سمية المطوع
دليل الشخصيات ←

سمية المطوع

قيادية تربوية واجهت المرض والأزمات بإرادة صلبة، وحولت كل اختبار إلى خبرة أعمق وعطاء متجدد.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 137–144

سمية محمد جاسم المطوع، تربوية وقيادية قطرية، وأول رئيسة لقسم الترشيد في المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء «كهرماء»، ومديرة حديقة كهرماء للتوعية سابقًا.

صاحبة شخصية نشيطة مرحة واجتماعية، بدأت مسيرتها العملية بعد تخرجها في جامعة قطر بامتياز وكانت الثانية على دفعتها… لتنضم إلى سلك التدريس في وزارة التربية والتعليم كمعظم الخريجات في ذلك الوقت… ولكنها كانت متوترة بعض الشيء فقد صدر قرار تعيينها في مدرسة من مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة (الصم والبكم بالتحديد) وهو مجال جديد عليها لا خبرة لها فيه، فأصبحت تتخبط بين حب العطاء والرغبة في النجاح من جهة وانعدام خبرتها في التعامل مع هذه الفئات الخاصة من جهة ثانية، دخلت عالم الصم فعشقت تفاصيلهم وانبهرت بقدراتهم وتعلمت منهم التأقلم مع متغيرات الحياة وسمعت أنين قلوبهم الصامت حتى أصبحت جزءًا من عالمهم وصاروا جزءًا من روحها، حتى مضت عليها عشر سنوات تم انتدابها خلالها للعمل كموجهة تقييم في المجلس الأعلى للتعليم، ثم أتيحت لها بعدها فرصة للانخراط في مجال جديد وقادتها روح المغامرة والرغبة في التجديد إلى ترك هذا المجال لتخوض غمار تجربة جديدة بعيدة كل البعد عن عالم التربية والتعليم وعن عالم الصم، وكعادتها في اقتناص الفرص وخوض المغامرات، فقد اغتنمت تلك الفرصة لإثبات قدراتها وموهبتها وحظيت بالمكانة التي تستحقها في المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء (كهرماء) وسرعان ما أثبتت كفاءتها وتدرجت في المناصب من مسؤولة علاقات عامة إلى أول رئيسة قسم للترشيد في إدارة الترشيد التي أنشأتها المؤسسة ومن ثم تولت منصب مديرة حديقة كهرماء للتوعية والترشيد بقرار رسمي من المهندس عيسى هلال الكواري رئيس المؤسسة، داست على الأشواك في طريقها وأكملت طريقها بروح التحدي والإصرار فرغم الخيبات والآلام والفقدان لم تنظر إلى الوراء ولم تتخل عن أحلامها، وصنعت من الضعف قوة، وفتحت نافذة الأمل ليدخل منها نور الحياة واستنهضت همتها رغم المرض لتعود من أعتاب الموت وفي جعبتها المزيد من العطاء في مجالات جديدة ومختلفة.

بين الوكرة ومسيعيد

نشأت في أسرة كبيرة مكونة من أب وأم وإخوانها الأشقاء وغير الأشقاء، كان والدها محمود بن جاسم المطوع – رحمه الله – مديرا للعلاقات العامة في شركة قافكو لإنتاج البتروكيماويات بمنطقة مسيعيد، أمضت طفولتها في منطقة مسيعيد، وكانت بيئة صغيرة ومحدودة، وكانوا يدرسون هي وإخوتها في مدارس الوكرة، لذا كان معظم أصدقاء الطفولة من سكان هذه المنطقة إلى أن افتتحت الدولة مدارس مسيعيد فالتحقوا بها، وأكملت المرحلة الابتدائية هناك، وقد كانت طفولتها شبه معزولة عن عائلة المطوع الكبيرة والتي كان معظم أفرادها يقطنون بالدوحة، وكان بعض الجيران العرب المقيمين في المنطقة نفسها يعوضون غياب العائلة، حيث كان أغلب سكان هذه المنطقة من المقيمين العرب والأجانب والنرويجيين العاملين في القطاع الصناعي.

لغة الإشارة والتحدي الأول

تزوجت زواجا تقليديا من ابن عمها جمال بن نوح المطوع الذي كان يكبرها بعشر سنوات حيث كان عمرها آنذاك 19 سنة، وكانت تجربة زواجها ليست بالسهلة وعاشت فترة مليئة بالتحديات فقد كانت مسؤولة عن بيت مستقل بالتزامن مع إكمالها لدراستها الجامعية، ولكنها صمدت واستمرت إلى أن تخرجت في جامعة قطر من كلية التربية بتقدير عام امتياز في تخصص رئيسي تربية وفرعي فنون، وكانت الثانية على دفعتها، وتم تعيينها في مدرسة التربية السمعية للبنات، وكان التعيين عشوائيا في ذلك الوقت.

