

سفتلانا لفتسكايا
غادرت وطنها من أجل الحب، ثم بنت من الفقد والتعثر تجربةً تجاريةً قادتها الأمومة.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 129–136
سفتلانا لفتسكايا، سيدة أعمال بلاروسية الأصل بنت مشروعات داخل قطر وخارجها بعد بدايات اعتمدت فيها على قرض الضمانة. كانت تبلغ 54 عامًا وقت توثيق السيرة. واجهت الفقد والسرقة والتحايل والتعثر، وحولت التجارب القاسية إلى خبرة واستقلال، وظلت الأمومة محور قراراتها ومسيرتها.
طفولة بين البحر والفقد
ولدت وعاشت مرحلة الطفولة والمراهقة في موطنها بلاروسيا وهي ابنة قبطان سفينة بلاروسي وأم بولندية الأصل، توفي والدها عندما كانت طفلة لم يتجاوز عمرها الأربع سنوات في حادث سيارة فعاشت السنوات الأربعة عشر الأولى من حياتها بين أمها وجدتها من الأب، حيث كانت والدتها تعمل في مصنع إسمنت على مدار 40 سنة تدرجت خلالها في مختلف المناصب إلى أن حصلت على منصب المدير التنفيذي.
علاقة متوترة مع زوج الأم
عندما اشتد عود وبلغت الرابعة عشرة من عمرها قررت والدتها الزواج مجددا وأنجبت لها أخا، لكن علاقتها بزوج والدتها كانت شديدة التوتر وهو ما تسبب في حيرة الأم التي وجدت نفسها بين المطرقة والسندان وكان عليها أن تجد خيارا يرضي جميع الأطراف فتحافظ على ابنتها وزوجها في الوقت نفسه، وعندما بلغت سن 17 قررت والدتها أن تشتري لها شقة تعيش بها بمفردها في نفس الحي الذي تقطن به وكان هذا الوضع مؤقتا حيث سافرت بعد فترة قصيرة إلى موسكو لإتمام دراستها الجامعية وقضت هناك أربع سنوات تخصصت في فن صناعة القماش.
تجارة تبدأ بإمكانات محدودة
خلال هذه الفترة لم تكتف بالحصول على شهادتها الجامعية حيث اكتشفت في نفسها موهبة وشغف التجارة فكانت تسافر شهريا إلى اليونان عبر الخطوط الجوية لتشتري سترات الفرو وتبيعها في بولندا وقد نجحت في فترة قصيرة في كسب ثقة عدد كبير من الزبائن الذين كانوا ينتظرون البضاعة بفارغ الصبر.
لكن هذه التجارة لم تستمر طويلا ولم يكتب لها التطور إذ إنها في إحدى المرات بينما كانت في الطريق من بيلاروسيا إلى بولندا بالسيارة توقفت عند إحدى محطات البترول ودخلت أحد المحلات وعند عودتها للسيارة تفطنت لاختفاء البضاعة وتعرضها للسرقة مما سبب لها صدمة جعلتها تقرر الابتعاد عن هذه التجارة.
وسنة 1991 عادت لمسقط رأسها مرة ثانية للدراسة حيث إن دراستها تتطلب قضاء سنتين في التخصص.
الحب يقودها إلى قطر
بعد انتهاء مرحلة التخصص مباشرة وتحديدا سنة 1992 قررت الاستماع لنداء قلبها والذهاب إلى قطر إذ إنها تعرفت على رجل قطري ناضج عندما كانت تدرس في الجامعة في موسكو ربطتها به في البداية علاقة صداقة سرعان ما تحولت إلى حب، وطلب منها المجيء لإتمام عقد الزواج.
زوج ناجح ومثابر
من بين الأشياء التي جعلت تقع في حب زوجها وتقبل أن تتغرب وتبتعد عن بلدها وتعيش في بلد مختلف بثقافة مختلفة تماما عما تربت عليه وأن تكون زوجة ثانية هو شخصية زوجها الفريدة فهو شخص طموح وناجح ومبدع فعلاوة على عمله كمحام في قطر للبترول وكونه من الرعيل الأول من موظفي هذه الشركة العريقة فقد كان صاحب شركة تقوم بتنظيم الفعاليات الكبرى حتى أنه كان أول شخص يدير فعاليات السيرك في قطر ويتعاقد مع سيرك من ألمانيا وبريطانيا لتقديم عروض في قطر حيث إن أول عرض من هذا النوع قدم سنة 1985 كان تحت إدارته.
أيضًا زوجها أنشأ أول شركة لصنع مضلات الشبابيك وتركيبها في قطر وكانت قد لاقت رواجا كبيرا.
الفاجعة ودوامة الحزن والضياع
عاشت مع زوجها أجمل أيام حياتها فقد رزقت بابنتها الأولى لورا سنة 1997 وتضاعفت الفرحة بولادة ابنتها الثانية نورة سنة 2000، لكن هذه السعادة لم تستمر طويلا فبعد ولادة نورة بتسعة أشهر توفي زوجها الذي كان يعاني من ارتفاع ضغط الدم بسبب إصابته بجلطة وقد وجدته ملقى على أرضية المطبخ بجانب الثلاجة وحبوب الضغط في يده.
