

فاطمة الرميحي
لاحقت شغفها حتى وجدت ذاتها في السينما، فصنعت مساحة للمواهب ومدت جسورًا ثقافية إلى العالم.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 193–200
فاطمة حسن الرميحي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الدوحة للأفلام منذ عام 2014، والمستشارة الثقافية للدورة الأولى من مهرجان الدوحة تريبيكا السينمائي.
سيدة طموحة مثابرة، تسعى للكمال، حلمت فتعبت وحققت صعب المنال، استثمرت كل فرصة أتيحت لها فحققت النجاح في وقت قياسي، بحثت عن تحقيق الذات فخاضت تجارب مختلفة وجدت فيها الخبرة ووسعت من خلالها معارفها لكنها لم تجد فيها شغفها الذي لم تيأس من ملاحقته إلى أن جمعتها به الصدف فأصبحت السينما عالمها وجزءًا من ذاتها، نجحت فيه وتألقت فكانت مصدر فخر عائلتها وسفيرة وطنها، غيرت المفاهيم الخاطئة وكسرت الصور النمطية والقوالب الجاهزة، السينما بالنسبة لها ليست مجرد فن، بل هي رسالة إنسانية لنبذ العنف والكراهية وهو جسر متين للتواصل مع العالم وكسر الحواجز بين الثقافات المختلفة، وصلت الليل بالنهار لتحقيق رؤيتها فسطع نجمها في عالم السينما في قطر وفي المحافل الدولية وتم اختيارها ضمن قائمة الـ500 شخصية التي تشمل قادة الأعمال الأكثر تأثيرًا في صناعة الترفيه العالمية، كما أدرجت سيرتها ضمن قائمة الـ50 شخصية القيادية النسائية في تقرير المرأة الدولي الأول عام 2018، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الدوحة للأفلام منذ 2014، والمستشارة الثقافية للدورة الأولى من مهرجان الدوحة «تريبيكا» السينمائي، تمكنت من تأدية دور محوري في تأسيس الشراكة الاستراتيجية بين مؤسسة الدوحة للأفلام ومهرجان «جيفوني» السينمائي وأوصلت السينما القطرية إلى العالمية، هاجسها الأول تحقيق التوازن بين التزاماتها المهنية والعائلية وقضاء أكبر قدر ممكن من الوقت مع أبنائها الأربعة.
رؤية طموحة ودعم من الحكومة الرشيدة
تزامنت مرحلة شبابها وتشكل ملامح شخصيتها وتطلعاتها المهنية مع التغيرات الكبيرة في المجتمع القطري نتيجة عدد من القرارات السياسية الحكيمة والطموحة النابعة عن رؤية القيادة الرشيدة، والتي نتج عنها تقدم كبير على مختلف الأصعدة وفي جميع القطاعات بفضل تركيز الحكومة على تحسين جودة حياة كافة أعضاء المجتمع وتمكين الشباب والتأسيس لبنية تحتية قوية تتماشى مع أعلى المعايير العالمية، لقد كانت كل هذه الإنجازات الملموسة مصدر إلهامٍ كبير لها على غرار بقية شباب جيلها، وحفزتها على السعي لتبوء المناصب التي ستسهم في إعلاء مكانة وطنها ورفع رصيده من النجاحات والإنجازات.
البحث عن الذات
بعد التخرج في جامعة قطر سنة 2000 عادت لتواجه نفس المشكلة بالبحث عن المجال الذي ستعمل به، وهو ما جعلها تقضي سنة كاملة دون وظيفة، وكانت فرصة للتفكير في خياراتها، وما يمكنها أن تقدمه وبعدها حصلت سنة 2001 على وظيفتها الأولى في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، واعتبرت هذه التجربة «ثرية ومفيدة»، وانتقلت بعد ثلاث سنوات للديوان الأميري لتستقر به على مدار 8 سنوات، تولت خلالها مسؤولية العديد من المشاريع من بينها مكتبة الديوان ومبنى الديوان الجديد، واكتسبت في هذه المحطة مهارات وخبرات جديدة فيما يتعلق بإدارة المشاريع والاتصال، وبالرغم من سعادتها بوظيفتها، إلا أنها لم تحقق فيها ذاتها لأنها كانت شغوفة بالسينما والفنون.
ملاحقة الشغف
شاءت الصدف أن تقرأ في أحد أيام عام 2009 خبرًا صحافيًا عن مهرجان يقام في قطر، وقررت اتباع شغفها والعمل في مجال السينما الذي تعشقه منذ الطفولة، وبالفعل حصلت على فرصة للانضمام لمؤسسة الدوحة للأفلام ضمن فريقها المؤسس، وانتقلت إلى الوظيفة الجديدة التي أدخلتها إلى العالم الذي كانت تتطلع إليه وتشاهده من وراء الشاشة، وقررت منذ ذلك الحين الاستمرار في هذا المجال الذي وجدت فيه ذاتها وسعادتها وأرضى طموحها.