التحدي الأول في حياتها كان في قبول هذه الوظيفة إذ إنها كانت تفتقر للخبرة في هذا المجال، لا سيما أن تعيينها في هذا المجال البعيد كل البعد عن اختصاصها جعلها ترتبك وتتأزم في البداية لكنها قررت خوض غمار العمل مع فئة جديدة لم تكن قادرة على التواصل معهم بشكل فعال، وبمساعدة الإدارة ومجموعة من زميلاتها المعلمات ذوات الخبرة تمكنت من تعلم لغتهم (لغة الإشارة) والدخول لعالمهم والتعلق بهم واكتشفت العديد من المواهب والقدرات المميزة لديهم وكانت هذه التجربة من أهم وأقوى التجارب في حياتها، حتى إنها شاركت في العديد من المؤتمرات الخاصة بذوي الاحتياجات الخاصة عموما والصم خصوصًا وساهمت في العديد من الكتب التوثيقية للغة الصم الإشارية العربية الموحدة في مختلف المجالات وانخرطت في عالمهم إلى جانب انتسابها للجمعية القطرية للمعاقين والمركز الثقافي الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت مولعة بالعمل التطوعي، وعليه فقد تم اختيارها كعضو مجلس إدارة في مركز قطر للعمل التطوعي، وكانت تجربتها في مجال العمل التطوعي ثرية مليئة بالأحاسيس والإنجاز والخبرات.

بريطانيا وبعثة الموهوبين

حصلت في عام 2003 على فرصة لدراسة الماجستير ببعثة من وزارة التربية والتعليم في مجال التربية الخاصة للموهوبين في بريطانيا، وهو ما جعلها تلتحق بجامعة برايتون في بريطانيا لدراسة اللغة أولا ومن ثم البدء بالدراسة الجامعية، ولكن وللأسف فإن التخصصات المهتمة بالتربية الخاصة للموهوبين بالتحديد لم تكن متوفرة في بريطانيا، حيث كانت كافة الدراسات للفئات الخاصة تقتصر على المعاقين، مما اضطرها للبحث عن جامعات أخرى تدرس تخصص الموهوبين في أستراليا أو أمريكا، ولكن شاء الله أن لا تتاح الظروف المناسبة لذلك، وعادت بعدها إلى الدوحة في انتظار أن تسنح لها الفرصة للذهاب في بعثة ثانية لاحقا.

الانتداب وبعثة البحرين

بعد عودتها من بريطانيا، استمرت في عملها كمعلمة للصم ولكن سرعان ما تم انتدابها للمجلس الأعلى للتعليم- هيئة التقييم بالتحديد- والذي كان في مرحلة الإنشاء، كان العرض العمل كموجهة تقييم، استمرت في ذلك العمل قرابة السنتين ثم عادت إلى مقر عملها الأول بعد انتهاء فترة الانتداب لتتمكن من السفر في بعثة جديدة لاستكمال دراسة الماجستير في جامعة الخليج بمملكة البحرين لتوفر التخصص فيها، ولكن لسوء الحظ تم إيقاف الابتعاث للدول العربية في تلك الفترة.

من منسق إلى مسؤول علاقات عامة

في الوقت الذي كادت فيه أن تفقد الأمل من تغيير وضعها بعد الخيبات المتتالية التي تعرضت لها، تعاونت مدرسة التربية السمعية للبنات التي كانت تعمل بها مع المؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء- كهرماء- ومن باب المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، لإنتاج كتيب صغير لصالح الصم، بحيث يتم إنتاج المادة من قبل المدرسة وتتم طباعتها على نفقة المؤسسة، وقد أوكلت لها مهمة التنسيق بين الجهتين وهو ما جعلها دائمة التردد على قسم العلاقات العامة في إطار مهامها، وقد وجد فيها عبدالرحمن الخليفي رئيس قسم العلاقات العامة آنذاك الشغف والجدية والإتقان في العمل والتفاني والالتزام وهو ما جعله يعرض عليها وظيفة مسؤول علاقات عامة- لوجود شاغر وظيفي ضمن القسم- لتقوم بعملية إدارة عملية التواصل مع المدارس في إطار الأنشطة الموجهة للطلاب لتوعيتهم بأهمية الترشيد، وقد وجدت أن هذا العرض مناسبا وقررت تغيير مجال عملها بعد 10 سنوات في مجال التربية والتعليم، وكانت نقلة نوعية في حياتها، وقد تعلمت خلال هذه التجربة أن التغيير دائما ما يكون إيجابيا لا سيما أنها وجدت في مجال العلاقات العامة شغفها نظرًا لقربه من شخصيتها النشطة والاجتماعية، وفور توليها مهام وظيفتها الجديدة بدأت في تقديم المحاضرات وتنظيم الأنشطة في المدارس وكانت كلها جهود ذاتية وفردية بمساندة مدير الإدارة المهندس ناصر بن علي المهندي ورئيس القسم عبدالرحمن بن محمد الخليفي، وكانت هذه الأنشطة هي النواة القوية لإنشاء قسم الترشيد ضمن إدارة الترشيد.

