

منى المسلماني
طبيبة وقيادية جعلت خدمة المرضى والوطن محور مسيرتها، وواجهت الأزمات بروح الفريق والمسؤولية.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 271–280
سعادة الدكتورة منى بنت عبد الرحمن بن سنان المسلماني، عضو في مجلس الشورى، واستشارية أولى في الأمراض المعدية بمؤسسة حمد الطبية، والمديرة الطبية لمركز الأمراض الانتقالية.
بدأت مسيرتها وسط صعوبات كثيرة، لكنها توالت عليها النجاحات بفضل مسؤوليتها وإيمانها بروح الفريق وشغفها بمساعدة الآخرين. أحبت عملها واجتهدت فيه، فنالت ثقة المسؤولين والمرضى وحققت حلم والدها الذي رحل قبل أن يراها طبيبة بالزي الأبيض. كما ردت لوالدتها بعض جميل رعايتها لأبنائها، فكانت لها سندًا وصمام أمان. كرست وقتها وجهدها لخدمة وطنها، وعاشت محطات جمعت الفقد والإنجاز والمسؤولية والعطاء من دون انتظار مقابل. تخرجت في كلية الطب بجامعة الملك فيصل في الدمام، ثم عادت إلى قطر تحمل شهادة سخرتها لخدمة المرضى، وقدمت نموذجًا للمرأة القطرية التي تعمل بصمت وهدوء وتضع الواجب والعائلة والوطن في مقدمة أولوياتها.
مرارة الفقد
ذاقت مرارة الفقد في سن صغيرة جدًا، فقد رحل والدها – رحمه الله – عندما كانت في السابعة من عمرها، حتى أنها لم تكن مدركة لعمق غياب الأب، الذي ما زالت ملامحه ترتسم في مخيلتها، فقد كان منبع الحنان، ورمز العطاء، والاهتمام فكان يقوم بتضفير شعرها ثم أخذها إلى المدرسة، ومنذ لحظة رحيله تحملت أمها مسؤولية الأم والأب في آن واحد، وأصبحت هي كل شيء في حياة أبنائها، الذين لم يتجاوز سن أكبرهم الثامنة عشرة.
رد الجميل
صار وجه أمها حاضرًا في كل اللحظات، وفي كل الأزمات، وكذلك في كل التكريمات المدرسية والاحتفالات، وهو ما شكل لديها الوعي بالمسؤولية، وأصبح هاجسها الأكبر إدخال السرور على قلب أمها، التي ترملت في ريعان شبابها، ولم تكن قد بلغت الثانية والثلاثين عامًا، وكانت وسيلتها التفوق الدراسي والاعتماد على الذات في المذاكرة، وقد تشكلت لديها في تلك الفترة ميول إلى الطب، وأخذت تكبر شيئًا فشيئًا كلما اقترب وقت الحصول على الثانوية العامة.
الشغف وملاحقة الحلم
عندما كانت طفلة، كانت دائمًا تتطلع لأن تصبح طبيبة، وذلك لأن والدها – رحمه الله – كان يطمح أن يكون أحد من أولاده طبيبا، ولكن للأسف كانت ميولهم مختلفة، وكانت تأمل أن تحقق حلمه، لا سيما أنها كانت تحب مساعدة الناس، حتى على حساب راحتها ووقتها.
بعد وفاة والدها بعشر سنوات، حصلت على الثانوية العامة بتفوق، لكن دراسة الطب لم تكن متاحة في قطر في ذلك الوقت، وهو ما جعلها تدخل في معركة الدفاع عن أول قرار مصيري اتخذته بينما لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، ووجدت نفسها تدافع عن هذا الطموح بصمت وهدوء، خوفا عليه من الضياع على أعتاب المرفوض والعيب، حيث رفض شقيقها الأكبر فكرة سفرها للدراسة في الخارج من منطلق خوفه عليها، لأنه كان بمثابة الأب بالنسبة لها، لا سيما أنه لم يسبق لأي من أخواتها السفر للدراسة في الخارج، لكنها أصرت على ملاحقة طموحها، وحلم فقيدها لتكون الفتاة الأولى في محيط عائلتها التي تتمرد على قواعد المجتمع وتصر على قرارها، وسافرت بالفعل للدراسة إلى السعودية.
