

نورة الكعبي
وجدت في الإعلام مساحة لإعادة بناء حياتها، وحولت الألم إلى كلمة ورسالة وقرب من المجتمع.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 317–324
نورة راشد سنافي الكعبي، إعلامية وكاتبة قطرية وموظفة في قسم العلاقات العامة بتلفزيون قطر.
بدأت مسيرتها بخطوات مرتعشة، بين الضياع والتشتت والصراع، لكنها وجدت طريقها لتكتب اسمها بالخط العريض في قائمة أبرز الإعلاميات في دولة قطر، واجهت التحديات على كافة المستويات وفي كل المراحل، من مرحلة الجامعة واختيار التخصص ثم الحياة الزوجية وانتكاساتها التي انتهت بانفصال مرير وأربعة أبناء وصولا إلى الحياة المهنية التي بدأتها بالتردد والخوف، لكنها في كل مرة ومع كل مرحلة كانت تجمع شتات نفسها وتستجمع قوتها لتواصل طريقها بثبات، وتحول الألم إلى نبض كلمات عبر كتابة الخواطر بعنوان «خواطر سنافية» حتى وصلت في نهاية المطاف إلى مرادها، لتصبح صاحبة الـ36 سنة موظفة في قسم العلاقات العامة بتلفزيون قطر بعد رحلة طويلة من الجزر والمد ومن لحظات السعادة والانكسار، حولت الضعف إلى قوة وصنعت لنفسها نافذة تطل على الأمل والنجاح، وتحدت نظرة المجتمع وكسرت قيوده، رفضت التنازل عن مبادئها وتمسكت بالنقاب الذي أصبح يمثل جزء من شخصيتها المميزة ونجحت في تغيير الأفكار الاجتماعية والصور النمطية للمرأة المنقبة لتوصل رسالتها للعالم بأن النقاب والتدين ليس حاجزا ولا مانعا للنجاح، وأنه «ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا».
الأم تغرس حب التعليم
فاقد الشيء في بعض الحالات يعطي بغزارة، فرغم أن والدي لم يحظيا بالتعليم ولم يدخلا يوما المدرسة فإنهما كانا حريصين أشد الحرص على تعليم أبنائهما ليحصلوا على العلم والمكانة التي حرما منها، لا سيما أن والدتها هندية الجنسية التي لم تكن تكتفي بنجاح أبنائها بل تسعى لتميزهم، حيث كانت تطمح أن ينهي جميع أبنائها تعليمهم العالي أسوة بأبناء زوجها من الزوجة الأولى الذين نجح بعضهم في الحصول على شهادات عليا ذات قيمة وفي اختصاصات مهمة من جامعات في الخارج.
لم تقصر والدتها يوما في الوقوف إلى جانبها وتحفيزها وزرعت فيها حب العلم والرغبة في البروز والتميز وكانت تحثها على التفوق والاجتهاد، رغم أنها كانت عنيدة وترفض الانصياع في بعض الأحيان إلى أوامرها إلا أنها سرعان ما تعود إلى رشدها لأنها تعرف أن أمها على حق وأنها لا غاية لها سوى مصلحة ابنتها.
صاحبة مواهب متعددة
من أهم أسرار نجاحها تعدد مواهبها، فإلى جانب قدرتها الكبيرة على تحليل أحداث الأفلام والمسلسلات والتنبؤ بنهاياتها فهي مقدمة عروض بارعة حتى إنها كانت تجهز لعروض الرقص والغناء التي تقدمها في المناسبات العائلية وتتمرن عليها لتقديمها مع أصدقائها، كما أنها وقعت في حب الكاميرا والتصوير منذ الصغر وحرصت على الاحتفاظ بالذكريات الجميلة ليس فقط في ذاكرتها بل في الصور التي تنعش المشاعر وتخلد اللحظات الجميلة وهذا العشق للصور والذكريات ورثته عن أمها، التي كانت تلتقط مجموعة كبيرة من الصور في كل مناسبة وترسلها إلى إخوتها في الهند.
