ندى زيدان
دليل الشخصيات ←

ندى زيدان

جمعت بين التمريض وسباقات السرعة، ومثلت قطر بروح تنافسية لا تتوقف عند حدود المألوف.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 299–310

ندى زيدان أبو ندا، ممرضة ورياضية مثلت قطر دوليًا.

امرأة ليست ككل النساء صاحبة شخصية مميزة واستثنائية فهي مزيج مليء بالمفاجآت وحتى التناقضات والدها فلسطيني ووالدتها تركية، مثلت قطر في العديد من المحافل الرياضية الدولية، حياتها ذات وجهين وتكاد تعيش بشخصيتين مختلفتين بين الجندية في صفوف الجيش الأبيض التي تسخر جهدها ووقتها لخدمة وإنقاذ حياة المرضى والأم الحنونة من جهة أو الرياضية المغامرة الجريئة التي تمسك مقود السيارة بكل شجاعة لتنافس الرجال في مضمارهم، تربت في عائلة كبيرة وتحملت المسؤولية منذ نعومة أظفارها وقد تعمق حس المسؤولية بعد الانفصال لتكون المسؤولة الأولى عن تربية ابنتها الوحيدة

«عيون»، هذه المسؤولية لم تعرقل مسيرتها ولم تحبطها بل جعلتها أقوى وأكثر قدرة على مسابقة أحلامها والفوز في كل تحدٍ واجهته، فتخطت كل العقبات

وكسرت جميع الحواجز وحولت بفضل ذكائها وفطنتها أعداءها إلى أصدقاء ولحظات الانكسار إلى قوة وعزيمة.

الانتقال الدائم والتأقلم مع كل الظروف جزء من شخصيتها وهو نتاج مرحلة الطفولة التي انتقلت خلالها من بيئة إلى محيط ثان مختلف حيث ولدت في لبنان وقضت الثلاث سنوات الأولى من حياتها فيها ثم انتقلت مع أسرتها إلى الدوحة بعد أن حصل والدها على عرض عمل في الديوان الأميري القطري وقد تزامن سفر العائلة مع الحرب الأهلية في لبنان.

تفاصيل صغيرة

خاضت العديد من التجارب المليئة بالتفاصيل الصغيرة التي نحتت شخصيتها ورسمت ملامحها وحفرت كالنقش على الصخر في ذاكرتها ومن بين المواقف الغريبة أنها تعرضت للعقاب في المرحلة الابتدائية بسبب عدم قدرتها على فهم اللهجة الدارجة القطرية، حيث ظنت معلمتها أنها ترفض الانصياع للأوامر وتتعمد الإساءة لها، وهو ما جعلها في مراحل لاحقة من حياتها تندمج بشكل أسرع في المجتمع القطري وتحاول أن تكون أكثر فطنة مع كل المحيطين بها.

بساطة حياة الضيعة وسط المدينة

رغم أن والدتها سافرت إلى لبنان عندما كانت تبلغ من العمر 6 سنوات إلا أنها ظلت متأثرة بعادات مسقط رأسها «ماردين» بتركيا الأجواء الريفية وذكرياتها ومع جدتها والعمل المنزلي الريفي ولم تغيرها الحياة المدنية وبقيت تفتخر بأصولها وزرعت في أبنائها روح الافتخار بجذورهم وأصولهم وعلى القناعة والرضا وكانت تذكرهم بالنعم وأفضال الله عليهم وتقارن وضعهم بوضع العديد من الأطفال الذين يعانون من أهوال الحروب والجوع.

هذه التربية والمبادئ التي تربت عليها جعلتها تعتمد على نفسها وتجتهد وتتمكن من التوفيق بين العمل حيث كانت متأثرة بأمها التي تمكنت من تحمل مسؤولية البيت و 10 أبناء على أفضل وجه ولم تكن تشتكي ووازنت بين تربية أبنائها والقيام بأشغال البيت والتي تعتبرها رمزا للاجتهاد والكفاح وتحمل المسؤولية والمرأة المضحية التي تساند زوجها وتدعم أبناءها والقادرة على التأقلم مع كافة الظروف وتوفير بيئة متوازنة لأبنائها.