السفر: التحدي الأصعب
كان السفر المغامرة الأولى والتحدي الأصعب في حياة الشابة التي لم يسبق لها أن فارقت عائلتها، لا سيما أنها كانت خجولة وشديدة الارتباط بأمها – رحمها الله – وبأخواتها، حتى أنها في كثير من اللحظات فكرت في العدول عن إكمال الدراسة، خاصة خلال الإجازة على مدار السنين، وفضلت على طبعها الانطوائي والخجول، وكان التكيف مع تفاصيل الحياة اليومية بعيدا عن أهلها أمرا في غاية الصعوبة بالنسبة لها.
الغربة تختبر إصرار الطبيبة
واجهت العديد من الصعوبات والتحديات، بدأت من مرحلة الدراسة الجامعية، حيث مثل طبعها الخجول أول عائق بالنسبة لها، كما أن إحساس الغربة والبعد عن أهلها ظل مرافقا لها طيلة فترة دراستها، فلم تتمكن من التعود على بعد عائلتها، وترك أصدقائها المقربين فمعظم رفيقاتها لم يتمكن من احتمال الأوضاع وقررن الانقطاع عن الدراسة وعدن إلى أرض الوطن بعدما عجزن عن تحمل المحيط، وسكن الطالبات، وفضلا عن صعوبة الدراسة نفسها، لكن شعورها بالمسؤولية تجاه قرارها وتجاه حلمها ودعم عائلتها لها كان يمدها بطاقة التحمل من أجل إكمال دراستها، وإكمال الطريق الذي بدأته.
العودة إلى أرض الوطن وتحديات العمل
لم تنته التحديات بالنسبة لها بعد تخرجها وتحقيق أول طموحاتها والعودة إلى أرض الوطن، ففور عودتها سنة 1997 بدأت تجربة العمل في قطاع الطب، وكان مسماها «طبيب مقيم» يفرض عليها مجموعة من المهام تتوزع ما بين التدريب والدراسة والتقدم للاختبارات، إلى أن حصلت على درجة التخصص في «الأمراض الباطنية» بعد أربع سنوات من الجد والاجتهاد ليلا ونهارا.
بدأت بعدها السير بخطى متسارعة وثابتة في طريق النجاح، بعد أن أثبتت كفاءتها والتزامها. ففي مرحلة التخصص أسند إليها أول منصب إداري طبي في حياتها العملية وهو «كبير الأطباء المقيمين» في عام 2002 وكانت مهمتها ودورها أكبر من مجرد توزيع المناوبات على الأطباء المقيمين، بل كانت مسؤولة عن سير العمل، وتقديم وتحسين خدمات الرعاية الصحية للمرضى السريريين، ومرضى العيادات الخارجية، وخلال هذه التجربة انفتح أمامها عالم كامل مليء بالمواقف الإنسانية التي جعلتها تكتشف جانبا غير معروف من حياة الأطباء، ظروفهم العائلية، مرض أبنائهم، تفاصيل دقيقة في حياتهم، لحظات مؤثرة مرت عليهم…
كلها كانت تحدث على مقربة منها نظرًا لموقعها في ذلك الوقت، حيث صارت قراراتها تؤثر في حياتهم بشكل كبير، وكانت تشاركهم أحيانا كثيرة وقائع حياتهم اليومية، لذا كثيرًا ما كانت تجد نفسها تقضي مناوبة ليلية نيابة عن أحدهم ممن دفعتهم الظروف للاعتذار، أو الغياب لظرف أو لآخر، هذا المنصب الذي شغلته لمدة أربع سنوات، عزز أحد أهم مبادئها في العمل وهي العمل بروح الفريق والمسؤولية.
التخصص في الأمراض المعدية
في سنة 2002 كان عليها اختيار تخصص طبي محدد في الأمراض الباطنية، فقررت بتوجيه من زملائها الأكثر خبرة في المجال التخصص في الأمراض المعدية وهو تخصص دقيق ومتشعب، لكن أخذت بنصيحة كبار الأطباء من زملائها، ودخلت الزمالة الإكلينيكية في الأمراض المعدية، وقضت أربع سنوات أخرى في هذا المجال للتدريب والدراسة والعمل المتواصل بجانب المنصب الإداري وهو «كبير الأطباء المقيمين».
في سنة 2005 وخلال السنة الأخيرة من الزمالة الإكلينيكية في الأمراض المعدية سافرت إلى الولايات المتحدة للحصول على الزمالة الإكلينيكية في الأمراض المعدية، وتحديدا في الأمراض المعدية بزراعة الأعضاء وزراعة النخاع، وكانت تلك المرحلة تتطلب منها إعداد الكثير من البحوث الأكاديمية.
