

ديمة الخطيب
عبرت من الموسيقى إلى الترجمة ثم الإعلام، وحولت تعدد اللغات إلى نافذة على العالم.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 105–112
ديمة حسام الخطيب، صحافية فلسطينية دمشقية ومديرة قنوات «AJ+» ضمن القيادات التنفيذية في شبكة الجزيرة الإعلامية. انضمت إلى قنوات الجزيرة الإخبارية بعد انطلاقها، وخاضت تجارب في التغطية الميدانية والعمل الإخباري، وأصبحت أول امرأة تدير مكتبًا خارجيًا في الشبكة، وساعدها إتقان سبع لغات على بناء مسيرتها الإعلامية.
الطفولة: حب وحنان وحنين وحكايات نقشت في الذاكرة
ترعرعت وأخوها وأختها في وسط عائلي دافئ بين جدتين فلسطينية وسورية. كانت الجدة الفلسطينية خديجة مصدرًا كبيرًا للصور والحكايات من فلسطين والحنين إليها، ومثلت لهم رمز قوة الشخصية؛ إذ عاشت تجربة اللجوء المرة وأنجبت ابنتها الصغرى على الحدود الفلسطينية اللبنانية في يوم النكبة. أما الجدة السورية فمثلت لهم منبع الحنان والحب والعذوبة والأنوثة.
بين السياسة والثقافة
وجدت نفسها محاطة بالأدب والسياسة والثقافة. أكملت والدتها منى لبابيدي تعليمها العالي بعد الزواج لتصبح مدرسة جامعية في الرياضيات المالية، وكان والدها رجلًا عصاميًا مثقفًا يحمل درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج العريقة في بريطانيا. مر بصعاب كثيرة في رحلة التنقل واللجوء، لكنه اجتهد في تحصيله العلمي وتكفل بتعليم أخواته البنات الخمس في جامعة دمشق. كان مقربًا من الراحل ياسر عرفات داخل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث عمل مستشارًا ثقافيًا وسياسيًا في الستينيات والسبعينيات، ووصل إلى مراتب عليا في الدولة في سوريا أيضًا في مجالي الثقافة والأدب، وتحول إلى مرجع في التعليم والنقد الأدبي والأدب المقارن. حرص على غرس حب العلم والثقافة في أبنائه وجعل التعليم أولويتهم، لا الشكل والمال؛ فكان يعطيها كتب الأدب العربي والعالمي لتقرأها وتلخصها منذ سن صغيرة، وحرص على تعليمها الشعر العربي، حتى إنه كان يحدث أبناءه باللغة العربية الفصحى.
تعلمت اللغة الفرنسية كلغة أجنبية منذ بدايات الدراسة الابتدائية، ثم علمها والدها اللغة الإنجليزية في سنوات المراهقة. بدأت تعلم البيانو في المعهد العربي للموسيقى وهي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، وتخرجت في السادسة عشرة بعد أن أكملت مرحلة التعليم الأساسية في الموسيقى الغربية، وكانت قد أغرمت بشوبان وتشايكوفسكي.
الرحلة إلى أمريكا وبناء الشخصية القيادية
في نهاية المرحلة الثانوية قضت عامًا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اصطحبها والدها معه لقضاء سنة كاملة في مسيرته الجامعية للبحث في جامعة إنديانا. كان لهذه التجربة أثر كبير في تكوين شخصيتها وخروجها من الخجل والانطواء، كما أسهمت في تقوية لغتها الإنجليزية ومنحها ثقة كبيرة في نفسها كمتحدثة لثلاث لغات بطلاقة، خاصة أنها تفوقت على التلاميذ الأمريكيين أنفسهم في مادة اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية.
من الموسيقى إلى الترجمة
في خطوة جريئة قررت الاستغناء عن دراسة الموسيقى والتوجه إلى الترجمة بعدما وجدت في نفسها موهبة استثنائية في اللغات، التي تعتبرها من أهم نقاط قوتها. حصلت على قبول في جامعة جنيف، حيث توجد واحدة من أبرز كليات الترجمة والترجمة الفورية في العالم. وقبل تخرجها كانت قد تعلمت الإسبانية والإيطالية والألمانية إلى جانب لغاتها الأساسية في الكلية، وهي العربية والفرنسية والإنجليزية، كما درست شيئًا من اليونانية، وعملت فترة في منظمة الصحة العالمية في مجال الترجمة.
من الترجمة إلى الصحافة
رغم تميزها في الترجمة والوضع المالي الممتاز آنذاك لفتاة في عمرها، ورغم المستقبل الواعد لحياة مستقرة في جنيف ضمن منظمة دولية تمنح موظفيها ميزات عديدة، شعرت بأن عملها مترجمة في الأمم المتحدة لم يكن يحقق شيئًا ملموسًا أو هدفًا ساميًا. سرعان ما هجرت هذا العمل وقررت التحول إلى الصحافة، التي اعتبرتها فرصتها للتعبير عن أفكارها بدلًا من نقل أفكار الآخرين من لغة إلى أخرى. وخلال سنوات دراستها الجامعية عملت في إذاعة سويسرا العالمية، القسم العربي، وكانت تلك أول تجربة مهنية لها في الصحافة.
قناة الجزيرة الإخبارية
انتقلت إلى قطر عام 1996 بعدما استقر والدها أستاذًا في جامعة قطر. بدأت تجربتها في الصحافة من خلال صفحات جريدة الراية القطرية وأثير إذاعة قطر باللغة الفرنسية، وكثيرًا ما كانت تجد نفسها في تلك المرحلة المرأة الوحيدة في المؤتمرات الصحافية المحلية.