المراهقة وشخصيتها الغامضة

هادئة ورصينة تعيش في قوقعة أفكارها التي تتجاوز عمرها ومحيطها، محل ثقة عائلتها وعائلات أترابها تحيط بها هالة من الغموض بالنسبة لأصدقائها في فترة المراهقة، صاحبها شعور الغربة منذ الطفولة، ليست غربة المكان وإنما غربة الكيان، فلطالما شعرت بوجود حواجز تفصلها عن عائلتها وصديقاتها بسبب اختلاف تفكيرها عنهم حتى أنها كانت تشعر أنها تفصلها مسافات وبلدان عن أقرب الناس إليها الذين كانوا يعتقدون أنها غريبة الأطوار.

التمريض والتحدي الأول

أول التحديات التي واجهتها في حياتها كانت مع بداية حياتها العملية في مهنة التمريض التي كانت مليئة بالصعوبات لا سيما أنها كانت تدرس وتعمل في الوقت نفسه وقد بدأت في هذه المهنة منذ سن مبكرة وواجهت فيها العديد من المشاكل لكنها أحست أنها كانت موفقة في العمل أكثر من الحياة الدراسية وبعد سنة واحدة في غرفة العمليات تمكنت من العمل تحت إشراف أكبر الجراحين في أهم التخصصات وكانت تحظى بثقة كبيرة من المحيطين بها في العمل كما أنها كانت حريصة وجدية في عملها لكن هذا لم يجنبها المضايقة من بعض المسؤولين الذين كانوا يحاولون تعطيل مسيرتها وهو ما سبب لها الإحباط في فترة ما لا سيما أنها لم تحصل على الترقية التي كانت تطمح لها، بعد 10 سنوات اكتشفت أن المبادئ والقيم التي تعلمتها في المنزل بعيدة كل البعد عن المجال العملي ففي الوقت الذي كانت حريصة على الوفاء لمبادئها من صبر وهدوء واحترام والتزام وجدت أن المحيط لا يقدر هذه المبادئ ويعتبرونها خوفا وضعف شخصية وهو ما جعلها تقرر تغيير طباعها والوقوف في وجه من ظلمها والتصعيد وأظهرت للجميع مدى قوتها وقدرتها على الدفاع عن نفسها وبالفعل تمكنت من الحصول على مبتغاها، حتى أنهم أصبحوا يلقبونها بالدبلوماسية الصارمة.

عميدة الكلية والدراسة

في الجامعة كانت تواجه تحديا ثانيًا مع عميدة الكلية التي كانت تضع العوائق في طريقها وتسببت في فشلها في المادة التي كانت تدرسها وتجعلها ترسب رغم تميزها في بقية المواد التي تحصل فيها على علامة (أ) أو (ب) ورغم كونها متأكدة من حسن تقديم الاختبار إلا أنها تتفاجأ بالنتيجة المخيبة للآمال وحتى عند مواجهتها حول تقييم الاختبار كانت تقدم مبررات غير مقنعة حتى أنها خيرتها ذات مرة بين الدراسة والوظيفة لأن العمل يؤثر بشكل كبير على مستواها الدراسي وهو ما جعلها تتأكد من تعمدها مضايقتها، وقد شعرت بضغط وتوتر كبير لأن والدها كان قد فقد وظيفته في الديوان الأميري في تلك الفترة وأصبح موظفا في وزارة الإعلام وكانت مسؤولة عن مصاريف إخوتها في الجامعة وكانت في حاجة ماسة للوظيفة.

وفي نفس الوقت كانت ترفض رفضا تاما الاستغناء عن دراستها وقد وقف إلى جانبها صديقاتها في الجامعة بعد أن لاحظن تعمد العميدة مضايقتها واستفزازها ونصحوها برفع شكوى ضد العميدة والمطالبة بإعادة تقييم اختباراتها من قبل لجنة من الدكاترة إلا أنها كانت تحاول تجاوز هذه المرحلة بسلام ودون مشاكل أو مواجهات، وقد تسبب لها هذا الضغط النفسي وفي مشاكل صحية أدخلتها المستشفى.