وفي مرحلة الثانوية أصبحت مهتمة بالموضة فكانت تتظاهر مع إخوتها بتقديم عروض أزياء وتقوم بتسجيلها فيديو، وكانت تتعمد تغيير زوايا الكاميرا لإضفاء الحياة على الفيديو وجعله مشوقا، وهذه كانت بداية عشقها لأجواء التصوير وكواليس العروض المصورة إلى أن أنهت المرحلة الثانوية وأصبحت تطمح للدخول للجامعة وجعل والدتها فخورة فيها، وقد لقيت الدعم والتشجيع منها.
فقه وأصول دين
أول العقبات والتحديات في طريقها كان التخصص في الدراسة الجامعية حيث لم يمكنها مجموعها من التخصص في الخدمة الاجتماعية وعلم الاجتماع أو الإعلام الذي كان يستهويها وهو ما جعلها تشعر بالحزن، كالعادة وجدت والدتها إلى جانبها تشجعها وتشد على يديها لإكمال التعليم الجامعي، فتخصصت في الفقه وأصول الدين مجبرة، لكنها في الوقت نفسه لم تيأس وواصلت محاولة تغيير الاختصاص، ولحسن حظها صدر قرار في تلك الآونة من إدارة الجامعة يمكنها من تغيير التخصص بشرط رفع النسبة خلال الكورس الأول والثاني الذي يعتبر كورس تأسيسي، فاستغلت هذه الفرصة التي أتيحت لها على طبق من ذهب حيث كان هذا القرار منقذا وفرصة لا بد من اغتنامها، وفعلا تمكنت من رفع معدلها والحصول على العلامات المطلوبة وتغيير تخصصها.
التلفزيون يفتح الباب
لحسن حظها جاءها رد من التلفزيون وهي الجهة الحكومية الوحيدة التي كانت متاحة لها، ولأول مرة ولأسباب غير معلومة وجدت التأييد من زوجها وهو ما شجعها على قبول الوظيفة.
سنحت لها الفرصة للدخول إلى قسم البرامج للتدريب في برنامج «صباح الدوحة»، وهو برنامج صباحي لم يكن له منتج. وساعدها مخرج الدراما علي الحمادي بعد أن سمع حديثها مصادفة مع المعد، فتوجه إلى مدير قسم البرامج وطلب نقلها للعمل مع تيسير عبد الله. انتقلت بالفعل إلى برنامج «الدار»، وهو برنامج مسائي كان يعده الإعلامي والكاتب تيسير عبد الله.
الانطلاقة الفعلية في مجال الإعلام
كانت هذه المرحلة البداية الفعلية في مجال الإعداد، وتمكنت من طرح أفكارها واختيار الضيوف والمواضيع، حتى أنها كانت تختار الأماكن التي يتم التصوير فيها وتخاطب الجهات الرسمية واستمر علي الحمادي في دعمها ومساندتها في مسيرتها كذلك تيسير عبدالله الذي منحها الفرصة وآمن بقدراتها وهو ما منحها ثقة كبيرة وأصبحت قادرة على التواصل مع المذيع وتوجيهه وتعديل وتغيير الأسئلة، لكن بقي التحدي أمامها إجراء الزيارات الميدانية التي كانت تحبها.
تراجع وعودة من جديد
توقف موظفو التلفزيون عن العمل لفترة من الزمن بسبب التغييرات التي حصلت في التلفزيون، حيث جاءت لجنة جديدة وهي لجنة تطوير التلفزيون وفرضوا آلية جديدة وفريق عمل جديد، لم يكن لدى الفريق القديم أي مهام أو عمل وكانوا يذهبون لمجرد تسجيل الدخول استغلت فترة هذا السكون والفراغ في العمل وحصلت على عدة دورات تدريبية في مركز الجزيرة للتدريب في الإعداد والإنتاج والإخراج التلفزيوني لتستفيد من هذه الفترة في الحصول على شهادات، بعد ذلك طلبت لجنة التطوير مساعدة بعض الموظفين القدامى للعمل في التلفزيون الجديد لأنها كانت بحاجة لموظفين إضافيين، وشعرت بالسعادة بالعودة للعمل الذي أحبته بنمط جديد ومختلف وكان هذا بالنسبة لها تحد جديد، خلال هذه السنة التي عاش فيه التلفزيون نقلة نوعية كانت أمامها العديد من التحديات لا سيما أنها كانت غير مستقرة في حياتها الزوجية، حيث اكتشفت أن الغاية من سماح زوجها لها بالعمل لم تكن لمصلحتها أبدا.
