حمد الهاجري
دليل الشخصيات ←

حمد الهاجري

حول شغفه بالتقنية إلى مشروع ريادي، وبنى أعماله بالتحدي والابتكار وتجاوز البدايات الصعبة.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 480–487

حمد مبارك الهاجري، رائد أعمال قطري في المجال التقني.

النشأة والطفولة

ولد سنة 1979 م ونشأ في أم صلال وسط عائلة قطرية تقليدية متوازنة متوسطة الحال، ثم انتقل للعيش بمدينة الخبر بالمملكة العربية السعودية مع والدته وأخواله بعمر الخمس سنوات، وعاش طفولة هادئة بين عائلته الموسعة وأبناء الحي، ثم عاد إلى قطر في عمر الثامنة عشرة سنة. قسم أوقاته بين المدرسة ولعب كرة القدم ومشاهدة الكرتون، ولم ينغص طفولته الهادئة سوى بعض التحديات التي واجهها على المستوى الاقتصادي، لكنه لم يستسلم واستثمر ذكاءه ليتحول إلى رائد أعمال طفل، فلم يكن ينفق عيديته أو مصروفه الشخصي بل يدخره ويستثمره في شراء الألعاب وبيعها للأطفال بأسعار أعلى، وبعد ذلك يشتري بالمبلغ الذي كسبه هدية لوالدته التي كانت داعمة له ولها دور كبير في تغذية طموحه ورسم ملامح شخصيته الرصينة والعقلانية، فوالدته توقعت له مستقبلًا مشرقًا وآمنت بموهبته الاستثنائية ولاحظت ذكاءه الحاد.

لم تكن والدته الوحيدة التي لاحظت قدراته وآمنت بموهبته، ففي عمر الست سنوات، أهداه خاله إبراهيم الهاجري -وهو مبتكرٌ معروفٌ - جهاز حاسوب وكتبًا في مجال البرمجة، ورغم أن الكتب لم تكن مناسبةً لعمره الصغير، غير أنها أسهمت في تكوين اهتمامه العلمي والتقني، وبالفعل استفاد من هذه الكتب وبدأ يتعلم برمجة الألعاب وهو في عمر السبع سنوات، وهو ما بنى شخصية المبرمج والمبتكر والتقني لديه.

الطفل الذكي الذي كان تفكيره يسبق عمره، لم يجد صعوبات في مسيرته الدراسية، فقد كان ضمن الطلبة المتميزين على مدار مسيرته التعليمية من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية، ورغم تخرجه من الثانوية العامة بنسبة جيدة، إلا أنه لم يتمكن من إكمال الدراسة الجامعية واضطر للبحث عن عمل فالتحق سنة 1999 م بشركة قطر للطاقة بصفة مساعد فنيٍ في العمليات البحرية بمرتب ضعيف بالكاد كان يغطي احتياجاته الضرورية لا سيما مع حرصه على تولي مسؤولية والدته وإخوته الأصغر سنًا.

دخول مجال الاستثمار

بعد النقلة الاقتصادية التي شهدتها دولة قطر وتغير الأحوال الاقتصادية في البلد، قرر استثمار الانفتاح الاقتصادي فبدأ أول مشروع في حياته سنة 1999 م بمنطقة الريان وهو مشروع بيع أجهزة الحاسوب وفي الوقت ذاته شركة برمجة للأجهزة الذكية. ولم يمنعه مشروعه من الاستمتاع بشبابه بممارسة رياضته المفضلة الراليات، إذ تمكن من تحقيق التوازن بين المسؤوليات الأسرية ومساعدة عائلته، لكن أسلوب حياته وطريقة تفكيره تغيرت بشكل جذري بعد تعرضه لثلاثة حوادث سير خطيرة كادت أن تودي بحياته بسبب هوايته، نجا منها بأعجوبة، فقرر تحسين حياته والتركيز على مسيرته والاجتهاد لتحقيق طموحاته، فأصبح شخصًا مسؤولًا أكثر وتغيرت أولوياته وصار أكثر تقديرًا للأسرة.

