منى الفرحان
دليل الشخصيات ←

منى الفرحان

حولت الفقد والحرمان إلى قوة، وكرست حياتها للتمريض ورعاية الأسرة بقلب لا يعرف حدودًا للعطاء.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 265–270

منى حسن الفرحان، مساعدة المدير التنفيذي للتمريض في مؤسسة حمد الطبية.

سيدة خمسينية بروح شابة وقلب يانع الأحلام، غالبت الحزن وهزمته في عقر داره، جربت الفقر والخصاصة لكنها ظلت شامخة الرأس صلبة الإرادة وتغلبت على كل الصعوبات والتحديات بفضل العزيمة الفولاذية التي ورثتها عن والدتها، لا تعرف للعطاء حدودا ولا للتضحية نهاية فهي صاحبة القلب الرؤوف العطوف التي تضع احتياجات ومشاعر غيرها قبل احتياجاتها ومشاعرها، سعادتها في رسم الابتسامة على شفاه غيرها، مساعد المدير التنفيذي للتمريض، رغم فشل زيجاتها وخسارتها لبناتها إلا أنها جمعت شتات نفسها التي تبعثرت مع الخيبات والانكسارات المتتالية وسخرت حياتها لتربية أبناء شقيقتيها المتوفيتين ولخدمة المرضى في مؤسسة حمد الطبية فوجدت سعادتها وحققت ذاتها من خلال التضحية، لم تتعذر بالظروف ولم تستسلم للأوجاع ووقفت صامدة أمام أمواج الفقر والفقد والفشل الهوجاء فصارت أقوى بعد كل سقوط وخيبة.

طفولة تصنع قدرة الاحتمال

نشأت وسط عائلة متواضعة الإمكانيات المادية كثيرة التنقل خلال فترة طفولتها حيث ولدت في الريان، وانتقلت العائلة بعد ذلك إلى فريج الغانم عندما كانت في سن صغيرة، ثم إلى أم غويلينة القديمة وبعدها أم غويلينة الجديدة التي درست بها المرحلة الابتدائية، سافر الأب إلى الإمارات لظروف خاصة فتولت الأم تربية ستة أبناء رغم كونها أمية ولا تمتلك أي مصدر دخل وتحملت أعباء العائلة وواجهت الفقر وتربية الأبناء وحيدة، وكانت حريصة أشد الحرص على تربية أبنائها أفضل تربية لكي لا تتعرض لانتقادات المجتمع لا سيما في ظل غياب الأب، ورغم الحاجة والظروف الصعبة التي مرت بها العائلة إلا أن الأم سعت إلى غرس عزة النفس والكرامة في أبنائها وعلمتهم تحمل المسؤولية والصبر عند الابتلاء والقناعة بما توفر وعدم انتظار المساعدة من أحد وهو ما ساهم في بناء شخصيتها العصامية المعتمدة على نفسها والتي لا ترضى بالفشل وتواصل السير عند الوقوع ولا تنتظر مساندة من أحد.

زوج الأم

بعد رحيل الأب تزوجت أم مرة ثانية وأنجبت خمسة أبناء من زواجها الثاني، وقد عوض زوج الأم غياب الأب فلم تشعر هي وإخوتها بغياب والدهم بعد أن أحاطهم زوج أمهم بالاهتمام والرعاية ولم يكن يميز بينهم وبين أبنائه وكان نعم السند لها وإخوتها في مختلف محطات حياتهم، ونعم الزوج لأمهم.

دخول مدرسة التمريض

اضطرت بسبب الظروف الصعبة إلى ترك مقاعد الدراسة عندما كانت في المرحلة الإعدادية ولم يتجاوز سنها أربعة عشر ربيعا للبحث عن مصدر دخل لمساعدة أمها وقررت دخول معهد التمريض لمجرد الحصول على راتب يسد احتياجات العائلة رغم أنها كانت تتمنى أن تصبح مدرسة ولم يكن مجال التمريض يستهويها لكنها بعد أن قضت أربع سنوات في مدرسة التمريض وقعت في عشق هذا المجال الذي أصبح شغفا ورسالة وهواية بالنسبة لها حيث إن العمل في هذه المهنة السامية صقل شخصيتها وغير تفكيرها وجعلها أكثر اهتماما ومراعاة لاحتياجات غيرها.