تمكين المرأة
ساهم توجه الدولة لتمكين المرأة ودعمها في بلورة رؤاها وأهدافها، لا سيما أنها نابعةٌ من التقاليد ولا تتعارض مع تطلعات ورؤية عائلتها ومحيطها الذي يحترم ويقدر دور المرأة، ومن خلال تمكين المرأة لتصبح عضوًا فاعلًا ومؤثرًا في المجتمع، فقد منحتها القيادة الرشيدة ثقةً وتفاؤلًا تمضي بهما على طريق المستقبل.
السينما تبني مساحة للمواهب
منذ تقلد منصب الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الدوحة للأفلام عام 2014، تشرف على التوجه الاستراتيجي للمؤسسة ومواصلة تحقيق رؤية ورسالة المؤسسة بالتركيز على بناء ودعم الثقافة السينمائية في قطر وتعزيز مكانة السينما القطرية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
كما تشغل منصب مدير الفعاليات السينمائية السنوية للمؤسسة، وهما ملتقى قمرة ومهرجان أجيال السينمائي، ويكمن دورها في توجيه الجوانب الفنية والاستراتيجية والتشغيلية لهاتين الفعاليتين اللتين تدعمان الجيل القادم من المبدعين، وتضعان مكانة قطر في صدارة المشهد السينمائي الدولي وتقويان الروابط مع مجتمع صناعة الأفلام في جميع أنحاء العالم، وخلال مشوارها مع مؤسسة الدوحة للأفلام، عملت أيضًا على إعداد برامج تعنى بتطوير المواهب المحلية وبناء العلاقات الوطيدة مع أبرز خبراء وأعضاء صناعة السينما العالمية.
مفاتيح النجاح
لكل قائدة ناجحة مجموعة من مفاتيح النجاح التي تفتح أمامها الأبواب المؤصدة، وهي المبادئ وأسلوب الحياة الذي تعيشه، والذي يساعدها على تحقيق المهام بأقل قدر من الجهد والوقت، وتتمثل مفاتيح نجاحها في الصبر، وعدم التسرع، والتروي، والاستفادة من التجارب السابقة، والتأقلم مع مختلف الظروف، والمرونة في التعامل.
توريث النجاح والشغف
شغف السينما كان وما زال جزءًا منها، ومن الطبيعي أن تأخذ هذا الشغف معها إلى البيت فتنقله إلى أبنائها الذين افتتنوا بهذا العالم ودخلوه من أوسع أبوابه حتى أنهم أصبحوا أعضاء دائمين في لجنة تحكيم مهرجان أجيال منذ سنوات ولهم اهتمام كبير في السينما والأفلام.
سفيرة بلدها في عالم السينما
لعبت دورًا كبيرا في تعزيز الصورة الذهنية لدولة قطر على المستوى العالمي، وتحديدًا فيما يتعلق بمكانة قطر على صعيد احتضان الأصوات الجديدة في عالم السينما من خلال المبادرات المتنوعة التي قدمتها المؤسسة، حيث صبت تركيزها على إتاحة الفرصة لصناع الأفلام لتحقيق تطلعاتهم السينمائية بشكل ملموس، وهي تفخر كثيرًا بما حققه المخرجون الواعدون الذين يستمرون في تقديم الأعمال السينمائية التي تلامس الجمهور العالمي، كما تضع تأسيس الثقافة السينمائية المحلية على مستوى المتلقي على رأس الأولويات من خلال المبادرات التي تسهم في رفع الذائقة السينمائية وتعزيز اهتمام وتقدير المتلقي للسينما.
دعم لا متناهي للمواهب الشبابية
تعمل مؤسسة الدوحة للسينما تحت إشراف عن قرب مع صناع الأفلام الشباب لتطوير مهاراتهم، كما توطد علاقاتهم بخبراء السينما العالمية بشتى الطرق وتقدم لهم المؤسسة الإرشاد والتوجيه وتتيح لهم آليات لمشاركة أعمالهم مع العالم أجمع. وقد وصل عدد الأفلام التي دعمتها المؤسسة حتى الآن إلى أكثر من 540 فيلمًا من 70 دولة، بجانب عدد كبير من المواهب القطرية بما في ذلك صانعات الأفلام إذ ساعدتهم جميعًا على تحقيق تطلعاتهم السينمائية.