في نهاية عام 1997 التحقت بقناة الجزيرة بعد عام من انطلاقها، متدربة في غرفة الأخبار أولًا، ثم عينت في وظيفة صحافية وسرعان ما أصبحت محررة نشرات أخبار تدير النشرة على الهواء والتغطيات الحية. وكانت المرأة الوحيدة ضمن فريق من أربعة أشخاص يشرفون على مدار 24 ساعة على التغطية الحية لغزو العراق عام 2003.
التغطيات الميدانية
رغم ما حققته من إنجازات في فترة قياسية وإعدادها عدة تقارير عن موضوعات فنية في قطر، فإنها لم ترض طموحها؛ إذ كانت تتوق إلى الخروج إلى الميدان. فتحت إدارة الجزيرة شهيتها للعمل الميداني حين اختارها المدير آنذاك محمد جاسم العلي لمهمة فتح مكتب للقناة في العاصمة الصينية بكين، حيث باشرت فورًا دراسة اللغة الصينية. أعدت تقارير ميدانية عن شتى الموضوعات في الصين، واستمتعت كثيرًا بالتقارير المطولة لبرنامج «مراسلو الجزيرة». وانتهى بها الأمر مستقرة في هونغ كونغ، فكانت أول مراسلة متجولة في الجزيرة، تغطي جنوب شرق آسيا بصورة أساسية. وفي تلك الفترة غطت أحداثًا في بلدان عدة، منها لاوس وفيتنام وتايوان وتايلاند والصين.
من هونغ كونغ انتقلت عام 2005 إلى فنزويلا لفتح مكتب إقليمي للجزيرة في أمريكا اللاتينية، فسارعت إلى تعلم اللغة البرتغالية كي تكون مستعدة لتغطية البرازيل.
غطت من فنزويلا بلدان أمريكا الجنوبية والوسطى، ومنها كولومبيا وفنزويلا وتشيلي والأرجنتين والبيرو والإكوادور وبوليفيا والمكسيك والبرازيل والأوروغواي ونيكاراغوا وكوبا وجزر الكاريبي. كانت تتقفى آثار زحف اليسار في تلك البلدان مع موجة اكتساح زعمائه الانتخابات؛ فقد كانت حقبة تغيير في القارة وخطابًا معاديًا للإمبريالية ومساندًا لقضايا الجنوب، وأهمها فلسطين.
تغلغلت في أوساط زعماء اليسار، وكانت تنشر السبق الصحافي تلو الآخر، كما أجرت مقابلات حصرية مع رؤساء في أوقات كانت وسائل الإعلام العالمية الأخرى تسعى للوصول إليهم ولا تصل، ومن أبرزهم أوغو تشافس في فنزويلا، ولولا دا سيلفا في البرازيل، وإيفو موراليس في بوليفيا. وتمكنت من تحقيق هدفها في تعريف العالم العربي بأمريكا اللاتينية، بتاريخها وتنوع شعوبها وتجاربها الثورية، كنموذج يختلف عن نماذج الشمال. كما كسرت احتكار وسائل إعلام الشمال للوصل بين شعوب الجنوب؛ فكانت الأخبار من أمريكا اللاتينية تصل إلى الجمهور العربي عبر الجزيرة مباشرة من وجهة نظر وسيلة إعلام جنوبية، من دون المرور بوكالات الأنباء الأوروبية المعتادة التي تنظر إلى هذه الشعوب بنظرة أوروبية بيضاء تشوبها رواسب استعمارية.
شخصية مؤثرة على مواقع التواصل الاجتماعي
عندما اندلعت الثورات العربية كانت مقيمة في فنزويلا، فلم تجد متنفسًا للتعبير عن رأيها أفضل من مواقع التواصل الاجتماعي. انخرطت عبر تويتر في متابعة أحداثها وتغطيتها، وأصبح لها صوت مؤثر آنذاك، وحظيت بنسبة كبيرة من المتابعة والتفاعل، وهو ما مهد لانتقالها من الصحافة التقليدية إلى الصحافة الرقمية.
تجربة قنوات AJ+
شهدت مسيرتها المهنية منعطفًا جديدًا سنة 2015، حين كلفت بإدارة قنوات AJ+، وهي قنوات رقمية موجهة إلى الشباب بأربع لغات: الإنجليزية والعربية والإسبانية والفرنسية. حققت القنوات نجاحًا في أسواق كبيرة عدة حول العالم، أولها الولايات المتحدة الأمريكية والمنطقة العربية وبلدان ناطقة بالفرنسية والإسبانية، وحصدت ثمار اجتهادها في إدارة هذا المشروع عددًا كبيرًا من الجوائز العالمية المرموقة في مجال الصحافة والإعلام الرقمي والابتكار.
تحديات القيادة
لم تكن قد درست الصحافة، لذلك كان عليها أن تتعلم الكثير في وقت قصير وأن تواكب جميع التغيرات، لا سيما في إطار عملها مع قامات الإعلام في العالم العربي. ساعدها إتقان العربية وإلمامها بلغات عدة على التميز. ولم يكن من السهل إدارة قنوات عبر قارات عدة مع فرق شابة من ثقافات مختلفة، وهنا استثمرت رصيدها من التجارب المتنوعة وأسفارها وظروف نشأتها في مجتمع متنوع، لتتمكن من التفاهم والتواصل مع عقليات وخلفيات مختلفة والعمل على منتجات رقمية تحقق نجاحات واختراقات في أسواق تتباين فيها التحديات والمصاعب. ورغم إنجازاتها ونجاحاتها، واجهت على مدار مسيرتها التقليل من شأنها كونها امرأة، والعراقيل البيروقراطية، إلى جانب القيود على حرية التعبير وحرية الصحافة والتنمر الإلكتروني.