سنوات التمريض وخدمة الأسرة

بعد التخرج مباشرة وحصولها على شهادة في مجال التمريض سنة 1983 التحقت بمستشفى حمد في قسم الجراحة وبعدها انتقلت إلى غرفة العمليات لأول مرة خلال التدريب إذ إنها أيقنت أن هذا هو المكان الذي تنتمي إليه وتتمنى مواصلة العمل فيه، واضطرت بعد ذلك لأسباب تنظيمية إدارية للانتقال إلى غرفة العمليات بمستشفى الولادة الذي عملت فيه لمدة خمس سنوات، وبعدها تم نشر إعلان طلب ممرضة في عمليات الإقامة القصيرة في طوارئ مستشفى حمد العام وبالفعل التحقت بهذا القسم، وبعدها بفترة قصيرة من التحاقها بالقسم لاحظ المسؤولون كفاءتها وسرعة الإنجاز فتم استدعاؤها للعمل في الطوارئ، في البداية كانت مترددة ومتخوفة من التجربة الجديدة إلا أن المسؤولة شجعتها واقترحت عليها أن تجرب العمل في الطوارئ لمدة شهر، ولكن ما إن جربت العمل في الطوارئ قررت الانتقال لهذا القسم الذي عملت به لمدة أربع سنوات وكانت في كل يوم تعود إلى منزلها وهي تشعر بالرضا والسعادة لأنها ساهمت في تخفيف آلام المرضى.

الترقية والعودة للدراسة

بعد أربع سنوات من العمل في قسم الطوارئ وبفضل تفانيها في العمل وسرعة بديهتها وكفاءتها حصلت على ترقية لتصبح مساعد رئيس قسم وهو ما أعطاها شحنة أمل وحافز على مزيد من تطوير نفسها وقررت في هذه المرحلة العودة لإكمال دراستها التي حرمت منها بسبب الظروف، ورغم أنها موظفة متمكنة من مجال عملها وفي رتبة جيدة إلا أنها كانت تطمح لتحقيق المزيد على المستوى الشخصي قبل العملي وبالفعل رجعت للقسم الأول إعدادي وواصلت في الوقت نفسه العمل في الطوارئ حتى سنة 1995، حيث التحقت بقسم قسطرة القلب في مؤسسة حمد الطبية، ثم تخرجت من الثانوية العامة سنة 1997 وقررت بعد ذلك الاستمرار لتحصل على البكالوريوس في التمريض من جامعة قطر سنة 2003.

فقد الأم جرح لا يندمل

رغم كل الخيبات والانكسارات التي مرت بها إلا أنها نجحت في تضميد جميع جراحها ماعدا جرح واحد ظل ينزف ولم تستطع تجاوزه، وهو وفاة والدتها – رحمها الله – سنة 2002 والتي كانت بصحة جيدة وتوفيت فجأة بعد إصابتها بجلطة، حيث كان هذا الحدث تحولا جذريا في حياتها فقد تغيرت نظرتها للحياة بعد الصدمة التي تعرضت لها ودخلت في حالة من الاكتئاب والحزن حتى أنها في كثير من الأحيان كانت تشعر أن الحياة توقفت، فلم تتمكن من تقبل فكرة فقدان أقرب الناس إلى قلبها فهي لم تكن أمها فحسب بل كانت الصديقة والسند وكانت صاحبة شخصية مميزة فهي طيبة حنونة عطوفة بشوشة الوجه دائمة الابتسامة رغم ما عانته في حياتها وكانت حريصة على إخفاء ألمها لكي لا يشعر أبناؤها بالحزن فقد كانت لا تهتم بشيء في الحياة أكثر من أبنائها لا سيما التي كانت الأقرب إليها.

أحزان وفواجع

بعد فقدان والدتها تتالت الأحزان والفواجع في حياتها فقد فقدت أختها الصغرى والتي كانت مقربة جدًا منها تاركة وراءها أربعة أبناء سنة 2016 وبعدها توفي أخوها غير الشقيق خالد سنة 2017 وأيضا زوج والدتها الذي كان بمثابة الأب لها، وقد حاولت أن تتجاوز هذا الألم من خلال الاهتمام بأبناء أختها الراحلة وأبناء أخيها الذين تعتبرهم أبناءها الذين عوضها الله بهم.

حيث إن أختها المتوفية كانت ملازمة لها حتى أنها أخذتها للعيش معها عندما تزوجت وبعد أن تطلقت وتزوجت أختها انتقلت للعيش معها وكانت تهتم بأبناء أختها.

فشل الزواج وفقدان بناتها

لم توفق في الزواج حيث مرت بأكثر من تجربة فاشلة حيث تزوجت للمرة الأولى عندما كانت تبلغ 18 سنة وتزوجت للمرة الثانية في عمر 28 سنة وقد حملت بتوأم بنات خلال هذا الزواج لكنها خسرت بناتها عندما كانت حاملا في الشهر السادس وهو ما جعلها تتعرض لصدمة كبيرة ودخلت في حالة اكتئاب وظلت لفترة طويلة تتناول المهدئات، لكن وجود والدتها إلى جانبها ساعدها على تخطي هذه الفترة الصعبة.

التمريض أمام حصاد السنين

من أكثر الإنجازات التي تفخر بها أنها تمكنت من الحصول على شهادة جامعية وحصولها على الماجستير سنة 2017 إدارة تمريض بدعم من عائلتها والمقربين لها من الأصدقاء وهي تعتبر أن نجاحها في ظل كل الظروف الصعبة والانكسارات والانتكاسات جعل منها إنسانة قوية صامدة فقد صنعت جميع نجاحاتها دون مساعدة من أحد ورغم أن كل الظروف كانت ضدها.