

شمس القصابي
بنت مشروعها من الصفر، وحملت نكهة المطبخ القطري من البيت القديم إلى حضور عالمي صنعته بيديها.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 145–152
شمس باشي القصابي، رائدة أعمال ومؤلفة في المطبخ القطري، وأول قطرية تدير مطعمًا في سوق واقف.
امرأة بمائة رجل من زمن الطيبين، مؤلفة كتب، لم تدخل يوما للمدرسة ورائدة أعمال ناجحة، لا تعترف بالحسابات والمحاسبين، التجارة تسري في دمها وسوق واقف جزء من روحها فهي سليلة تجار تمتد جذورهم في السوق لسنوات، اختارت الطريق الصعب في الوقت الذي كانت فيه قادرة على سلك طرق أسهل، لكنها فضلت أن تبني نفسها بنفسها، ولا تطلب المساعدة من أحد حتى أقرب الناس إليها، صاحبة ملعقة سحرية وأفكار إبداعية أوصلتها للعالمية، فصارت بهاراتها وخلطاتها التي تصنعها بنفسها بكل حب وشغف إحدى أهم العلامات التجارية في السوق القطرية وفي بلدان الخليج والعالم، وحازت على عشرات الجوائز المحلية والخليجية، وتم تكريمها من سمو الأمير الوالد، المعروفة بالشموس، أول قطرية تدير مطعما في سوق واقف، أم مضحية تمكنت من تحقيق التوازن بين احتياجات عائلتها وأبنائها والسير في طريق النجاح في مشروع رأس ماله الشغف والتضحية والاجتهاد.
الطفولة والنشأة: امرأة من زمن الطيبين
ترعرعت في عائلة محافظة ميسورة ماديا من كبار التجار في سوق واقف، تميزت بشخصيتها النشيطة والحيوية والمبتكرة، ورغم أنها لم تدخل المدرسة يوما، إلا أنها كانت نبهة فطنة ومبتكرة ومبدعة مهتمة بالأشغال اليدوية، فكانت تصنع الدمى والألعاب، وزينة الشعر لأترابها من ورق المجلات، وأبسط الأدوات وتبيعها لهم بأسعار رمزية، كما أتقنت الخياطة والتطريز اللذين ورثتهما عن جدتها التي كانت مشهورة في الفريج كما حصلت على دبلوم وكانت الأولى على دفعتها.
تربت على العلاقات الاجتماعية الوثيقة بين الجيران، والتزاور، والتآزر، والتهادي، حيث كان الجيران يهتمون ببعضهم، عاشت حياة ملؤها المحبة والبساطة وسماحة الخلق، كانت القلوب لا تتسع لغير المحبة، والعقول لا تفكر في غير الخير والمساعدة، وكانت البنات نادرا ما يقصدن المدارس فيقضين معظم وقتهن في مساعدة أمهاتهن في تنظيف المنزل والطبخ، ويتعلمن تحمل المسؤولية من سن صغير والاعتماد على النفس، فتعلمت الطبخ من أمها وجدتها أم والدها، واكتسبن جميع بنات العائلة موهبة استثنائية في الطبخ، وكان والدها صاحب دكاكين بهارات، ومعمل للحلوى منزلية الصنع، حيث يتم تجهيزها قبل أذان الفجر وتوزع على المحال في سوق واقف، وتوضع أمام الدكاكين، وكان والدها شديد الفخر بها لأنها ورثت عنه العديد من الصفات مثل الاجتهاد، والتفاني، والنشاط، وكان دائما يقول لها أنت بمائة رجل.
