

ذهبية جابي
حملت صوتها من الصف إلى الإذاعة والشاشة، وجعلت الإعلام مسؤوليةً وقربًا من الناس.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 113–120
ذهبية إلياس عصفورة، المعروفة باسم ذهبية جابي، إعلامية ومن رائدات الإذاعة والتلفزيون في قطر. انتقلت من التعليم إلى الإعلام، وجمعت بين الصوت الإذاعي والحضور التلفزيوني والعمل التوعوي وخدمة القضايا الإنسانية والمجتمع.
النشأة والتعليم في عمان
نشأت في عمان بالأردن، وبدأت حياتها المهنية معلمة، وكانت تعشق اللغة العربية، لاحظ جميع من حولها جمال صوتها وقدرتها الكبيرة على شد المستمعين حتى إن إحدى طالباتها أخبرتها ذات يوم أن صوتها يشبه الذين في الراديو، وكأنها تستشرف المستقبل.
الزواج والانتقال إلى قطر
لم يكن الزواج في حياتها انتقالًا من بيت إلى آخر فحسب، بل إلى بلد وثقافة ومجال آخر حيث تزوجت رجلًا كان يعمل في أحد البنوك في قطر وانتقلت معه سنة 1968 للعيش في قطر التي أحبتها فبادلتها الحب والعطاء، لكنها بعد قضاء فترة قصيرة من الزواج أحست بالملل وقررت البحث عن عمل لمساعدة زوجها ولإرضاء طموحها وتحقيق ذاتها، وكانت أول محطاتها المهنية في قطر مع الرعيل الأول من طلبة التمريض في مدرسة التمريض للبنات سنة 1971 حيث قامت بتدريس اللغة الإنجليزية للممرضات القطريات.
الإذاعة صدفة فعشق
صدفة غيرت مسار حياتها ومسيرتها، فعند لقائها بأحد أصدقاء زوجها الذي كان يعمل في قسم الهندسة في إذاعة قطر المرحوم مصطفى أبو الهوى أعلمها أن صوتها جميل ومناسب للتقديم الإذاعي وأنها تمتلك المؤهلات لدخول هذا المجال واقترح عليها العمل في الإذاعة وهذا ما كان، ومن إن وطأت قدميها مقر الإذاعة حتى وقعت في عشقها وأسرتها الأجواء والكواليس وعادت إلى منزلها تحمل أحلاما وآمالا جديدة وكلها عزم وإصرار على دخول هذا المجال الذي وجدت فيه الشغف الذي طالما كانت تبحث عنه.
في بداية مسيرتها سنة 1973 لم يكن عملها بدوام كلي بل بدأت بالقطعة مع المرحومة سعاد حسن التي كانت تقدم برنامج ركن الأسرة ونجحت معها في أول امتحان ثم قدمت البرنامج الشهير همسات في الليل مع محمد المعضادي ثم الزميل ماهر الريس وكان البرنامج ناجحًا جدًا والأول من نوعه في الإذاعة.
من الإذاعة إلى التلفزيون
لم يكن الصوت الإذاعي العذب هو كل ما يميز فهي صاحبة وجه جميل وكاريزما وحضور قوي وثقافة عالية أهلتها للتقدم في مسيرتها المهنية حتى أنها سرعان ما خطفت الأنظار وشدت الانتباه وتم استقطابها سنة 1974 للعمل في التلفزيون كمقدمة لنشرات الأخبار، وفي فترة زمنية قياسية تمكنت من التربع على عرش قلوب المشاهدين حتى إن أحد الصحافيين من لبنان كتب عنها مقالا صحافيا خلال زيارته لقطر بعنوان «مذيعة نام الناس على صوتها وصحوا على صورتها».
حضور يتسع على الشاشة
قدمت خلال سنوات عملها في التلفزيون عددًا كبيرًا من البرامج المتنوعة والناجحة كان بعضها الأول من نوعه في الشرق الأوسط. تمكنت خلال فترة قصيرة من عملها في تلفزيون قطر من كسب مكانة مميزة حيث حصدت العديد من النجاحات وحصلت على عدد كبير من الجوائز وشهادات الشكر والتقدير منها ثلاث جوائز ضمن مهرجان التلفزيون في الكويت، وجائزة أفضل مذيعة في استفتاء جريدة الراية القطرية، وجائزة أفضل مذيعة عن برنامج «أطباء على الهواء» والذي نال نجاحًا منقطع النظير، واستضافت خلاله مجموعة كبيرة من الأطباء من داخل قطر وخارجها من بينهم الدكتور حجر أحمد حجر خلال توليه منصب وزير الصحة، بالإضافة لحصولها على جائزة أفضل المذيعات العربيات، حتى أن «عبدالله الحسيني» لقبها بسيدة الشاشة القطرية.