العودة لمقاعد الدراسة

بعد العمل في قطر للطاقة لعدة سنوات، وفي إحدى الليالي بينما كان يعمل في جزيرة حالول، وقف مع نفسه وقفة تأمل ومراجعة للذات وتساءل إذا ما كان في قاع الفشل أو في بداية النجاح؟ وكيف له أن يغير وضعه الحالي، إذ كان يعمل مساعدًا فنيًا لساعات طويلة في اليوم مقابل مبلغ زهيد، وكان أول ما خطر في باله هو أن ما جعله بعيدًا كل هذه المسافة عن تحقيق هدفه هو عدم حصوله على شهادة جامعية. وفي اليوم التالي سأل عن إجراءات العودة للدراسة وتوجه للمسؤولين وأعطوه خريطة طريق طويلة مكونة من ستة عشر اختبارا، يدخل بعدها البرنامج التأهيلي، لتكون الخطوة التالية هي الدراسة في قطر لمدة سنتين ثم يمكنه السفر للدراسة بالخارج، وبالفعل دخل البرنامج وأتم السنتين، وبعد ثلاث سنوات من الاجتهاد بلغ الدرجة الأولى من سلم أحلامه بالسفر للدراسة في الخارج، إذ توجه إلى أستراليا عام 2003 م لدراسة تخصص هندسة التحكم الآلي، ثم عاد بعد حصوله على درجة البكالوريوس إلى قطر عام 2006 م. لم يكن سقف طموحه الحصول على درجة البكالوريوس وحسب، بل استمر في كتابة تاريخه التعليمي، وتوجه بعدها إلى بريطانيا في عام 2008 م لدراسة الماجستير في إدارة المشاريع الهندسية، ثم عاد عام 2009 م إلى دولة قطر مرفوع الرأس بتخرجه المشرف بعد مسيرةٍ تعليمية تكللت بالنجاح والتفوق.

خسارة في البورصة تهز كيانه وتغير مساره

بالتوازي مع عمله في قطر للطاقة، دخل مجال البورصة التي كان يستثمر فيها جميع أمواله، وظهر إعلاميًا محللًا في البورصة التي كانت تعد أسرع وسيلة لتحقيق الثراء. لكن سنة 2007 م تعرض لخسارة كبيرة هزت كيانه وتسببت له في أزمة قلبية دخل على إثرها المستشفى ثلاثة أسابيع ودخل في دوامة الديون والأحزان.

لم يكن لديه من خيار سوى تحسين وضعه المادي وراتبه، فقرر السفر إلى اليابان في سنة 2010 واستمر إلى 2012 ليعمل لصالح قطر للطاقة في مشاريع خارجية مما سيرفع راتبه، وبالتوازي أراد الاستثمار في تعليمه وهو ما أسهم بشكل كبير في تغيير مساره، لأنه اتخذ قرار تحسين المستوى الثقافي والعلمي والأكاديمي والخبرة. وبالفعل كانت تجربةً ثريةً، فتعلم اللغة اليابانية وراكم خبرات كثيرة وتعلم دروسًا أكثر أهمها أنه يجب الحصول على أكبر قدر من الخبرة، وبالفعل حصل على خبرة كبيرة وأيضًا حسن أوضاعه المادية، وتمكن من ممارسة شغفه الذي كان مجديًا ماديًا كذلك. خلال تلك المرحلة اتضحت رؤيته بشكل كبير وحدد مساره وقرر دخول المجالات التي يحبها، من بينها المجال التقني ومجال الاستشارات وتطوير الأعمال، لكنه بعد العودة إلى قطر لم يتخذ أي خطوة جدية في انتظار الوقت المناسب.

ترك الوظيفة والتوجه للأعمال الحرة

سنة 2017 م بينما كان يعمل في إحدى شركات التسويق التابعة لقطر للبترول، تلقى عرض توظيف جعله يشعر بعدم التقدير وبعدم تقدير جهوده ولم يكن يستجيب لطموحه، وبعد نقاشات وشد وجذب مع قطر للطاقة تقرر تسريحه، وتقبل القرار برحابة صدر واعتبره فرصة لخوض تجارب جديدة. في البداية واجه بعض الصعوبات بسبب عدم الاستقرار الوظيفي، لكنه لم يستسلم، بل قرر المضي قدمًا وتحقيق أحلامه المؤجلة، فأسس في السنة ذاتها ثلاث شركات جديدة من بينها شركتان حققتا نجاحًا كبيرًا وما زالتا مستمرتين إلى الآن، الشركة الأولى باعها بأربعين ضعف رأس مالها، وكان هذا القرار سببًا لصناعة الثروة.

سنونو: تحقيق نجاح استثنائي

سنة 2019 م قرر إنشاء شركة تقنية عبارة عن منصة تقنية محلية تمكن المستخدمين من طلب أي شيء، بما في ذلك الطعام والبقالة والإلكترونيات والملابس وغيرها الكثير، وهي شركة تقدم خدمات التوصيل عبر الإنترنت. كانت التوقعات عالية، ومع بداية المشروع اصطدم بالواقع حيث إن عدد الطلبات لم يصل للمتوقع، ونصحه جميع المحيطين به بإيقاف المشروع، لكنه آمن بفكره وتحلى بالعزيمة وكان على ثقة تامة من أن هذا المشروع سيقدم إضافة نوعية للسوق القطري.

