

حصة السويدي
جمعت الشعر والمسرح والكتابة بروح عصامية لا تخشى التحول، وصاغت من التجربة فكرًا وقلمًا.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 67–74
حصة خليل السويدي، إعلامية وسيدة أعمال ومستشارة ثقافية وكاتبة. استثمرت خبراتها ومواهبها في الاستشارات الثقافية من خلال شركة «كن»، وفي الكتابة الإبداعية من خلال كتاب «معجون إنسان»، وجمعت في مسيرتها بين الإعلام والأعمال والشعر والمسرح والثقافة.
أم ناجحة ومثابرة
عالم كان محاطا بالسيدات فهي تربية امرأة مجتهدة ومثابرة شقت طريقها نحو النجاح في فترة السبعينيات حين كان المجتمع غير متقبلا للمرأة القوية الفاعلة والمؤثرة والتي تعول على نفسها وتأبى الاستسلام أو الرضوخ، فكانت من أوائل السيدات اللواتي دخلن مجال العمل في البترول في شركة شل قبل أن تصبح قطر للبترول، وكان عددهن لا يتجاوز أصابع اليد، فتأثرت كثيرًا بجانب الصراع والتحدي والعطاء الذي عايشته والدتها نظرًا لكون معظم النساء في تلك الفترة كن ربات بيوت في حين أن أمها أصرت على المواجهة واختارت الشقاء والتعب من أجل أطفالها في جو تنافسي.
ونظرا لضغوطات الشغل التي كانت تواجهها والدتها وتعارض وقتها مع وقت ابنتها الوحيدة، اضطرت لقضاء الكثير من الوقت مع أمها في مقر عملها ومخالطة زملائها وهو ما مكنها من إتقان اللغة الإنجليزية من خلال الممارسة كما تعلمت التواصل مع المحيطين بها دون تحفظ مبالغ وهو ما قوى شخصيتها وجعلها شخصية اجتماعية وواثقة من نفسها وقادرة على التواصل بكل سهولة وسلاسة مع الجميع، وفي مراحل متقدمة من طفولتها توطدت علاقتها أكثر بوالدتها باعتبارها البنت الوحيدة حيث كانت أمها تساندها وتدعمها وتجاريها في كل المواقف والظروف المتقلبة والصعبة.
تضحية وتنازل
رغم النجاح الكبير في عملها إلا أن والدتها المضحية قررت التنازل عن حلمها وطموحها لتتمكن من تخصيص وقت أطول لعائلتها وابنيها، وانتقلت للعمل في مجال التدريس رغم قدراتها وكفاءتها العالية على أمل أن تكون شمعة تحترق لإنارة درب ابنيها.
عاصرت هذه التضحية والتنازل بكل تفاصيلها ووجدانياتها وجزئياتها وانتقل لها شعور الفخر الذي شعرت به الأم لقيامها بهذه التضحية والألم المصاحب له بعد تخليها عن حلمها وهو ما جعلها تشعر بمسؤولية كبيرة تجاه والدتها.
رخصة السياقة
رغم تنازل أم عن طموحها في منصب قيادي في شركة كبيرة والانتقال إلى مجال التعليم إلا أنها لم تتنازل عن رغبتها في الاستقلالية حيث استمرت في مطالبة الدولة بتوفير مسكن لها حتى كان لها ما أرادت وكانت من أوائل الأشخاص الذي حصلوا على منازل، وواصلت الكفاح لتوفير الحياة الكريمة لها ولأبنائها فسعت للحصول على رخصة سياقة التي كانت نادرا ما تمنح لسيدة قطرية ولم تكن متاحة وفعلا حصلت عليها وهو ما جعل البنت الشابة تنبهر بنضال والدتها وإصرارها على تحقيق أحلامها رغم التحفظات الاجتماعية والعقبات الكثيرة التي كانت تواجهها قد اكتشفت في خضم هذا الصراع وجود جزء كبير من المجتمع القطري يحترم طموح المرأة ويحتضن مطالبها المشروعة بكل رحابة صدر وواجهت في الوقت نفسه الرأي المعارض والمتشدد الذي تصدت له والدتها بكل عزيمة وإصرار كما حرصت أن لا تؤثر هذه المواقف والمواجهات على أبنائها سلبا ولا يؤثر عليها في مسيرة حياتها.