الدكتورة والغدة الدرقية

سرعة البديهة ودقة الملاحظة والخبرة العملية في مجال التمريض ساعدها في تجاوز العديد من العراقيل التي كادت أن توقف طموحها لا سيما في الدراسة وتحديدا مع عميدة الكلية التي كانت تعاني من مشاكل في الغدة الدرقية لكنها تخشى إجراء عملية جراحية، فرغم الخلاف بينهما إلا أن حس المسؤولية والرغبة في المساعدة شجع على تجاوز الخلاف والوقوف إلى جانب الدكتورة التي تعمدت إحباطها ومضايقتها فقد وجهتها لأفضل الجراحين وحددت لها موعدا معه ورافقتها أثناء إجراء العملية، وهو ما قلب موازين هذه العلاقة التي تغيرت تماما بعد ذلك حتى أن الدكتورة أصبحت تعاملها معاملة مميزة عن بقية الطالبات وتمكنت من التخرج بمجموع متوسط، ورغم أن هذا المجموع لم يكن في مستوى آمالها وتوقعاتها ولم يمكنها من أي امتيازات أو تكريم إلا أنه ساعدها لتتقدم في مسيرتها العملية، وجعلها تحقق طموحاتها في مراحل لاحقة فقد تمكنت من جعل والدتها فخورة بها من خلال إنجازاتها كما حققت حلمها في لقاء سمو الشيخة الذي حرمت منه سابقا بسبب المعدل، وقابلتها من خلال إنجازاتها ومشاركاتها الرياضية.

الدبلوماسي وعملية القلب المفتوح

منذ بداية مسيرتها العملية في مجال التمريض حرصت على المهنية العالية والالتزام بالقوانين والتعليمات والحفاظ على صحة وحياة المرضى، إلا أن بعض المواقف الإنسانية التي تعرضت لها في إطار العمل جعلها تراجع قراراتها وخياراتها وتتجرأ على التمرد، فرغم أنه من غير المسموح بزيارة المرضى في غرفة الإقامة، إلا أن غريزة الأمومة والجانب الإنساني جعلها تقوم ببعض الاستثناءات إذ إنها سمحت لطفلين بزيارة والدهما في غرفة الإفاقة ليتمكنا من رؤيته للمرة الأخيرة في حياتهما، وهو تصرف لم تندم عليه لأن جانبها الإنساني والعاطفي تغلب على جانبها المهني حتى أنه غير نظرتها لبعض القوانين التي لا تكون دائما منصفة، وهذا ما تأكدت منه بعد أن وجدت نفسها بعد مرور عشر سنوات من هذه الحادثة في نفس موقف الطفلين بعد أن خضع أخوها لعملية جراحية، ولكن لحسن حظها أن القوانين قد تغيرت آنذاك وأصبح بإمكان أهل المريض زيارته في غرفة الإفاقة.

من القوس والسهم إلى المحافل الدولية

بدأت مسيرتها الرياضية في القوس والسهم عام 2001، ومثلت دولة قطر في المحافل المحلية والدولية بوصفها أول لاعبة في الخليج تمارس هذه الرياضة. وكانت أول مشاركة خارجية لها عام 2002 في البطولة الآسيوية في بوسان، حيث لفتت الأنظار رغم خبرتها البسيطة مقارنة بلاعبات كوريا والصين، وتوقع لها الحكام والمدربون الدوليون مستقبلًا بارزًا.

واجهت في البداية رفض فريق الرجال لوجود عنصر نسائي، وقضت ست سنوات تحاول بناء الثقة مع زملائها. ولم تكن الميزانية تشمل شراء سلاح لها، فاقترضت من البنك لتشتري سلاحها الخاص وتتدرب به قبل البطولة الآسيوية. وبعد انتشار اسمها محليًا ودوليًا، شجعتها لجنة المرأة ومسؤولون في الاتحاد الدولي على طلب بطاقة دعوة للمشاركة في الأولمبياد عبر اتحاد الرماية، لكن ذلك لم يتحقق.

تدربت في ميدان مفتوح صيفًا وشتاءً تحت تأثير الحر والبرد والرياح، وصممت زيًا يناسب المرأة العربية المسلمة ويتوافق مع قوانين الاتحاد الدولي. ورغم اعتراض إحدى الإداريات، حظي الزي بموافقة مديرة اللجنة، ثم أصبح معتمدًا للراميات بلون الأدعم.

رافقتها المدربة الصينية لي لينج في مشوار الرماية، وتجاوزتا عائق اللغة بالتواصل والتدريب. شاركت معها في بطولتين آسيويتين في بوسان وقطر، وحصلت كذلك على الميدالية الذهبية في مالطا.