أول رئيس لقسم الترشيد

في عام 2012 تم إنشاء إدارة الترشيد بالمؤسسة العامة القطرية للكهرباء والماء وتم ترشيحها لوظيفة رئيسة قسم الترشيد تحت إدارة المهندس فهد بن راشد الكعبي الرئيس التنفيذي لشركة المناطق الاقتصادية حاليًا، وقد كانت أول شخص يشغل هذا المنصب خلفتها فيه فاطمة بنت سعيد المسند وأسهمت بشكل كبير وفعال في وضع وتنفيذ خطط الترشيد الموجهة للمدارس وكافة قطاعات الدولة بشكل مقنن من خلال شخصيات قطورة وكهروب.

وبعد الانتهاء من مشروع حديقة كهرماء للترشيد تم تعيينها من قبل رئيس المؤسسة كمديرة للحديقة حيث إن الكثير من مشاريع وخطط قسم الترشيد تنفذ من خلال الحديقة.

وكانت تلك هي المحطة الثانية التي تعتبر من أهم التجارب في حياتها إذ إنها شديدة الإيمان بضرورة الترشيد لحماية موارد دولة قطر، ليس على الصعيد المهني فحسب بل على الصعيد الشخصي حتى أنها كانت تتبنى الشعار المتداول آنذاك «لتبقى قطر تنبض بالحياة» والذي كانت تؤمن به بقوة وتكرره بكل حب وقد حاولت بكافة الطرق ومختلف الأنشطة أن تغرس هذا المبدأ لدى الجميع.

أزمات متعددة

تعرضت في عشرينيات عمرها لأزمة شديدة في حياتها إثر فقدان والدها (أبو جاسم) – رحمه الله – الذي كان يمثل لها القدوة والمثل الأعلى، رحيله أشعرها بالانكسار والضعف، وما زالت إلى اليوم تتوق لوجوده معها ومؤازرتها في مسيرتها الحياتية، لكنها وفي نفس الوقت شعرت بواجبها تجاهه وهو الحرص على تطبيق ما زرعه فيها من أخلاق ومبادئ لا سيما أنها ورثت عنه شخصيته المميزة وعلمه الغزير وثقافته المتعددة.

وبعد فترة وفي أواخر الثلاثينيات من عمرها تعرضت لأزمة شديدة أخرى ولكنها على مستوى صحي هذه المرة، فبعد مضي ثمانية أشهر من توليها مهام إدارة حديقة كهرماء للترشيد ومرور ستة أشهر من حصولها على أعلى تصويت في انتخابات نادي تميم توستماسترز للخطابة باللغة العربية إذ إنها كانت إحدى منتسبيه ثم حظيت بشرف رئاسته وبالتحديد في 5 نوفمبر سنة 2015 تعرضت لوعكة صحية شديدة، (شخصت لاحقا بأنها جلطة دماغية صاحبها شلل نصفي)أصابتها في مقر عملها بحديقة كهرماء ونقلت على إثرها إلى مستشفى حمد العام لتلقي العلاج المناسب.

العودة من أعتاب الموت

بعد أن ظلت فترة طريحة الأسرة البيضاء، تتلقى العلاج بين مستشفيات الدوحة وشيكاغو والهند وتايلند، وتخضع للكثير من العلاجات الطبيعية وتتناول الكثير من الأدوية بإشراف أطباء مختصين في حالتها، تلك الفترة التي أسهمت بفضل الله من تخفيف حدة الألم في وضعها الصحي والتي جعلتها تتأمل حياتها بطريقة مختلفة، وتراجع مسارها ومسيرتها.