فكرة المشروع: مشروع العمر من شجرة ليمون
بعد تقاعد زوجها من وظيفته كمدير للخدمات العامة في أحد مواقع قطر للبترول في مدينة دخان، انخفض دخل العائلة ففكرت في إيجاد مصدر دخل جديد، وبما أنها غير متعلمة قررت استثمار مواهبها، وإنشاء مشروع صغير لسد احتياجاتها، ومساعدة زوجها في مصاريف البيت، فكانت في البداية تخيط الملابس وتبيعها في شارع عبد الله بن ثاني في محل «حسناء الخليج» وكان الناس يتهافتون على بضاعتها، ويشترونها بأسعار عالية، لأنها كانت تقوم بتطريزها بشكل يدوي، وكانت تستمتع بالتجارة التي تسري في دمها، وفي نفس الوقت كانت تعد بعض البهارات في المنزل، وتوزعها على جيرانها في شكل هدايا، وكانوا يطلبون منها أن تبيعهم إنتاجاتها لأنهم يخجلون من كرمها.
سنة 2001 بالصدفة سمعت بإقامة معرض الأسرة العصرية، وتمكنت من مقابلة وفد من «دار تنمية الأسرة» سابقا في مدرسة بناتها، وطلبت منهم تمكينها من المشاركة في المعرض، وقدمت شهاداتها في الخياطة، وقدمت للتوظيف، لكنها لم تكن الوظائف متوفرة، وطلبوا منها عرض الملابس الجاهزة في المعرض، لكنها لم تكن تمتلك أي ملابس جاهزة نظرًا لكونها تخيط الملابس حسب الطلب، كما أن المدة الزمنية التي تفصلها عن إقامة المعرض أقل من أسبوعين، ففكرت في حل بديل وهو المشاركة بعرض بعض البهارات، فوجدت في مطبخها حبتين من الليمون، وصندوق طماطم، فقررت تجهيز بعض البهارات لأولياء الأمور في مدرسة أبنائها في المعمورة، وبالفعل باعت بعض المنتوجات بأسعار زهيدة لا يتجاوز سعر العلبة عشرين ريالًا وجمعت رأس مال قيمته 500 ريال من أبسط المكونات الموجودة داخل مطبخها، وبدأت الاستعداد للمشاركة في المعرض الذي كانت تعلق عليه آمالا كبيرة، فقصدت أقرب محل لبيع البهارات، لتحفظ أسماءها وتتعرف على مختلف الأنواع لأنها كانت تجهل بعضها ولم تخبر أحدا من أهلها بنيتها المشاركة في المعرض، لأنهم كانوا سيرفضون رفضا قاطعا، لا سيما أنها من عائلة عريقة من كبار التجار، واشترت مجموعة من البهارات وغسلتها وجففتها وطحنتها يدويا، ووضعتها في علب حليب مجفف نيدو وكانت تختبر المذاق بنفسها.
المعرض وبداية النجاح
دخلت الشموس معرض «الأسرة العصرية» برأس مال قيمته 500 ريال، كانت قد جمعتها من بيع بعض البهارات، فكانت تبيع علبة البهارات الواحدة بسعر خمسين ريال، ولم تكن تجيد الحسابات، فحددت الأسعار بشكل عشوائي، وبعد انتهاء المعرض وجدت أنها كسبت 32000 ريال قطري، وهو ما كان حافزا لها على مواصلة الاجتهاد، وتوسيع تجارتها، فأنشأت دكانا صغيرا في بيتها، حيث استغلت غرفة السائق التي كانت محاذية لبيتها، وبنت له غرفة ثانية بجانب الباب الرئيسي للمنزل، وصار بيتها بعد المعرض مقصدا للراغبين في البهارات من القطريين والمقيمين حتى من سفراء دول الخليج بكميات كبيرة، وكانت تعمل ليلا نهارا لتجهيز الطلبات بمفردها ودون أي مساعدة حتى أنها لم تكن تمتلك آلة للطحن فكانت تدق البهارات بطريقة تقليدية.
في فترة قصيرة بدأت تكتسب شهرة واسعة، وتكسب مبالغ كبيرة من الأموال، فاشترت في إطار تطوير عملها آلة طحن، والتي كانت تستخدمها فقط للكميات الكبيرة، وكانت تخلط البهارات وتخترع خلطات جديدة، كما اشترت سيارة نقل «بيك اب» لتوصيل الطلبات للخور والشمال، وقد اكتسبت خلال هذه الفترة ثقة الزبائن الذين كانت تتعامل معهم بمرونة، وطول بال، وكانت غايتها الأساسية تشكيل قاعدة كبيرة من الزبائن.