خطوة جديدة
خلال هذه المرحلة التحدي الأكبر بالنسبة لها كان ترك والدتها، وهي بأمس الحاجة إليها بحكم أنها كانت المسؤولة عنها من الناحية الطبية، ولكن والدتها كالعادة وضعت نجاح ابنتها قبل كل الاعتبارات، وشجعتها على مواصلة طريق النجاح، وبعد أربع سنوات حصلت على هذه الزمالة وعلى مسمى «استشاري أمراض معدية» عام 2006 وفي نفس الوقت تم تعيينها بمنصب جديد «مساعد رئيس إدارة الباطنية» بمؤسسة حمد الطبية لمدة سبع سنوات من عام 2006 إلى أغسطس عام 2012 وبعدها أصبحت «رئيس إدارة الباطنية» بمؤسسة حمد الطبية بالوكالة إلى نهاية عام 2012.
نجاحات متتالية
قوة شخصيتها وكفاءتها العالية أهلتها لنيل ثقة المسؤولين فعندما كانت «مساعدا لرئيس إدارة الباطنية» تمتعت بالكثير من الصلاحيات ومن بينها صلاحيات «رئيس الإدارة»، وفي عام 2010 تم تعيينها «مديرا لبرنامج الزمالة الإكلينيكية للأمراض المعدية» بمؤسسة حمد الطبية، وهي ما زالت تشغل هذا المنصب إلى الآن وكذلك تم تعيينها «رئيسا للجنة البحوث الطبية» و «نائبا لرئيس مركز البحوث الطبية» بمؤسسة حمد الطبية في نفس العام، وفي عام 2013 تم إعطاؤها منصب «رئيس قسم الجودة وسلامة المرضى بإدارة الباطنية» وما زالت تشغله.
صمام الأمان لعائلتها
بالتزامن مع كل هذه المسؤوليات والمناصب الإدارية والإكلينيكية كان هناك تحدٍ آخر وهو العناية بوالدتها التي بدأ المرض يظهر عليها في بداية 2010 حيث رافقتها في رحلات العلاج خارج البلاد، وكانت معها خلال علاجها في أرض الوطن وخروجها من المستشفى بعد ستة أشهر، وهي على الجهاز التنفسي، وكانت صمام الأمان بالنسبة لها، ومع أنها كانت «مساعدا لرئيس إدارة الباطنية» بمؤسسة حمد الطبية كانت تحرص على ألا تحظى بأي امتيازات مقارنة بأي شخص لديه مريض في العناية المركزة فقد كانت تنام على الأرض لعدم وجود كراسي في العناية وذلك لحماية المرضى من انتقال العدوى وكانت ترافق والدتها بعد ساعات العمل وتبقى إلى جانبها إلى اليوم الموالي ثم تذهب للعمل دون أن تحظى بقسط من الراحة، وكانت حريصة على تحقيق التوازن والتوفيق بين رعاية والدتها – رحمها الله – وبين عملها والمحافظة على أدائها لتكون قدوة وملهمة لزملائها في العمل.
إكمال الطريق رغم الصعوبات
في خضم كل هذه التحديات والصعوبات بين مسؤوليات العمل والاهتمام بوالدتها، قررت إكمال مسيرتها الدراسية والحصول على الماجستير بدوام جزئي، وسجلت عام 2013 وحصلت على درجة الماجستير في إدارة الرعاية الصحية إدارة المستشفيات في عام 2015 من الكلية الملكية للجراحيين الإيرلندية بتفوق مع درجة «مرتبة الشرف»، ولكن للأسف تخرجت بعد وفاة والدتها بأشهر بسيطة فلم تشاركها فرحتها.
مركز الأمراض الانتقالية
سنة 2016 وبعد سنة واحدة من حصولها على الماجستير، تم إنشاء مركز الأمراض الانتقالية بمؤسسة حمد الطبية وأسندت لها إدارته الطبية عام 2017 ومن إدارة ذلك المستشفى إلى التحدي الأكبر الذي لامس تخصصها بالدرجة الأولى، والذي نعايش تفاصيله كل لحظة منذ ما يزيد على العام والنصف وهو جائحة كورونا.
