ميادة عبده
دليل الشخصيات ←

ميادة عبده

إعلامية جعلت الاختلاف مصدر قوة، وواجهت القوالب النمطية بالكفاءة والحضور والثقة.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 287–292

ميادة عبده، إعلامية سودانية في قناة الجزيرة الإخبارية، وأول إعلامية سودانية تعمل فيها.

شابة ثلاثينية، سودانية الأصل، طرابلسية المولد، وقطرية القلب والروح، تملكها شغف الإعلام فصار هواها وهويتها، فرضت حضورها وأثبتت ذاتها وأكدت للعالم أن الاختلاف أصل التميز، وأن الكفاءة والاجتهاد طريق النجاح، حاربت الصور النمطية وكسرت القوالب الجاهزة وتحدت العنصرية وفرضت التغيير نحو احترام التنوع وأن لا يكون معيار النجاح لون البشرة، فسطع نجمها وسط قامات الإعلام في قطر، نشأت وترعرعت في ليبيا حتى حصلت على ماجستير في تخصص الإعلام، تميزت طيلة مسيرتها الدراسية فكانت الأولى على دفعتها معظم سنوات الدراسة وصولا إلى الماجستير، عبرت العديد من المحطات بسرعة وسلاسة بين ليبيا والسودان ودبي ولندن لتحط بعد ذلك الرحال في قناة الجزيرة الإخبارية في قطر وتشق طريقها بثبات وعزم، صاحبة مبدأ لا يتزحزح وروح صامدة مناضلة لا تقهر، جمعت كل الحجارة التي تعثرت بها وبنت بها سلما صعدت به نحو النجاح لتكون أول إعلامية سودانية بالجزيرة وإحدى أهم الإعلاميات العربية.

شغف العلم

لم تكن سنوات الدراسة مجرد محطات لاكتساب المعرفة وتحصيل العلم بالنسبة للأستاذة بل كانت فرصة لممارسة شغفها وتطوير ذاتها لا سيما المرحلة الجامعية التي كانت من أجمل مراحل حياتها، حيث أشبعت نهمها للمعرفة ومارست شغفها الأكبر في تعلم كل شيء ممكن عن الإعلام الذي عشقته ومارسته بحتة، قبل أن تصل المرحلة الجامعية، وهو ما جعل هذه المرحلة موفقة جدًا والتي تكللت بالماجستير، وقد ساعدها تفوقها على خوض تجربة التدريس الجامعي كمعيدة لفترة وجيزة، ورغم شغفها وحبها لمجال تخصصها إلا أنه لم يكن من السهل عليها أن تحقق التفوق الأكاديمي بالتزامن مع العمل وقد ساهمت هذه التجربة في نضوج شخصيتها بشكل مبكر.

المسيرة المهنية

منذ بداية مسيرتها المهنية وحتى الدراسية انصب تركيز واهتمام على الإعلام السياسي حيث كانت تتابع الأخبار السياسية باستمرار على الراديو منذ نعومة أظفارها، طفلة تصدرت خلال المراحل الأولى من تعليمها الإذاعة المدرسية والأنشطة الإعلامية وبدأت في عمر 17 سنة مشوارها كمذيعة عام 2000 وتدرجت في برامج متنوعة وصولا إلى نشرات الأخبار وفي عام 2005 كان الظهور الأول لها كمذيعة تلفزيونية في برنامج ثقافي منوع ومن ثم الإطلالة الأولى في ذات العام في نشرات الأخبار والبرامج السياسية ومنذ البدايات عملت أيضًا في الإعداد البرامجي والعمل الصحافي.

محطات متنوعة

رغم أنها ما زالت في مقتبل العمر إلا أن تجربتها الإعلامية كانت ثرية وكثيفة ومتنوعة، حيث عملت في أكثر من مؤسسة إعلامية بداية من إذاعة طرابلس المحلية ثم إذاعة الجماهيرية ثم تلفزيون الجماهيرية الرسمي والقنوات الليبية والمنوعة والشبابية شبه الخاصة وقناة الشروق السودانية، وفي سنة 2012 انتقلت إلى دبي ثم الشرقية العراقية من لندن، وكانت آخر المحطات وأهمها قناة الجزيرة من الدوحة التي التحقت بها سنة 2014.

وخلال مختلف المحطات تعاملت مع العديد من القضايا والمواضيع السياسية والإنسانية وحتى اجتماعية وفنية وغيرها من القضايا، أما على صعيد التغطيات الخاصة فمن أبرز الأحداث كانت تغطية الحرب على غزة في 2008 والانتخابات العراقية في 2014 والتفجيرات الإرهابية في بروكسل 2016 ومحاولة الانقلاب في تركيا واغتيال الصحافي جمال خاشقجي، والثورة السودانية 2019 وغيرها الكثير من الأحداث التي هزت العالم العربي وسجلت في تاريخه.