كل هذه المواقف ساهمت بطريقة إيجابية في تشكيل شخصيتها الصلبة وكانت بوصلتها للحكم على جميع المواقف التي تواجهها، كما أن والدتها لم تقصر يوما في توفير كل احتياجاتها وتوفير حياة مرفهة لها لا سيما أنها كانت وحيدتها المدللة، لكن هذا لم يجعلها اتكالية أو معتمدة بل بالعكس كانت تفضل الاعتماد على نفسها والاجتهاد لتحقيق أحلامها والسير في نفس طريق والدتها وطرق جميع الأبواب والمبادرة والبحث واستغلال جميع الفرص المتاحة لتكون شخصية منتجة وإيجابية.
محطات صنعت خبرة متعددة
بعد أن تخرجت من جامعة قطر في تخصص الإنجليزية، دخلت مباشرة إلى السلك الأكاديمي وتدريس اللغة الإنجليزية الذي وجدت فيه شغفها وحماسها وتمكنت منذ السنة الأولى في المجال من الإبداع وتقديم طرق ووسائل مبتكرة وناجعة ونالت الثناء والشكر والإطراء من الموجهات التربويات، حتى إن إحدى الموجهات أشادت بموهبتها وقدراتها العالية في المجال وهو ما حفزها على مزيد من الإبداع، وتم بعد ذلك تداول اسمها في وزارة التربية والتعليم إلى أن تم اختيارها ضمن قائمة المعلمات صاحبات الطرق النموذجية في التدريس، وأصبحت قدوة للعديد من المدرسات اللواتي كن يجتمعن عندها للاستفادة من خبراتها وقدراتها رغم كونها ما زالت جديدة في المجال.
وبعدها ظهرت فكرة المدارس المطورة فكانت إحدى رائدات هذا المشروع وشاركت في وضع المناهج وتأسيس المدارس المتطورة، ورغم النجاح والتميز في مجال التدريس إلا أنها قررت خوض غمار مجال جديد وأتيح لها فرصة ذهبية لتكون مديرة المكتب الخاص لصاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر وقد شغلت هذا المنصب لمدة 5 سنوات، وكانت نقلة نوعية في مسيرتها وحياتها لا سيما أنها حظيت بثقة الأولى التي لاحظت موهبتها وقدراتها المكنونة، وقد حرصت على أن تكون على قدر المسؤولية والثقة وحاولت استثمار جميع خبراتها وقدراتها ومواهبها لتقديم الأفضل لتتمكن من ترك بصمة، وقد تمكنت خلال هذه الفترة من تكوين شبكة قوية من العلاقات في المجال الإعلامي من خلال المشاركة في الأنشطة والفعاليات الثقافية المختلفة والأمسيات الشعرية داخل وخارج قطر التي جعلتها تظهر للعلن وتصبح من الأسماء البارزة في المجال الثقافي والإبداعي بشكل عام، ومن المحطات المهمة والمنعطفات الكبرى في مسيرتها كان عملها في شركة كيوتل للاتصالات لمدة 5 سنوات قبل أن تتحول إلى أوريدو للاتصالات والتي شكلت مرحلة مهمة في حياتها لا سيما مع وجود الدعم الكبير واللا محدود للكوادر القطرية بفضل الجهود الكبيرة للدولة التي جعلت قطر تعيش عصرها الذهبي وتكون في أوج عطائها مع أبنائها، وكانت هذه المحطة فرصة ذهبية للانتقال إلى عالم الاتصالات والإعلام إلى جانب التدريب، وقد وجدت الكثير من فرص العمل في مجالات مختلفة وتمت عملية استقطابها من العديد من الجهات للتدريب، كما تم استقطابها للعمل كإعلامية من عدة جهات.
من المسرح والكتابة إلى الإعلام
خلال محطاتها المختلفة تمكنت من أن تكون محط أنظار الإعلام وهو ما شجعها على الانتقال للمحطة الموالية والدخول إلى المجال الإعلامي والثقافي لتنتقل رسميا إلى مجال الإعلام الذي اشتغلت فيه لمدة 4 سنوات مع قناة الريان التي كانت تتميز بتوجهها التراثي وهو ما جعل هذه التجربة مميزة مثيرة لكن رغبتها في التغيير المستمر والتقدم وخوض تجارب جديدة جعلها تفكر في الانتقال إلى المرحلة الموالية وقررت أن تكون سيدة نفسها وصاحبة قرارها بعد أن تشبعت بمختلف الخبرات الإدارية واكتفت من الشهرة الإعلامية فخرجت من الإعلام المقنن التقليدي السائد وقررت انتهاج طريقها الخاص في الإعلام والتدريب واستثمار خبرات السنين وقدمت استقالتها وهو ما تعتبره قرارا صائبا.