النقاب في الميدان
كان البعض يستغرب من رغبتها في العمل الميداني لأنها منقبة، إلا أن ذلك لم يعقها لأنها ترى أن النقاب لا يتعارض مع العمل الميداني. تحقق حلمها في هذا الجانب، لكن كثرة الانتقادات أعادتها إلى حالة من الارتباك والتشوش بالتزامن مع احتدام الأوضاع في المنزل.
رغم التحديات، أصرت على تحقيق حلمها والتمسك بنقابها، ولا سيما بعدما بدأ الناس يعرفون اسمها من دون الحاجة إلى رؤية وجهها.
حياة جديدة: أمل من رحم الألم
من هنا بدأت مرحلة تغير كبير في حياتها لا سيما أنه أول انكسار وأول صدمة في حياتها كانت خيبة كبيرة جعلتها تتغير كثيرًا، أول قراراتها كانت الاعتماد على نفسها في كل شيء في حياتها، وجدت نفسها في هذه المرحلة بين خيارين إما أن تستسلم للألم والاكتئاب وتتقوقع على نفسها وتحيا بذكرياتها الحزينة وخيباتها، أو أن تجمع شتات نفسها وتجعل نفسها امرأة أقوى قادرة على المضي قدما ومواصلة الطريق بعزيمة وإصرار على النجاح وإنهاء زمن التنازلات، وفعلا نجحت في احتواء حزنها وغضبها واستوعبت في النهاية أن الحياة يجب أن تستمر رغم الانكسارات، وأنه لا بد أن تتأقلم مع طبيعة حياتها الجديدة وتحول الألم إلى شرارة أمل تنير طريقها، تغيرت الأولويات في حياتها وأصبحت تضع نفسها في أعلى قائمة الأوليات وهو ما جعلها ترى الحياة بمنظور جديد ومن زاوية مختلفة، بدأت ترى الحياة أكثر جمالا وصار تقديرها لنفسها عاليا وخاضت تجربة جديدة وهي حب نفسها، لأنها لم تكن تحب نفسها بالقدر الكافي بسبب انشغالها في محاولة إرضاء زوجها وإسعاده، هذه الصفعة في حياتها كانت الضارة النافعة وجعلتها تعيد النظر في كل شيء في حياتها وعادت لممارسة الأشياء التي تحبها، جددت نفسها وعادت للعمل بنفس جديد وطاقة هائلة، ومن تحديات في تلك الفترة أيضًا تقديم دورات في العلاقات العامة وقامت بتخريج قرابة 100 طالب من مؤسسة وشركة سكاي كلايمرز كما قدمت دورات في الكثير من المراكز الشبابية.
رسالة تتجاوز الشاشة
في الآونة الأخيرة جعلت حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي عامة وتم تداول صورها وتعرضت في بعض الأحيان لهجوم بسبب هذه الصور واتهمها البعض بتشويه سمعة المنقبات، وكانت تدافع عن حقوقها وحقوق المنقبات، كانت ترد على جميع التعليقات وحتى الجارحة منها برحابة صدر لأنها عازمة على إحداث تغيير إيجابي، وكانت رسالتها تغيير فكر مجتمع وكان هذا تحدي، ومن الطبيعي وجود معارضين، دافعت عن موقفها ووجهة نظرها، لا سيما أنها مقتنعة تمام الاقتناع بموقفها، أجابت عن كل تساؤل يطرحه المتابعون وتمكنت من إقناع بعض المهاجمين أن النقاب ليس حاجزا أمام النجاح، وفي الفترة الأخيرة تمكنت من التعريف بنفسها وفرض شخصيتها وتمكنت من إثبات أن النقاب جزء من شخصيتها ولعله سبب تميزها، وصلت لمرحلة من الشهرة وحب الناس حتى أن الناس يعرفونها بالإعلامية المنقبة.