محنة تغير تفكيرها ومصيرها

كانت هذه المحنة من أكبر أسباب التغيير في حياتها، ولكن بطريقة إيجابية وعلى الرغم من شدة الألم الذي تخللها، تمكنت من تأمل حياتها وإعادة ترتيب أوراقها، وكان من أصعب تحديات وضعها المرضي إصابتها بالشلل في جانبها الأيمن مما يعني عدم قدرتها على ممارسة الحياة أو المشي أو الكتابة أو الرسم مجددًا، ولكنها بفضل يقينها بالله وإصرارها واستمرارها في رحلة العلاج الطويلة تمكنت من تحريك يدها اليمنى والعودة للكتابة والرسم مجددا.

كما نجحت في ظرف قياسي من استجماع شتات نفسها لتقف ثانية بعد تلك الهدنة لتعود للحياة مرة أخرى بنفس متجدد وكلها أمل وإصرار وعزم على تحقيق طموحاتها المؤجلة وممارسة شغفها الحقيقي إذ إنها لطالما كانت مهتمة بمجال التدريب ولكن كان يعيقها عنه كثرة انشغالها بعملها الصباحي ومهامها الوظيفية المتعددة، وقد تقدمت للمشاركة في برنامج الخطوة الأولى الذي تم طرحه من قبل دار تنمية الأسرة برعاية الشيخة موزا – حفظها الله – وبقيادة آمال المناعي في ذلك الوقت، والذي كان يعنى بالشباب القطري المتعثر من الجنسين، ليأخذ بيده ويرشده للطريق الصحيح. وكان هذا هو أول عهدها بالتدريب وتقنياته الاحترافية المختلفة.

وبعد تقديم أوراقها للبرنامج تم اختيارها ضمن 28 من المدربين المرشحين والذين تم تدريبهم على يد الدكتور عبد العزيز الحر والدكتور أشرف جلال، لتتم عملية غربلتهم واختيار عدد محدود منهم لتقديم البرنامج، وكانت ضمن أفضل خمسة مدربين تم ضمهم إلى البرنامج كمدربين معتمدين، وكان برنامج (الخطوة الأولى) برنامجا قويا ومميزا شاركت في تقديمه مع مجموعة من المدربين الأكفاء.

تحدي المرض ومواصلة الكفاح والعطاء

بعد كل المطبات والانتكاسات لم تستسلم بل شحذت همتها وعادت لتكمل طموحها وكلها عزيمة وإصرار فحصلت على دبلوم في تعديل السلوك ودبلوم آخر في الاضطرابات النفسية ودبلوم ثالث في الإرشاد الزواجي والأسري من كلية نوتينج هيل ببريطانيا، كما أنها تستعد لطباعة كتابها الأول مع دار كتارا للطباعة والنشر تحت عنوان (التدريب من القاعة إلى الشاشة)، وفي طور استكمال تأليف كتابها الثاني (أنماط الشخصيات) الذي سيرى النور قريبا، وقد عادت لمجال التدريب الذي تعتبره نقطة قوة في شخصيتها ومصدر للتغيير والإيجابية، وكانت تذهب لقاعات التدريب بالكرسي المتحرك وتقف أمام متدربيها وهي متكئة على عكازها، كما شاركت في تدريب افتراضي لمنتسبي حملة التطوع مع وزارة الصحة أثناء جائحة كورونا وأسهمت في تحفيز آلاف المتطوعين لخدمة قطر في تلك الفترة.

وواصلت التدريب في كافة المجالات مع العديد من مؤسسات ووزارات الدولة خلال فترة الجائحة افتراضيا، كما أن لها إسهامات عديدة في مجال الكتابة التوعوية الموجهة لكافة فئات المجتمع من خلال العمود الثابت في جريدة الشرق تحت اسم- لنخلق الوعي- وعمود آخر ضمن منصة الجسرة الإخبارية.

بين شيكاغو وتايلند والهند وقطر

حالتها الصحية لم تسمح لها بالاستمرار في ممارسة شغفها لأنها كانت مضطرة للسفر إلى عدة بلدان لمتابعة علاجها، ومرت بالعديد من المراحل العلاجية لتتمكن من استعادة حياتها، لكنها في خضم هذه الأزمة لم تفقد ايمانها بالله عز وجل بأنها ستعود إلى سالف نشاطها وعافيتها، وبدأت بالفعل في التماثل للشفاء واستغنت عن الكرسي المتحرك، وأجرت عملية تصحيحية في رجلها اليمنى لتصحيح ما أفسدته الجلطة وقد أجرى العملية الطبيبين الاستشاريين الدكتور ماجد مخيمر والدكتور غالب الكبيسي ومجموعة من الأطباء المساعدين ذوي الكفاءة العالية في مركز العظام والمفاصل بقطر وتكللت بفضل الله بالنجاح.