار حيث إن الإدارة تغيرت آنذاك وتم الاستغناء عن الكوادر المتعاونة ففوجئت باتصال وعرض للعمل في القسم الرياضي، لكنها رفضت في البداية نظرًا لأن هذا المجال كان في تلك الفترة حكرا على الرجال واعتبرت أن هذا العرض مجرد طريقة لرفضها بطريقة غير مباشرة،

لكن بعد تفكير قررت خوض التجربة وكانت المرأة الوحيدة في القسم الرياضي في نهاية التسعينات والتحق بها مع بداية القرن الحادي والعشرين مجموعة من الإعلاميات الأخريات حيث أسس لخضر بريش النشرات الرياضية في تلفزيون قطر وقام بتدريب وتوجيه مجموعة من الإعلاميين، وشقت بعد ذلك طريقها الذي كان مكللا بالنجاحات المتواصلة على مدار 21 سنة بين تقديم نشرات رياضية وبرامج متخصصة.

ومن بين أهم محطاتها الإعلامية أنها عملت مراسلة لبرنامج صباح الخير يا عرب من خلال تقارير متنوعة تبث من الدوحة إضافة إلى تعاونها في إحدى الفترات مع إذاعة قطر حيث قامت بتقديم النشرات والبرامج الرياضية عبر أثير إذاعة قطر وقد أضافت لها هذه التجربة الكثير نظرًا لاختلاف التقديم الإذاعي عن التلفزيوني حيث إن التقديم في الإذاعة يرتكز على الصوت في حين تلعب الصورة الدور الأهم في التلفزيون.

فرصة العمر

رغم تخوفها الشديد من دخول مجال الإعلام إلا أن كلمات والدها وتشجيعها كانت بمثابة الشمعة التي أنارت طريقها، فلطالما كان يردد على مسامعها «الحياة فرص ويجب على الإنسان استغلالها لأن الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة» وهو ما جعلها تتغلب على خوفها وتخوض غمار التجربة، وقد تم اختيارها من إدارة التلفزيون وخضعت لتدريب مكثف من قبل زملائها الأقدم والأكثر خبرة في التلفزيون، وكانت تعتبر مقر العمل بمثابة منزلها الثاني وزملاؤها كانوا أسرتها الثانية الذين وجدت منهم الدعم والمساندة حتى أنها لم تكن تشعر بسرعة انقضاء الوقت أثناء العمل، وكان الفريق يعمل أسابيع متواصلة دون إجازة عندما يتطلب الأمر.

أهم الإنجازات

على مدار مسيرتها التي تجاوزت العقدين حققت العديد من الإنجازات، حيث شاركت في أول لجنة لرياضة المرأة القطرية بالبطولة الخليجية في الشارقة، وقامت بتغطية الحدث في ظل ظروف صعبة، حيث كانت معظم الأسر ترفض التصوير وهو ما اضطرهم لتصوير التدريبات لبعض المشاركات لتوفير مادة إعلامية على تلفزيون قطر تعكس هذه الجهود.

كما كانت ضمن الوفد الإعلامي القطري بدورة الألعاب الآسيوية في غوانزو في الصين وكانت الرحلة طويلة استمرت قرابة 27 يوما وسط ظروف حتمت على الفريق إرسال تقارير يومية عن المشاركة القطرية وقد صادف عملها في الصين أحد الأعياد وكان من الصعب عليها جدًا أن تقضيه بعيدا عن أبنائها.

كل هذه التجارب خلال عملها في تلفزيون قطر أكسبتها خبرة كبيرة كمقدم برامج ومعدة تقارير إخبارية ونشرات، وهو ما فتح لها أبوابا جديدة حيث تعاونت مع قناة العربية من خلال تقارير إخبارية رياضية.

الإعلام أمام اختبار الغربة

لم يكن تحقيق النجاح سهلا بالنسبة للأستاذة حيث الصعوبات جمة منذ بداية مشوارها في مجال الإعلام الذي بدأته بالتوازي مع دراستها الجامعية، فكانت تعمل في تلفزيون قطر وفي نفس الوقت تنهي دراستها، وكان من الصعب تحقيق التوازن بين الاثنين، حتى أنها لم تتمكن من حضور حفل تخرجها الذي كانت تنتظره بفارغ الصبر بسبب اضطرارها للعمل لتغطية افتتاح بطولة التنس إكسون موبيل للرجال 2001. أيضًا اضطر فريق عمل برنامج صباح الخير قطر والذي كانت فردا منه إلى تأجيل توقيت بث إحدى الحلقات قرابة النصف ساعة بسبب تزامن عرضه مع امتحان نهائي بكلية العلوم، ولحسن حظها أن الفريق كان متفهما وكانت تربطها بهم علاقة قوية وهو ما ساعدها على شق طريقها بثبات.

كما أن طبيعة العمل في حد ذاته فرض العديد من التحديات لا سيما فيما يتعلق بقوانين الرياضات المختلفة والتي من الصعب الإلمام بها لا سيما الرياضات النادرة، حيث كان من الصعب التعريف باللعبات المختلفة وفهم حساب النقاط في بعضها ونطق بعض الأسماء الأجنبية الذي يتطلب التدرب المسبق والتأكد من صحة نطقها.

كما أن مجال الإعلام الرياضي في العالم العربي ما زال يواجه العديد من التحديات، فمعظم السيدات يرفضن التصوير نظرًا لظروف المجتمع وتقاليده المحافظة في حين أن الإعلام يحتاج لظهور على الشاشة، فكانت تجد صعوبة في توفير مادة إعلامية وإجراء لقاءات ميدانية بحجم الأحداث الرياضية التي تغطيها.

كما كانت في كثير من الأحيان تشعر بالغرابة لدخول الملاعب الرياضية التي كانت حكرا على الرجال كملاعب كرة السلة واليد وكرة القدم، وهو ما كان أمرا صعبا في البداية لكن إيمانها بأهمية أداء رسالتها كان أحد أهم أسباب نجاحها كما زاد نجاح قطر في الحصول على فرصتها لاستضافة كأس العالم 2022 من عزيمتها وحماسها، إذ إنها تستمتع بالحراك الرياضي الذي تعيشه قطر في السنوات الأخيرة حيث يتوافد على مدار السنة أهم الرياضيين العالميين على غرار مارادونا وبيليه كما حدث في افتتاح أكاديمية أسباير، كل ذلك جعلها تجد متعة مضاعفة من هذا العمل وتتشجع على مواصلة المشوار لا سيما مع وجود أسرة إعلامية تحتضنها وتدعم نجاحها ودولة توفر سبل النجاح للمجتهدين وأصحاب المواهب.

كما فرضت طبيعة العمل الذي يتطلب ساعات عمل طويلة وسفر وتنقل دائمين المزيد من التحديات عليها، فكان من الصعب تحقيق التوازن بين الأسرة والعمل إذ إنها تضطر في الكثير من الأحيان للعمل لساعات متأخرة وحتى في المناسبات الدينية والاجتماعية حتى أنها لم تتمكن من الحضور لقضاء العيد مع أبنائها في إحدى المرات بسبب التزاماتها المهنية التي فرضت عليها التنقل خارج قطر لتغطية إحدى الفعاليات الرياضية العالمية المهمة.