تغيرت حياتها بين ليلة وضحاها ودخلت في دوامة الصدمة والألم والحزن والضياع ومرت بفترة صعبة جدًا بعد وفاة زوجها فقد كانت وحيدة وتائهة وغير مدركة لما يحصل حولها فقد كان زوجها هو سبب قدومها إلى قطر ولم تعد تعلم ما الذي يجب أن تفعله من دونه بعد قضاء سبع سنوات تحت ظله.
بعد الوفاة مباشرة انتقلت وابنتيها لمنزل الزوجة الأولى لقضاء فترة العدة ولم يكن يسمح لها بالخروج أو التكلم مع أي شخص لمدة أربعة أشهر وهو شيء جديد بالنسبة لها ولم تتمكن من استيعابه والتأقلم معه حتى أنها فكرت في العودة لوطنها لكن أهل زوجها خيروها بين البقاء في قطر أو السفر دون أن تأخذ بناتها معها نظرًا لكونهما قطريتين، فوجدت نفسها بين خيارين صعبين وكانت مشتتة ولم تتمكن من اتخاذ أي قرار أو أي خطوة وقررت في النهاية البقاء في قطر من أجل ابنتيها.
مرت بأيام صعبة وليالٍ حالكة حتى أنها لم تكن تملك مصدر دخل لاشتراء الاحتياجات الأساسية لها ولبناتها كما أن إجراءات الفصل وتقسيم الإرث تأخذ وقتا طويلا.
العودة بعد الفاجعة
في الوقت الذي كانت تحاول فيه جمع شتات حياتها والوقوف من جديد من أجل ابنتيها تلقت سنة 2002 مكالمة من إدارة المركز التجاري سيتي سنتر الذي كان يستعد للافتتاح آنذاك وطلبوا منها تجهيز بعض العروض للافتتاح وكانوا على ثقة تامة من قدرتها على إدارة الحدث نظرًا لاكتسابها خبرة كبيرة في هذا المجال بفضل ملاصقتها لزوجها الذي كان قد تعامل معهم سابقا فاستغلت الفرصة للعودة للعمل وطلبت الإذن من أهل زوجها الذين وافقوا على إدارتها لهذه الفعالية ولجميع شؤون الشركة، لكن بعد مرور فترة أحست بضغط كبير واقترحت على أهل زوجها إقفال الشركة بعد أن شرحت لهم مختلف الصعوبات والأمور الإدارية والمالية وقد وافق أهل الزوج على ذلك وتم بالفعل الإقفال.
قرارات مصيرية وبداية الحلم
طموحها العالي ورغبتها في أن تكون قدوة ومصدر إلهام لابنتيها دفعاها للبحث عن سبل النجاح والتميز فقامت سنة 2004 بفتح شركة خاصة لها ولبناتها «شركة لانا العالمية» ورغم أنها لم تكن تملك المبلغ الكافي لإطلاق المشروع والذي كانت قيمته 20 ألف ريال قطري إلا أنها لجأت لأخت زوجها التي كانت مقربة منها وتؤمن بقدراتها ومؤهلاتها واقترضت منها المبلغ الذي تحتاجه وفتحت الشركة التي لاقت نجاحا كبيرا في فترة قصيرة وتمكنت من إرجاع المبلغ الذي اقترضته وتحقيق أرباح كبيرة.
مشروع يولد وسط التعثر
في بداية مشوارها كانت تثق في الأشخاص بسهولة وهو ما جعلها تتعرض للسرقة والخيانة لأكثر من مرة حتى إنها فكرت في العديد من المرات للاستسلام والتراجع لكنها عزفت عن قرارها وأصرت على مواصلة الطريق لتكون قدوة لبناتها وأن تستجمع قوتها وترجع لطريقها بعزيمة أكبر لأنها كانت ترغب أن تكون ملهمة ابنتيها وأن تكونا استثنائيات.
خطى ثابتة في مجال الأعمال
قررت ألا تضيع موهبتها في التجارة والأعمال وأن تكتشف مجالات أخرى ففتحت سنة 2005 شركة تستورد وتركب الباركيه الأصلي عالي الجودة وتوسعت فيه وجعلته على مستوى عال وحتى أنها افتتحت فروعا في أماكن فاخرة وما زالت تقدم منتجاتها في قصور الوجبة.
وواصلت المغامرة وخاضت مجالات مختلفة ففتحت سنة 2007 مشروعا لإعادة تدوير النفايات وهو مشروع يشرف عليه ويقوم بتطويره دكتور أمريكي، وكانت شركتها تعمل كوسيط بين مجموعة أطراف، وعندما عرضت مشروعها في قطر لم يتم تبنيه فسافرت إلى المملكة السعودية وعرضته هناك وتم تبنيه ولاقى نجاحا كبيرا وفتحت له عدة فروع.