قبل خروجها من مجال الإعلام أسست شركتها الخاصة «شركة كن للاستشارات» التي وضعت فيها مدخراتها وخبراتها والتي جعلت روحها المبدعة تظهر وتينع من خلال مختلف الأنشطة والخدمات التي تقدمها عن طريق شركتها وعوضت من خلالها ما فات وصححت الأخطاء وقدمت الجديد والمبادرات والمشاريع وخاضت من خلالها المغامرات وحققت ذاتها دون قيود أو شروط وهو ما جعلها تحظى بتقدير واحترام كبير في الوسط الإعلامي والثقافي وقطاع الأعمال وأصبح يشار لها بالبنان وتم استدعائها في العديد من المحافل الدولية لتمثيل قطر ولحضور اجتماعات على مستوى عال في الدولة لتقديم الاستشارات.
حين يصبح الإصرار قوة
لم يكن الطريق معبدا أمامها لتصل إلى ما وصلت إليه من إنجازات فقد واجهت العديد من الصعوبات والتحديات من بينها عدم قبول طلب دراسة الماجستير وهو ما كان بالنسبة لها كبوة وعثرة، لكنها لم تستسلم بل حتى إن هذا الرفض أعطاها دافعا لمزيد من التقدم والإبداع وإثبات الذات.
كما أنها لم تكن راضية عن ممارسات بعض النظم الإدارية في بعض محطاتها المهنية الإعلامية فهي تعتبره نظاما عقيما من الناحية الابتكارية، متزمت ومجحف وفيه العديد من السلبيات مثل الشخصنة والواسطة وبعض الفساد الإداري، وهو ما جعلها تتعرض للعديد من المواقف الجارحة والمحبطة لا سيما المنافسة غير الشريفة وابتعاد البعض عن الناحية الاحترافية والمهنية وهو ما جعل مقر العمل في كثير من الأحيان يتحول إلى ساحة حرب وهي من الأمور التي غيرت مسارها وطريقة تفكيرها ورؤيتها وتصرفاتها وأثرت على قراراتها، لكنها في النهاية استثمرت كل المواقف لتحسن تسيير شركتها الخاصة.
تجربة الكتابة والهموم الإنسانية
بدأت كتابة الشعر في سن مبكرة جدًا في مختلف المواضيع فكانت تخط على الورق كل ما تعيشه وتحسه، فوجدت في الكتابة حياة وألقى بها شغفها على ضفاف المسرح فكانت لها تجربة متواضعة في الكتابة المسرحية فكتبت لمسرح العرائس ثم تدرجت حتى كتبت للكبار بإشراف المخرج والكاتب التونسي «بوكثير دومة» وتركز الآن على تطوير مهاراتها في الكتابة المسرحية والأدب الاجتماعي، وأصدرت سنة 2021 مؤلفها الأول «معجون إنسان»، وهو عمل أدبي خارج عن المألوف وبعيد كل البعد عن التقليدية وهو عبارة عن مجموعة مقالات ذات طابع إنساني أقرب إلى الأدب الاجتماعي يمتزج فيها الفن بالمخيلة الإبداعية والكتابة بالرسم ويحاكي الفنانون التشكيليون بمختلف مدارسهم وأبعادهم الفنية ما بين السطور ويختلف الإخراج الإبداعي بينهم حيث حاول كل واحد فيهم معايشة المقال حسب مخيلته الفنية.
وهي تجربة ثرية للكاتبة والرسامة في آن واحد وحيث تأخذ اللوحة الفنية الكلمة إلى أبعاد مختلفة، ويبين هذا العمل أنه كلما زادت التجارب زاد الإبداع والعمق والثراء.
وكانت النتيجة أن عكست الأعمال الفنية مختلف المحطات للكاتبة وانفعالاتها وآرائها التي كانت عصارة 25 سنة من التجارب الإنسانية بشتى المواقف ومعتركات الحياة.
رب ضارة نافعة
كل هذه التجارب المتنوعة والعوائق جعلت منها شخصية منفتحة ومنطلقة قادرة على تفهم واستيعاب الرأي الآخر والتعامل بكل موضوعية ورحابة صدر مع كل المواقف ومختلف الأشخاص المحيطين بها مهما كان مستوى الاختلاف.