

نزار شقرون
جمع الكتابة والنقد والفن التشكيلي في مشروع ثقافي جعل الأدب موقفًا وحوارًا مفتوحًا مع الأجيال.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 364–371
الدكتور نزار المنجي شقرون، كاتب وناقد وفنان تشكيلي تونسي.
النشأة والطفولة
دخل عالم الشعر أولًا من الاسم، مثلما يدخل الخيط في الإبرة. عرف منذ طفولته المبكرة اسمه قباني قبل أن يحذق لقبه، وسارع إلى الارتواء من معين تجربته فتعلم البعد الانقلابي في الشعر من صولاته، وأدرك الثورة في الشعر والحياة على يديه. ولع إلى جانب الشعر العربي بالشعر الفرنسي. قرأه وعاشره بالفرنسية، وتزامن ذلك مع تواصله مع حركة الحداثة الشعرية العربية وانعطافاتها وخطوطها المتشعبة، من نازك الملائكة إلى أنسي الحاج وأدونيس.
كان في سن السادسة يصعد إلى بيت الجيران ليقضي أغلب المساءات في مرسم الفنان النوري دمق فيعبث أحيانا كثيرة بالأصباغ ويتملى لوحاته كأنها تخطفه إلى عالم حالم. ظل لأشهر عديدة ملازما لخلوات الرسام ولا يستيقظ من انخطافه إلا متى يسمع صوت أمه تناديه من الأسفل. وفي العاشرة من عمره شارك في المسرح التلمذي واهتم بسينما الهواة. أخذته الصورة السينمائية إلى الأقاصي. لم يمر أسبوع واحد دون أن ينفلت بعينيه إلى قاعتي بغداد للسينما وقاعة سينما المسرح البلدي. كان في صباه سيمثل دور البطولة في شريط «البرويطة» (العربة) ضمن نادي السينما «هاني جوهرية». حلم طويلا بأحداث الشريط وبدوره فيه لكن والديه منعاه من ذلك وطلبا منه تأجيل تسلق أحلامه السينمائية. كبر حلمه وبدل أن يمتهن التمثيل صار يدير حلقات نقاش الأفلام كل أسبوع في نادي السينما «الطاهر شريعة». كان انتسابه إلى مدينة تعشق السينما هبة من السماء.
التصقت الكتابة بحياته منذ صباه حتى صارا لا يفترقان. كان والده يشجعه على الإلقاء منذ سن السادسة، وحرص على تعليمه تجويد القرآن الكريم. قبل الشعر شرع في كتابة المذكرات، فكان يسجل أحداث اليوم بكل ما فيها من فرح وحزن، وصار دفتر المذكرات مجال تدربه على الكتابة، وامتزجت الكتابة لديه باليومي. كان يؤمن منذ صباه بأن الكتابة ليست مجرد حياكةٍ لعالمٍ غير واقعي، فالأدب يعالج الواقع حتمًا، ولكنه لا يتخلى عن جمالية القول نثرا أم شعرا.
نشأ في أسرةٍ شغوفة بالعلم. كان أبوه مولعا بالقراءة وأمه تحذق الفرنسية لذلك شجعته على الأخذ باللسان الفرنسي علاوةً على العربية. وكان لانتماء أبيه إلى العمل النقابي في الاتحاد العام التونسي للشغل، عاملًا من عوامل تكوينه الفكري، إذ لم تكن المنظمة الشغيلة مجرد مدافع عن حقوق العمال والموظفين بل كانت حاضنة للاتجاهات الفكرية الوطنية التقدمية أيضًا.
رافقه الكتاب منذ صباه، وانشغل بالتفكير والكتابة فانتمى إلى «نادي الفكر» وهو من العلامات الثقافية في جهته وأسس مع أبناء جيله مجلة «إشعاع»، وكتب فيها أولى مقالاته النقدية، وقدم أمسيات شعرية وهو بعد يزاول دراساته الثانوية.