حب وعطاء وأياد بيضاء
لم يكن العمل في التلفزيون بالنسبة لها مجرد مهنة، فكانت رسالة نبيلة ومهمة سامية مكنتها من القيام بدور توعوي وتثقيفي كبير والمساهمة في التصدي للعديد من الظواهر الاجتماعية السلبية، ولم تكتف بهذا الدور في خدمة المجتمع، فقلبها الكبير وحب العطاء جعلها تحاول قدر المستطاع مساعدة كل المحتاجين عبر تقديم مساعدات مالية للمتضررين من ذوي الاحتياجات الخاصة داخل قطر وخارجها بالتعاون مع فريق للاستقصاء للتأكد من حاجتهم للعمليات وكانت أيادي الخير والشعب القطري والمقيمين يساهمون بما يستطيعون وأكثر.
دور توعوي وتصدي لظاهرة التحايل الطبي
لم يقتصر دورها على تقديم نشرات الأخبار والتقديم الجاف للبرامج، فقد كانت صاحبة لمسة إبداعية مميزة وقدمت العديد من الأفكار المبتكرة الجديدة على المجتمع القطري التي أثارت ضجة وفي نفس الوقت مثلت صدمة اجتماعية ساهمت في تحذير المشاهدين من بعض المتحايلين ورفع درجة وعي المجتمع القطري بخصوص عدة ظواهر اجتماعية، ومن بين أهم الحلقات التي أثارت ضجة وأحدثت تأثيرا منقطع النظير في حقبة الثمانينيات حلقة من برنامج أطباء على الهواء كشفت خلالها ظاهرة التحايل الطبي التي كانت منتشرة بكثرة من خلال خدعة «تمثيلية» تلفزيونية، حيث كان العديد من المرضى اليائسين يتعرضون لعمليات التحايل ويتم إيهامهم بأنه يمكن علاجهم من الشلل في الفلبين دون الخضوع لجراحة من خلال التدليك، وبعد العودة من العلاج الكاذب يتفاجأ المريض أنه ما زال على حالته السابقة.
وتتمثل الخدعة التي كانت فكرة الدكتور حجر أن تلعب دور الطبيبة وتتظاهر بفحص مريض ممثل، وكان الدكتور حجر يقف خلف الستارة وبيده قطعة من أمعاء بشرية يسربها إليها من الخلف وأقنعت المريض عندما رأى الدم على صدره بأنه شفي، وبعدها ينهض المريض الممثل ويتظاهر بالسعادة وبأنه شفي مما كان يعاني منه، وبعد بث الحلقة المثيرة للجدل تراجعت نسبة المسافرين للفلبين قصد العلاج المزيف بشكل ملحوظ بعد أن تم فضح المتحايلين بطريقة ذكية ومبتكرة.
خدمة قضايا إنسانية وقرب من المجتمع القطري
طيلة فترة عملها في مجال الإعلام لم تشعر أنها غريبة عن المجتمع القطري بل كانت جزء منه تشاركه أحزانه وأفراحه وهمومه وتطرح قضاياه وتتدخل في كثير من الأحيان لحلها، وكان هذا الشعور متبادل من المجتمع القطري الذي كان ينتظر ظهورها على الشاشة في الأعياد والمناسبات الوطنية حيث كانت تتواصل مع المشاهدين على الهواء مباشرة، حتى أن المشاهدين كانوا يفتقدونها إذا ما غابت عنهم، ولم يقتصر العمل الميداني لها على قطر بل إنها نقلت عبر شاشة تلفزيون قطر أحداث اقتحام مخيم صبرا وشاتيلا، في الوقت الذي كان تلفزيون قطر السباق في تغطية هذا الحدث المأساوي.
لم يقتصر دورها على نقل الأحداث وتسليط الضوء على قضايا المجتمع، بل لعبت دورا في حل بعض القضايا والمساهمة في تحسين أوضاع بعض الأشخاص المتضررين من بينهم الأطفال ضحايا العنف الأسري، حيث كانت ترفع هذه القضايا لسمو الشيخة موزا بنت ناصر والتي كانت تتكفل بإعادة الأطفال إلى ذويهم بعد ضمان عدم تعرضهم للأذى مجددا من خلال تعهد الأولياء.
التيمن بذهبية
لم تأسر قلوب القطريين والمقيمين من العرب فحسب، حتى بقية الجنسيات الثانية كانت تتابعها حتى إن سيدة من الجالية الهندية سمت ابنتها تيمنا بها، وكان هذا مصدر سعادة كبيرة لها حيث شعرت أنها أحدثت الأثر الذي كانت تتمناه وخلدت بصمتها في الشاشة وفي القلوب.