تأليف كتب
بعد انتهاء المعرض مباشرة قررت الشموس إصدار كتاب «ألف ياء الشموس» وبعدها «ولائم الشموس» وقد لقيت مؤلفاتها نجاحا كبيرا، وأصبحت من بين أكثر كتب الطبخ المتداولة، والتي تعتمدها ربات البيوت وحتى الطباخين المحترفين.
الاقتصاد وحسن التصرف سر النجاح
في بداية طريقها حاولت الشموس، أن توسع مشروعها وتضاعف رأس مالها، فلم تكن تبذر أي أموال، فاستغلت أبسط الإمكانيات لتحقيق النجاح، فكانت تكتب على ظهر فواتير الشراء لكي توفر ثمن الدفاتر، وتضع البضاعة في علب الحليب المجفف الفارغة، وتستخدم الأجهزة والأدوات الموجودة في مطبخها، وكانت في كل مرة تبيع بضاعة تعود لتشتري بها مواد جديدة، ولا تصرف شيئًا من مداخيلها.
عصامية من الدرجة الأولى
رفضت طلب المساعدة من أهلها رغم كونهم ميسوري الحال، كما أنها لم تعتمد على القروض، أو مساعدة الدولة، واختارت أن ترسم طريقها بساعدها، ومجهودها الشخصي، والاعتماد على نفسها بشكل كلي، وتمكنت من تجميع ثروة دون الحاجة لمساعدة محاسب، حتى إنها كانت تكتب أسماء البهارات يدويا، ولم تستخدم طباعة ولم تضع شعارا لمنتوجاتها إلا بعد مرور سنتين، بعد أن اقترح عليها أحد المسؤولين أن تضع لصقات خاصة بها لأن اسمها أصبح معروفا.
دخول سوق واقف والوصول للعالمية
في أواخر سنة 2014 حصلت على محلها المشهور «شاي الشموس» في سوق واقف، وافتتحته رسميا بداية 2015 وكانت أول سيدة قطرية تفتح مشروعا في سوق واقف من بين التجار، وما زالت من بين سيدات قلائل في السوق، فرغم وجود صاحبات مشاريع ثانيات في السوق إلا أنهن لا يشرفن على أعمالهن بشكل شخصي.
وصل عدد أصناف البهارات التي تنتجها 450 صنفا، وفتحت أول مصنع مواد غذائية
«للمخللات والبهارات» بداية 2020 بعد أن كانت في بداية مسيرتها تطحن 12 كيلو من البهارات بشكل يدوي تقليدي، أصبحت اليوم تطحن وتخلط الآلاف من الكيلوغرامات من البهارات، واشترت أجهزة وآلات ضخمة بتقنية عالية لمصنعها، وصارت جميع دول العالم تستورد البهارات من قطر، لا سيما دول الخليج والدول الأمريكية والأوروبية، حتى أنها تتعاون مع بعض الفنادق والمطاعم الخاصة بالحمية الغذائية، كما أن أشهر المطاعم الهندية في الإمارات والبحرين تطلب خلطاتها «تندوري» رغم أنها بعيدة كل البعد عن التندوري الهندي الأصلي.
تمكنت الشموس من ابتكار العديد من الوصفات الخاصة بمطعمها، الذي افتتحته سنة 2014 وقامت بتطوير خبز الرقاق على 25 نوعا، وأضافت له العديد من المكونات الجديدة مع المحافظة على طابعه التراثي.
ولا تتوقف أبدا عن الابتكار والتجديد. ففي كل مرة تخطر ببالها وصفة رقاق جديدة، أو خلطة بهارات، تذهب مباشرة للمطبخ لتجربها، وتطلق عليها اسما، وكسبت ثقة كبيرة في نفسها، حتى صارت واثقة أن كل وصفاتها ستنجح، فلم تعد تكتفي بالتجربة بكميات صغيرة، بل تقوم بخلط كميات كبيرة.