بعد مراجعة نقاط القوة والضعف، اكتشف أن سبب فشل هذا المشروع هو عدم وجود الفريق المناسب وذلك لرفض أصحاب الخبرات العالية على المستوى العالمي عروض العمل في دولة قطر. وفكر في أن الحل الوحيد هو دفع رواتب مجزية والحصول على سيولة وهو ما مثل تحديًا بالنسبة له لأنه لم يغلق جولة استثمارية. كل هذه التحديات جعلته يكتسب خبرات إضافية أهمها أن المشاريع يجب أن تكون كبيرة على أهداف مستقبلية وليست حالية. وقرر الدخول في جولة استثمارية في إبريل/نيسان 2020 م واستعان بأكبر خمس شركات رائدة في قطر، وكلهم أجمعوا على أن المشروع يعد مخاطرة لأنهم لا يؤمنون بالقطاع التقني وبأن قطر ستتمكن من بناء مشروع تقني عملاق. وانسحب جميع المستثمرون ودخل في تحدٍ مالي كبير وقرر بيع إحدى شركاته بثلاثين ضعف فوفرت له سيولة 4 ملايين ريال، ولقي في هذه الفترة دعمًا من بنك قطر للتنمية، إذ تواصل معه عبدالعزيز بن ناصر بن مبارك آل خليفة الرئيس التنفيذي للبنك وعرض خدمات البنك وكان مؤمنًا بحلمه ومشروعه رغم أنه لم تكن لديه ضمانات بنكية كافية، وهو من المواقف التي أسهمت بشكلٍ كبير في نجاحه، وبعد سنة واحدة تمكنت الشركة من إغلاق أكبر جولة استثمارية بخمسة ملايين دولار بتقييم خمسين مليون دولار، وهو عشرة أضعاف المبلغ الذي كان قد طلب من المستثمرين دعمه به واستثماره في شركته، وبعدها تواصلت النجاحات وإغلاق الدورات الاستثمارية بأرقام قياسية وعالية لم يكن أحد يتوقعها أو يتخيلها، وصلت لعشرين ضعف ما كان قد اقترحه على الشركات التي انسحبت.

تقديس العائلة

لطالما قدس العائلة فكان ابنًا بارًا وأخًا سندًا، وزوجًا صالحًا وأبًا داعمًا ومراعيًا.

بناته نجلاء ومريم ونور وابنه هادي. بناته يفخرن به وهو ما زاد من المسؤولية على عاتقه ليحافظ على الصورة الإيجابية والمشرقة التي رسمتها له عائلته وأطفاله وليكون قدوة لهم، ويسعده الكلام المحفز من إخوانه الذين يثقون ويفخرون به لأنه كان دائما بجانب عائلته وكان على قدر عالٍ من المسؤولية وحاز ثقتهم التي كانت نتيجة التزامه.

يعتبر أبناؤه أهم إنجازاته، فقد استثمر في تعليم أبنائه بمدارس جيدة وفي تعليم عالٍ ومستواهم الدراسي جيد، وركز على الجانب الأخلاقي والإنساني كذلك، ويسعى ليكون عند حسن ظن كل من اعتقد به خيرًا، لا سيما والدته التي جعلها فخورة به وما زال يسعى لإسعادها، وهو حريص على أن يكون قدوة لأفراد عائلته.

قائد وقدوة

حرص أن يكون قدوة داخل البيت وخارجه، فركز على النشاط المجتمعي لا سيما لفئة الأطفال، فكان له العديد من المشاركات مع جهات كثيرة، من بينها كلية المجتمع ومدارس مؤسسة قطر. وقد جعل الكثير من الشباب يطمحون للسير على خطاه ودخول مجال ريادة الأعمال واليوم هناك سبعة مشاريع تخرج في الجامعة تتحدث عن شركته. ويطمح أن يكون مؤثرًا بشكل إيجابي وأن يتصدى للنماذج السلبية التي تنشر ثقافة الاستهلاكية الساذجة والربح السريع.

إنجازات ونجاحات

علاوة على إنجازاته الاستثمارية والمجتمعية، يفخر بإنجازاته الأكاديمية والتحصيل العلمي، وهو راضٍ تمام الرضا عما وصل إليه، وفي الوقت ذاته ما زال يسعى للمزيد، وهو سعيد بكونه عند حسن ظن فريقه المكون من 250 موظفًا وهو ما يجعله أكثر حرصًا على توازنه ودراسة جميع قراراته وحركاته وكلماته وخطواته القادمة ليكون قادرًا على طمأنتهم في الأوقات العصيبة. ولحسن حظه أنه بنى فريقًا مشجعًا مؤمنًا به وبفكره، ورغم ما وصل له من نجاحاته إلا أنه يضع الجانب الإنساني والعاطفي قبل الجانبين العلمي والمادي، وهو قائدٌ عاطفيٌ اتخذ من الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- قدوة له في أسلوب القيادة باللين والقدوة الصالحة والنقاش العقلاني الرصين.

التحديات والصعوبات تصنع منك نسخةً أفضل

الشخصيات العظيمة لا تصنع بالحياة الهادئة، بل تصقل بالتحديات والقرارات الحاسمة وتحمل العقبات

الوظيفة تحميك لكن الأعمال الخاصة تحرر قدراتك

لا بد من الحصول على الأدوات المعرفية اللازمة والخبرة في مجال ريادة الأعمال