حنان اليافعي
دليل الشخصيات ←

حنان اليافعي

واجهت القوالب الجاهزة بشخصية حرة، وحولت الانفصال والقيود إلى دافع للتعلم والعمل وبناء حياة تشبهها.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 83–90

حنان اليافعي، خبيرة إعلامية في المؤسسة القطرية للإعلام، وتحديدًا في الإذاعة الإنجليزية، ومقدمة برامج في قناة الريان الفضائية وناشطة في مواقع التواصل الاجتماعي. حصلت على بكالوريوس في اللغة العربية وماجستير في القيادة التربوية من جامعة قطر، وجمعت في مسيرتها بين الإعلام والتعليم والعمل التطوعي.

طفلة هادئة

تميزت خلال طفولتها بالهدوء وقلة الاختلاط بأترابها، فلطالما كانت تميل للعزلة لتختلي بكتبها وتنهل منها وهو ما جعلها تنمي مهاراتها في القراءة والكتابة في سن مبكرة كما أنها وسعت معارفها وثقافتها من خلال الاطلاع على كل ما يقع بين يديها من كتب وصحف ومجلات، ورغم شح مصادر المعرفة التي كانت مقتصرة على المكتبة والصحف والتلفزيون إلا أن الفضول وكثرة طرح الأسئلة جعلها تستفيد بشكل موسع من خبرات ومعارف المحيطين بها.

غرس فيها والدها غير المتعلم حب القراءة والعلم حيث كان يداوم على قراءة القرآن الكريم والصحف، كانت علاقتها به قوية جدًا وكان الشخص الأقرب إلى قلبها، وكانت تنتظر بشغف عودته للمنزل ليحضر لها الصحف التي تلتهمها بشغف لا سيما صفحة الشعر والكلمات المتقاطعة التي تشدها بشكل خاص، ولم تكن مثل معظم أبناء جيلها الذين يمتنعون عن الذهاب للمدرسة بل لطالما اعتبرتها مكانها المفضل الذي تقضي فيه أفضل ساعات يومها فلا تتغيب أبدا عن الدراسة وهو ما جعلها تحظى بحب مدرساتها وزميلاتها وكانت نموذجا للطالبة المثالية المجتهدة والمتفوقة التي تشارك سنويا في مسابقة حفظ القرآن الكريم وحصلت على الكثير من شهادات التقدير.

وعي مبكر يرفض القوالب

خلال المرحلة الإعدادية زاد الشغف بالعلم والمعرفة وبدأت تحاول طرح آراء خارج سرب الموروثات والدفاع عن موقفها فصارت تناقش وتنتقد كل الأفكار التي تطرح أمامها سواء داخل الصف أو في البيت أو مع زميلاتها وبدأت تستقل برأيها عن سلطة العائلة ولم تعد تذعن للأوامر التي كانت في السابق تنفذها دون سؤال أو تفكير، وعلى الرغم من محافظتها على تفوقها الدراسي، بدأ التصادم بينها وبين أفراد أسرتها لا سيما والدتها وإخوتها في حين تغاضى والدها عن شخصيتها العنيدة، في هذه الفترة بدأت تتضح توجهاتها الأدبية خاصة حب الشعر وكانت تتابع كل صفحات الشعر في الجرائد بشكل سري وتأثرت كثيرًا بأشعار فالح العجلان الهاجري الذي لقيت فيه قدوتها، واكتسبت بعد ذلك ملكة كتابة الشعر، وبدأت في كتابة الشعر ومراسلة الصحف على استحياء نظرًا للظروف الاجتماعية والتشدد الكبير في عائلتها.

رغم التشدد والبيئة المنغلقة والمحافظة التي نشأت فيها إلا أنها كانت صاحبة فكر متحرر وناقد ولم تكن تقبل القوالب الجاهزة ودائمة المساءلة للعادات والتقاليد التي نشأت عليها، وقد ساهمت القراءة بشكل كبير في رسم شخصيتها وشكلتها فلقيت التقدير والدعم الذي لم تجده في العائلة خارجها سواء من المدرسة أو الجامعة أو المحيط الخارجي من خلال الجوائز والشهادات التي حصلت عليها كطالبة مثالية متفوقة وهو ما جعلها تكتسب ثقة كبيرة وتكون على قناعة تامة بأنها تسير في النهج الصحيح.

قرار يعيد بناء الحياة

أما النقطة المفصلية والحدث الأهم الذي ساهم في تغيير شخصيتها فكان الانفصال، بعد 13 عاما من الزواج، حيث شجعها الانفصال على تغيير وتطوير شخصيتها وإعادة النظر في العادات والقيم والممارسات والأفكار الاجتماعية واكتسبت استقلالية أكبر تمكنت بعده من الانطلاق نحو تحقيق أحلامها، لا سيما أنها مرت بفترة صعبة بعد الانفصال بسبب الشعور بالوحدة ومعارضة الأهل لقرارها بالانفصال وهو ما جعلها تعول على نفسها وتبدأ من الصفر دون مساعدة أو دعم من أحد، حتى أن المشاكل والتحديات التي واجهتها بعد الانفصال أعادت تشكيل ملامح شخصيتها لتكون ما هي عليه اليوم.