فخر وطنها
تجاوزت الشموس الحدود الجغرافية لقطر، ووصل صيت علامتها التجارية للعالم، وأصبحت من بين أهم الأسماء، حتى إنه تم إجراء بحث ميداني عنها سنة 2006 من المركز الثقافي البريطاني لمدة ثلاثة أيام، وكانت ترافقها الباحثة وهي تكتب وتصور كل تحركاتها، وصرحت أنها لم تشاهد في حياتها امرأة بدرجة اجتهادها، ونشاطها، رغم أنها زارت جميع بلدان العالم وقد منحها المركز الثقافي صحنا تراثيا عمره أكثر من 200 سنة تكريما لجهودها.
تجاوز صيت أطباقها قطر ووصل إلى العالمية، حيث إن هناك العديد من الأشخاص يزورون قطر خصيصا لزيارة مطعمها، ولشراء البهارات التي تعدها، حتى أنه تم كتابة العديد من المقالات في جرائد أمريكية وبرازيلية حولها، وهو ما حفز قراء المقالات على زيارة قطر، كما تم إجراء العديد من التقارير والأبحاث حولها من قبل الطالبات سواء في جامعة قطر أو في المدارس الخاصة، والحكومية في إطار المواضيع التي تسلط الضوء على المرأة المكافحة والناجحة أو نجاح المرأة في مجال التجارة.
كما تمت كتابة العديد من المقالات عنها في سياق الحديث عن المرأة العصامية المثابرة في العديد من الجرائد في الهند وتركيا وفرنسا وألمانيا واليابان وروسيا، وهو ما ساهم في تغيير الصورة النمطية للمرأة القطرية في عيون الآخر حول العالم، فالشموس صارت تمثل نموذجا للمرأة القطرية التي تحدت المجتمع وكسرت القيود وناضلت لتحقيق حلمها لترسم اسمها في عالم التجارة بأحرف من ذهب.
سيدة أعمال زميلة للعمال
رغم أنها أصبحت من أهم سيدات الأعمال في قطر، وصاحبة مشاريع وعقارات، وحاصلة على عدد كبير من الجوائز والتكريمات، إلا أنها حريصة أشد الحرص على أن تقوم بجميع الأعمال بنفسها، فهي التي تطبخ في مطعمها، وهي التي تخلط بنفسها البهارات، كما أنها قريبة من جميع العمال، وتعمل معهم يدا بيد في جميع المهام، وترافقهم في الحافلة، ولا تستخدم سيارة خاصة للتنقل، ولم تخصم من رواتبهم رغم تدهور الوضع الاقتصادي، وتضرر المطاعم بسبب جائحة كورونا.
مشروع العمر أمام اختبار السوق
من بين التحديات التي واجهتها الشموس، أنها كانت تسكن بجانب بيت أهلها الذين يرفضون عملها، فكانت تغلق الباب لكي تخفي الأمر عنهم، كما أنها تعاني من العديد من المشاكل الصحية في الرقبة واليد، بسبب سنوات الكفاح والإرهاق، وما زالت إلى اليوم تواجه العديد من الصعوبات، فكلما توسعت مشاريعها صارت الصعوبات أكثر وأكبر، آخرها انتشار فيروس كورونا الذي تسبب في خسائر مادية كبيرة لجميع المشاريع في دولة قطر لا سيما المطاعم، كما أنها لم تتمكن من افتتاح مصنعها بشكل رسمي، في انتظار انتهاء الجائحة لكنها عادة ما ترمي جميع الصعوبات وراء ظهرها وتنظر إلى الأمام، وهي لا تشعر بالتعب والإرهاق طالما تحقق نجاحها.
رسالة لرواد الأعمال الشباب
تدعو جميع القطريين إلى الإشراف على مشاريعهم بأنفسهم، والاستثمار في مجال اختصاصهم، وعدم التطفل على مجالات ضبابية، أو مجهولة بالنسبة لهم لمجرد تقليد أصدقائهم، حتى لا يتعرضوا للاستغلال والتحايل، ولكيلا تتوقف أعمالهم في حال خسارة موظف أو عامل.