إنجازات على مختلف المستويات
كما أنها مسؤولة عن تحديد الخطط ومراقبة مبادرات التحسين المستمر للجودة في إدارة الباطنية بمستشفى حمد العام لضمان التوافق مع استراتيجية الجودة المؤسسية لمؤسسة حمد الطبية، وإدارة تصميم وتقييم وقياس العمليات والنتائج الهامة التي قد تؤثر على تقديم رعاية للمرضى عالية الجودة، والعمليات التشغيلية في المستشفيات والمبادرات الاستراتيجية.
من ضمن الإنجازات بحكم منصبها كمدير لبرنامج الزمالة الإكلينيكية للأمراض المعدية تم تخريج 23 طبيبا من الزمالة الإكلينيكية للأمراض المعدية ومعترف بها من قبل مجلس الاعتماد للتعليم الطبي العالي الدولي من الولايات المتحدة الأمريكية.
فخر عائلتها ووطنها
رغم أن والدها ووالدتها توفيا قبل أن يشهدا نجاحاتها، إلا أنها حققت أحلامهما، وأصبحت مصدر فخر لعائلتها، حيث تلقت العديد من المنح البحثية الداخلية والخارجية وتمكنت من المشاركة مع الباحثين الدوليين في إجراء البحوث السريرية ونشرت 87 منشورًا حتى الآن.
وفي السنوات السبع الماضية، تلقت 4 منح رئيسية من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، وحصلت على العديد من الجوائز القيادية والخدمية من قبل المؤسسة وعالميا.
الجائحة: أكبر التحديات (مارس 2020 – إلى الآن)
تم تعيين كمديرة طبية للحالات الإيجابية من نوع «كوفيد» على المستوى الوطني، وهو ما وضع على عاتقها مسؤوليات إكلينيكية وإدارية فيما يتعلق بالعديد من الجوانب، حيث تم تفعيل مركز قيادة الحوادث الرئيسي في مركز الأمراض الانتقالية، وتم استحداث أدوار مختلفة لجميع الأعضاء كي يقوموا بالمساهمة في إدارة الوباء، عندما كان مركز الأمراض الانتقالية هو نقطة الانطلاق لعزل حالات «كوفيد» والوحيد في فبراير 2020، كما قامت بإنشاء لجنة وتعيين أطباء مختصين في الأمراض الانتقالية لتشخيص الحالات وإدارتها، وتم وضع طبيب في كل موقع من مواقع «كوفيد» ويتضمن ذلك 5 مستشفيات تم تعيينها كمواقع لعزل وعلاج الحالات التي تستدعي الرعاية الطبية والحالات الحرجة، و20 من مرافق الحجر الصحي والعزل للحالات الأقل حدة.
كما قامت أيضًا بتشكيل لجنة علمية لتنفيذ العديد من المهام المتعلقة بمكافحة الجائحة بداية من وضع التعريفات المناسبة للمرض وفقا للوضع السريري للحالات مرورا بوضع البروتوكول لمعايير إدخال المريض إلى المستشفى، أو العزل الصحي لتلقي الرعاية المناسبة وفقًا لحالاتهم،
كما تم إنشاء خرائط عملية واضحة ومحددة، كما أشرفت على إدارة خطط سير الحالات الإيجابية لإدخال ونقل وتخريج المرضى من وإلى المرافق المختلفة وفحصها وفحص الموظفين وخطة سير العمل لمختلف الخدمات السريرية وغير السريرية في مركز الأمراض الانتقالية والمرافق التابعة.
قامت في إطار وظيفتها بالتعاون، وعملت بشكل فعال مع مختلف الإدارات والمنظمات والوزارات للمساعدة في الإعدادات السريرية المناسبة لاستقبال وعلاج المرضى، إضافة إلى تدريب الكوادر الطبية، وخدمات الدعم المصاحب لإجراء اختبار المسحات «كوفيد»، وأخذ التدابير الاحترازية لمكافحة انتشار العدوى، وتعريفهم بخطة سير مختلف حالات المرضى وفقا للتعاريف والبروتوكولات، كذلك قامت بتشكيل فريق للقيام بالأبحاث الإكلينيكية وقد تم نشر العديد من أوراق البحث العلمي ومنها ما هو تحت المراجعة من قبل المجلات الطبية أو في مرحلة مختلفة من مراحل البحث، كما أشرفت على إعداد فريق لإنشاء مشروع بلازما المتعافين للتبرع بالبلازما من قبل المرضى المتعافين من «كوفيد» لاستخدامها في علاج الحالات النشطة.