بين الإعلام والتعليم

عملت في القطاع التعليمي منذ سنة 1997 إلى سنة 2010 كمعلمة للغة العربية وحصلت على شهادة شكر وتقدير من التوجيه التربوي وتم بعدها مباشرة ترشيحها لتكون من ضمن الكوادر التدريسية في مدرسة البيان العلمية قبل أن تصبح المستقلة، فكانت من روادها وتدرجت بعد ذلك في المدارس المستقلة في عدة مناصب وساهمت في تطوير مناهج التدريس وتأسيس رؤية ورسالة عدد من المدارس والأهداف والاستراتيجية.

أما في مجال الإعلام فقد بدأت بالمشاركات على المستوى المحلي لتصل بعد ذلك إلى المستوى العربي وقدمت ورقة عمل في منتدى الدوحة حول تجربة المركز في مخيمات اللاجئين ومثلته في العديد من المحافل إضافة إلى مشاركتها في تطويره وإعادة هيكلته وتحديد اختصاصاته، وقد وجدت شغفها في مجال الإعلام وقررت تطوير مهاراتها وصقل قدراتها والتحقت بالعديد من الدورات في مجال التقديم التلفزيوني والإخباري وسعت لتكون مقدمة برامج وقد أتيحت لها الفرصة في قناة الريان وما زالت إلى اليوم تواصل العمل بها وتحرص على تطوير نفسها في هذا المجال.

العمل التطوعي

في خضم انشغالاتها الكثيرة بين التزاماتها تجاه أبنائها وعملها وملاحقة أحلامها تحرص أشد الحرص على أن تكون فاعلة في المجتمع من خلال المشاركة في العديد من الأنشطة والفعاليات المجتمعية المختلفة فكانت من بين المتطوعين مع الهلال الأحمر القطري ضمن جائحة كورونا.

الدراجات الهوائية هواية واستثمار

علاوة على شغف القراءة الذي لازمها في مختلف محطات حياتها وساعدها في تجاوز العديد من المحن تهوى ركوب الدراجات الهوائية، وهو ما قادها لتأسيس مشروع تجاري لتأجير الدراجات الهوائية، وتم احتضان المشروع من قبل حاضنة قطر للأعمال الرقمية وتم ترشيحه للمشاركة في مسابقة ريادة والتي ينظمها مركز نماء.

العائلة ومساحة التوازن

لم تحظ بحياة سهلة لا في العائلة ولا في المسيرة المهنية فقد واجهت العديد من التحديات منذ مرحلة المراهقة والشباب وأكبرها كان التعرض للعنف اللفظي والجسدي من قبل الأسرة لكنها كانت تواسي نفسها بأنها مجرد مرحلة صعبة ومؤقتة ستمر وأن سبيلها الوحيد للخلاص هو المعرفة والعلم والتفوق الدراسي، فكانت الظروف الصعبة حافزا لها أكثر من كونها عائقا.

كما كان الانفصال لحظة فاصلة في حياتها فقد تغيرت كل الموازين وانقلبت حياتها رأسا على عقب بكل ما تعنيه الكلمة لأنها اضطرت للقيام بالكثير من التنازلات والتضحيات، حيث وجدت نفسها مجبرة على الاختيار بين الاستمرار في حياة لا تشبهها ولا ترغب بها أو الانفصال ومواجهة المحيط فدخلت في مواجهة مع الأبناء والزوج والمجتمع والعائلة دفعة واحدة، ولم تجد في أحلك فترات حياتها سندا بل وقف الجميع ضدها لا سيما عائلتها، وكان الدعم محصورا في بعض المقربين وهو ما جعلها تتخذ مجموعة من القرارات المصيرية وتعيد ترتيب أوراقها وأولوياتها وعلاقاتها، وبدأت في بناء حياتها بمفردها متسلحة فقط بعملها وكفاءتها وحسن الظن بالله ولا شيء سواه.

التحديات حافز للنجاح

كل هذه التحديات لم تثنها عن قراراتها ولم تحبط عزيمتها فكانت ترد على الانتقادات بالصمت والاجتهاد في العمل لتتمكن من النجاح والتميز وعدم الالتفات لكلام الناس والانتقادات وعدم التأثر لكونها تستمد تقديرها لنفسها من ذاتها فلا يرفعها مدح ولا يثنيها ذم، فأوجدت في كل تحدي فرصة للنجاح وفي كل عقبة إشارة على ضرورة تغيير الطريق، وفي كل موجة دعوة للانتباه، كل المشاكل أكسبتها خبرة ومناعة وساهمت في تقربها من الله عز وجل.

الحرية المنضبطة بالقيم

يقال إن القسوة تولد القسوة لكن لم يكن الحال كذلك معها، التي رغم القسوة التي تعرضت لها من أقرب الناس إليها إلا أنها حافظت على مبادئها التي تؤمن بها وواصلت التعامل بالحسنى مع الجميع حتى الذين ألحقوا بها الأذى، ولم تدخر جهدا في البذل والعطاء إيمانا منها أنه كلما أعطى الشخص أكثر، ازدادت الفرص والخيرات التي ينالها وأن وراء كل تحدي ومشكلة رسالة تدعوها لتغيير مسارها أو تعديله أو أن هذه العقبة ستعود عليها بالفائدة والخير في وقت لاحق.