لحظات لا تنسى

الكثير من اللحظات التي خلدت في ذاكرتها، وصنعت حاضرها وما زالت ترافقها منذ أول مرة صدح فيها صوتها عبر الأثير، وأول لحظة ظهرت فيها على شاشة التليفزيون، وأول نشرة رئيسية، وأول تغطية حية اضطلعت بها، وأول مهمة خارجية، وأول مرة اغتربت فيها وحيدة، كما نقشت معظم تغطيات الأحداث الكبرى في ذاكرتها لا سيما حادثة عزل الرئيس البشير ولحظة دخولها ميدان اعتصام القيادة العامة في السودان لتغطية الحدث.

تحديات وعقبات

الإعلام بالنسبة لها كان أمنية وقرارا وسعيا لم يخل من التحديات والعقبات والكفاح فلم تكن الظروف دائمًا لجانبها ولطالما وضعتها في المواجهة لإثبات الذات، فعندما دخلت مجال الإعلام كانت في عمر صغير جدًا مقارنة بمن انضمت لهم من المخضرمين في المهنة، فوجدت من يربت على كتفها ووجدت أيضًا من يحاول دفعها خارج المكان، وهو ما فرض عليها تحدي إثبات نفسها وتغيير الانطباع الذي تركه صغر سنها ببذل أقصى الطاقات والتسلح بكل أدوات المهنة لتتمكن من المنافسة بل وتحقيق النجاح والاستمرارية، وعندما انتقلت للعمل على شاشات التلفزيون كان عدد السمراوات في الإعلام العربي محدودا جدًا حيث كان هناك صورة نمطية لشكل المذيعة لا يعترف بالتنوع ولطالما سمعت كلمات الإحباط حتى أن البعض حاول إقناعها بأن فرصها ضئيلة في المجال الإعلامي، لأن معظم القنوات لا ترغب بمذيعة سمراء على شاشتها، هذا الأمر شكل بالنسبة لها دافعا إضافيا لفرض التغيير نحو احترام التنوع، وأن لا يكون المعيار لون البشرة وللإضاءة على شكل من أشكال العنصرية في مجتمعاتنا…

كذلك من ضمن التحديات التي واجهتها في مجال الإعلام اللوبيات التي يلجأ لها «البعض» لتكون مجموعة ضغط ووسيلة حماية في ذات الوقت، وهو ما كانت ترفضه رفضا قاطعا وتحملت مسؤولية خياراتها مع إدراكها التام أنها تتخلى بذلك عن الحماية متمسكة بقناعتها بأن ما يدافع عنها ويقويها ويحميها هي مهنيتها فقط، أما خارج حرم المؤسسات الإعلامية فواجهت أعداء الرسالة ممن يخافون أن تعرف الحقيقة أن تنتصر لقضية حيث حاولوا استهدافها عدة مرات، حتى أنه في إحدى التغطيات الميدانية لحدث مهم تعرضت لعرقلة التصوير ورسائل التهديد وصل إلى حد الهجوم أثناء العمل، لكنها تمكنت من تجاوز الأمر وأكملت المهمة.

خلال كافة التغطيات الميدانية لا سيما في البلدان التي تشهد توترا تقصد عملها وهي واعية بأنها يمكن أن تخسر حياتها أثناء القيام بواجبها، لذلك تحرص على اتخاذ القرار الأسلم وعلى أن تكون جاهزة لكل الخيارات، وأن تتحلى بقدر هائل من الصبر لا سيما عند مواجهة المواقف والتجارب الإنسانية المريرة.

في مواجهة الواقع

اتخذت قرار دخول معترك هذا المجال المعقد في عمر صغير جدًا ولم تكن مدركة لما سيواجهها حيث غابت عن مخيلتها الغضة الكثير من التفاصيل، فواقع الحال مختلف تمام الاختلاف عن التصور الكروكي الذي رسمته في مخيلتها، فقد اكتشفت بعد فترة قصيرة من دخول المجال الإعلامي أنه مزيج بين كل التناقضات، ولكي تستطيع أن تعيش تناقضاته لا بد أن تحبه وأن تتقبل أن المحبين والكارهين يتسابقون فيه لتحطيم أرقامك القياسية، فنظرا لكون المجال الإعلامي يرتبط بالظهور على وسائل جماهيرية فبطبيعة الحال يجذب هذا فئة محبي الشهرة الذين لا تنطبق على بعضهم معايير المهنة ولا تعنيهم رسالتها، وقد اصطدمت في محطات مختلفة من مسيرتها ببعض النماذج وصارعت للصمود وعدم الانجرار لسطحيتهم، بل ومواجهتهم بتقديم النموذج الحقيقي للمهنة وهذا ما عرضها في كثير من الأحيان لظلم من أصحاب القرار ممن يفتحون الباب ويهينون الفرص ويقدمون الدعم له، فكل هذه العقبات والتحديات لم تنل من عزمها وإصرارها بل جعلتها أقوى وجعلت انتصاراتها حقيقية ومستحقة ويصعب محوه.

تؤمن أن العمل الإعلامي ليس مجرد أوراق تقرأ ولا أسئلة تطرح، وليست قطعًا مجرد ماكياج وأزياء وشهرة، فكل خبر هو إنسان وكل حدث هو قضية تستحق العطاء غير ممنون فهي مهنة الالتزام الأخلاقي في ملامح من الحياة الأولى الميلاد والمكان.