مد جسور التواصل الثقافي
منذ توليها منصب الرئيس التنفيذي للمؤسسة عملت على تأسيس منصة قوية للتبادل الثقافي لمساعدة الناس من شتى بقاع الأرض، على امتلاك فهم أوسع وأعمق وأشمل للثقافات الأخرى، ولمد جسور التواصل بين البشر بمختلف معتقداتهم وانتماءاتهم واختلافاتهم لتأكيد حقيقة أننا جميعًا نتقاسم نفس التطلعات والآمال، وهو ما تعتبره إنجازها الأهم خلال مسيرتها بالإضافة إلى الجهود التي بذلتها لتوسيع دائرة النقاش حول إسهام السينما في إحداث تغيير إيجابي في المجتمع.
وبجانب هذه الجهود، فإن الفعاليات والأنشطة التي تنظمها المؤسسة على مدار العام، قد ساهمت في استقطاب الجمهور من جميع أنحاء العالم، وهو ما انعكس على قطاعات السياحة والضيافة والتجارة، وجميعها قطاعات حيوية تدفع العجلة الاقتصادية.
وتتعاظم أهمية هذا الهدف في ظل الدور المحوري الذي تلعبه السينما كوسيلة مؤثرة لسرد القصص التي يتفاعل معها المشاهد أينما كان، وآلية لا غنى عنها لتعزيز صناعة محلية من شأنها أن تعمق أواصر الترابط بين سائر أعضاء المجتمع، بجانب إمكانية التعبير عن الرؤية والهوية القطرية للعالم أجمع على شاشة السينما، وبناء جسور الحوار الثقافي سواء داخليا أو مع العالم من حولنا.
سيدات شكلن مشوارها
في حياتها ثلاث شخصيات محورية، شكلن مشوارها ومسارها المهني، وهن والدتها التي تزوجت في سن صغيرة وأنجبت 5 أطفال، واستمرت في تعليمها الجامعي وهي قدوتها في الاجتهاد والمثابرة، حيث كانت حريصة على الاهتمام بعائلتها والموازنة بين احتياجات أبنائها والتزاماتها في الوظيفة، ولطالما كانت، وما زالت دائمًا، مصدر دعم كبير لها، وهي لا تستغني عن نصائحها وتوجيهاتها أبدا.
وصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر التي كانت أفضل مثال على التغيير، وكانت القدوة المثلى للمرأة القطرية ولها شخصيا، وقد تعلمت منها الالتزام والاهتمام بالتفاصيل من خلال لقاءاتها معها في إطار عملها في المجلس الأعلى للأسرة، وكذلك كانت قدوتها في الأمومة إذ كان أبناؤها أفضل نموذج للقادة الناجحين، وسعادة الشيخة المياسة بنت حمد بن خليفة آل ثاني، فقد ألهمتاها بضرورة التحلي بالطموح المستمر، ووجهت رؤاهما كافة جهودها الرامية إلى بناء مجتمع قوي من صناع الأفلام في قطر.
تحدي المفاهيم الخاطئة وكسر للقوالب النمطية
على مدار مشوارها، واجهت عدة تحديات، ليس في قطر على وجه التحديد، ولكن بشكل عام، من بينها القوالب الثقافية النمطية التي ارتبطت بها صناعة الأفلام، بجانب النظرة محدودة الأفق للمرأة وخاصةً إذا كانت تقود وتترأس مؤسسة تروج للسينما، فعلى الرغم من الدور الحيوي الذي تلعبه المرأة العربية في القطاع الثقافي، إلا أن المفاهيم الخاطئة ما زالت مستمرة.
وقد حفزتها جهود القيادة الرشيدة على تسليط الضوء على ضرورة وأهمية تصحيح هذه المفاهيم، خاصةً في ظل بروز عدد كبير من أسماء صانعات الأفلام الموهوبات، واللواتي استطعن تمثيل المنطقة العربية خير تمثيل وحققن نجاحًا ملموسًا كشخصيات قيادية إبداعية، وراويات للقصص التي تلامس الجمهور أينما كان، حيث أصبحت أعمالهن مصدر إلهام كبير لها، إذ تمنحها مزيدًا من العزيمة والطاقة والتفاؤل والإصرار على مواصلة دعم تمكين المرأة في المجال السينمائي.
تحقيق التوازن أكبر التحديات
من أكبر التحديات التي واجهت وتواجه المرأة القيادية والمرأة العاملة بشكل عام هو التوفيق بين متطلبات العمل، ومتطلبات الأسرة، وهو ما جعلها تضع مجموعة من القوانين، وقدمت مقترح العمل بالساعات المتغيرة ومجموعة من المقترحات التي تذلل العقبات أمام المرأة وتقدم لها المناخ المناسب الذي يجعلها أكثر قدرة على تحقيق التوازن لعيش حياة أسرية طبيعية، وفي نفس الوقت تقديم أفضل أداء وظيفي، مؤكدة أن نجاح المؤسسة مرتبط بكفاءة القائد وفريقه بغض النظر عن جنسه.