كان التحدي الأصعب إصابتها في الكتف عام 2006، قبل البطولة الآسيوية في قطر بستة أشهر. شاركت رغم توصية الأطباء بالتوقف وإجراء عملية، ثم سافرت إلى باريس للعلاج على نفقة اللجنة الأولمبية، وأكملت علاجها في مستشفى سبيتار، حيث ساعدها اختصاصي نفسي رياضي على تجاوز الاكتئاب الذي صاحب الإصابة والابتعاد عن الرياضة.

أول متسابقة خليجية في الراليات

اقتحمت عالم الراليات بوصفها أول متسابقة في قطر والخليج تدخل هذا المجال، واستخدمت مقابلاتها الإعلامية لتصحيح الصورة التي تختزل المرأة العربية في الاضطهاد. كانت أول بطولة لها بطولة قطر الدولية، فاتحة بطولة الشرق الأوسط، بمشاركة ثلاثين سيارة لفرق الرجال وأربع سيارات لفرق النساء؛ وأنهت السباق في المركز السابع في الترتيب العام والمركز الأول بين فرق النساء.

احتاجت إلى جهة داعمة لتواصل بطولات الشرق الأوسط، وبعد محاولات عدة قادتها مصادفة في معرض رياضي إلى التواصل مع شركات السلام. دعمها حسن أبو عيسى وعيسى أبو عيسى لمدة عامين، وساعدتها الشركة على التسويق محليًا وخارجيًا، والتدرب على التعامل مع الإعلام والجمهور، وتطوير لغتها الإنجليزية.

ساندتها عائلتها بعد أن تجاوزت مخاوفها الأولى من خطورة سباق السيارات، كما وفر لها اتحاد السيارات الدعم اللوجستي. وانضمت لاحقًا إلى الفريق القطري المكون من خمسة متسابقين للمشاركة في بطولات الشرق الأوسط، مؤكدة أن ما حققته جاء من سعيها الشخصي إلى الجهات الداعمة ومساندة الاتحاد.

حرصت في مشاركاتها على احترام العادات والتقاليد، ورأت الرياضيين سفراء لبلدانهم. وواجهت الانتقادات التي ربطت الرياضة بفقدان الأنوثة، فأثبتت أن ممارسة الراليات والتايكواندو وركوب الخيل والسباحة لا تتعارض مع حضور المرأة وهويتها.

الزواج والأمومة

اختارت الابتعاد عن الأضواء والساحة الرياضية في السنوات الأخيرة بسبب زواجها من فنان مشهور وإنجابها لابنتها عيون وتحمل مسؤوليات الأمومة التي أخذت من وقتها لكنها لم تتخل عن شغفها بل أجلته لترجع له بحماس أكبر.

انفصال يعيد ترتيب الحياة

كانت تجربة الزواج مهمة في حياتها وهي تجربة لم تخل من التحديات بسبب اختلاف البيئة، حيث انتقلت من قطر لتعيش مع زوجها في ضيعته وسط أسرته، وقد كانت الحياة تسير بينهما على أفضل وجه ولا ينغصها سوى كثرة الشائعات التي تتداولها الصحافة الصفراء بين الحين والآخر حول توتر العلاقة بينهما أو انفصالهما، وكانت علاقتها طيبة بالجميع، لكن بعد أن أعلنت حملها انقلبت الموازين وسقطت الأقنعة واكتشفت أنها كانت تعيش كذبة وأن الكثير من المحيطين بها يضمرون عكس ما يظهرون حيث كانوا يظهرون لها الحب في حين أنهم يحاولون التسبب لها في الضرر، وهو ما جعلها تقرر الانسحاب من هذا المحيط الذي اعتبرته مسموما وغير مناسب لتربية ابنتها وقد طلبت الطلاق سنة 2017 لتتمكن من التركيز على تربية ابنتها تربية متوازنة وسوية بعيدا عن الأجواء المشحونة، ورغم الطلاق إلا أن علاقة احترام وود تجمعها بوالد ابنتها الذي عاشت معه أياما جميلة وقصة حب كبيرة إضافة إلى إعجابها الكبير بشخصيته المميزة التي انبهرت بها منذ اللقاء الأول.