مسارات بين الجامعة ومحيطها الثقافي
مثلت الحياة الجامعية حاضنة لأفكاره ومواقفه، فنشر في سنته الجامعية الأولى ديوانه «هوامش الفردوس» عام 1990 الذي انتصر فيه لقيم الإنسان. وتعمق في دراسة الأدب العربي إلا أنه بقي وفيا لدراسة الآداب الأخرى فدرس الأدب المقارن، وبعد نيله للأستاذية في اللغة والآداب العربية من جامعة صفاقس عام 1994 أخذته شواغل التدريس لبضع سنوات، إلا أن رغبته في مواصلة الدراسات العليا والاعتراف من معين الاختصاص الفني دفعته لتحقيق حلم صباه بأن يكتسب ناصية الكتابة النقدية من خلال التخصص العلمي في علوم وتقنيات الفنون، فتوجه عام 1999 إلى المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس ليعود إلى مقاعد الدراسة طالبا في المرحلة الثالثة، فنال شهادة الدراسات المعمقة حول بحثه في تجربة الفنان التونسي عادل مقديش، ثم استكمل أطروحة الدكتوراه حول تجربة الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد، فنال درجة مشرف جدًا، ونشر بحثه في طبعات مختلفة ليكون من بين أهم المراجع حول تجربة التنظير والنقد الفني في الوطن العربي. ومنذ بدايات عام 2001 تدرج في سلك التعليم العالي من أستاذ باحث إلى أن أصبح عام 2015 أستاذا محاضرا بالمعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس بعد نيله لدرجة التأهيل الجامعي. وقد تميز منذ بداياته في التدريس الجامعي في تعريب المواد العلمية حيث عد درسه الجامعي في علم المصطلحات الفنية أول درسٍ يقدم للطلبة باللغة العربية في تونس إذ كانت أغلب المواد النظرية تقدم باللغة الفرنسية. ولانشغاله الأكاديمي بالفنون درس فلسفة الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى بصفاقس، ويشغل عضوية مدرسة الدكتوراه بها إلى اليوم. أثناء مرحلة تدريسه بالجامعة أشرف على رسائل الماجستير وترأس لجنة الماجستير لسنوات، وأشرف على العمل الثقافي برئاسة جامعة صفاقس وظل مستشارا ثقافيا بها إلى حدود عام 2008. شغل مهمة أستاذ زائر بجامعة كفر الشيخ المصرية حيث قدم دروسا نظرية لفائدة طلبة الماجستير بكلية التربية النوعية.
انغماس في الثقافة وحماس لخوض تجارب أدبية ثرية
كان منذ بدايات مساره الجامعي منفتحا على الحياة الثقافية في تونس، فانتمى إلى اتحاد الكتاب التونسيين منتصف التسعينيات، وتقلد مهاما في فرع الاتحاد بصفاقس إلى جانب عضويته ومهامه في جمعية الدراسات الأدبية، وساهم خلال تلك الفترات في تنظيم الندوات الفكرية والمشاركة فيها بالمحاضرات في مجال النقد الأدبي. أثمرت هذه التجربة مواقفه الثقافية تجاه كثيرٍ من قطاعات الإبداع، وجعلته مشاركا بفعالية في المشهد الثقافي، ومنتجًا لخطاب الحداثة والتنوير فيه. لم تتوقف علاقته بالكتاب على فعل القراءة والكتابة بل خاض تجارب صناعة النشر فعمل خبيرًا في دار محمد علي للنشر، واكتسب معرفة واسعة في هذا المجال من خلال المشاركة في ورشات التدريب الدولي في الشارقة وفي بريطانيا.
ما بين الصحافة الورقية والمصدح
في سن مبكرة دخل غمار الكتابة الصحفية، ولنزوعه نحو الفكر التقدمي كتب مقالاته الأولى في جريدة «المستقبل» لسان حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وقد كان بعد في سنوات الثانوية، وفي أولى مسيرته الجامعية أسس مع رفاقه مجلة «فواتح» لتكون أول مجلة في تاريخ كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس. ثم نشر مقالاته الفلسفية في الجريدة الأسبوعية «شمس الجنوب» ليتولى إثر تخرجه من الجامعة رئاسة تحريرها بعد أن تحولت إلى مجلة شهرية، كما نشر مقالاته في جريدة «الرأي العام» اليومية. ولإيمانه بدور الإعلام الثقافي أصدر بمعية الراحل أنور عشيش والفنان رؤوف الكراي «المفكرة الثقافية» وقد عدت من التجارب الفريدة في أسلوب عرض المشهد الثقافي. كان شغفه بالإعلام كبيرًا، لذلك اتجه نحو الإعلام الإذاعي منذ عام 1994 ليعمل بإذاعة صفاقس منتجا خارجيا، فأنتج أول برنامج تونسي متخصص يعنى بالفنون التشكيلية بعنوان «لمسات الأنامل» وتتالت إنتاجاته بعدها لينشغل بالرواية العالمية والشعر العالمي وبالقضايا الثقافية وتغطية الندوات الفكرية ومحاورة كبار المثقفين العرب، واستمرت تجربته الإذاعية إلى غاية 2008 بإنتاج 17 برنامجًا إذاعيا بين المسجل والمباشر. ظل ذلك الاهتمام بالإعلام ملازما له إلى حين استقراره في الدوحة وإطلاقه لبرنامجه التلفزيوني «زعموا أن» على منصة الدوحة 360، وهو برنامج يعنى بعرض الحكمة من خلال حكايات كتاب كليلة ودمنة.
علامة شعرية
بالإضافة إلى تجربته الشعرية فقد انشغل بقضايا نقد الشعرية العربية، ونشر كتابه «محنة الشعر» عام 2006 ليشخص فيه حالة الشعر المعاصر في تونس، ومواقفه من الشعرية الكلاسيكية في مستوى التلقي. وعد الكتاب بيانًا شعريا للتجربة الحداثية في الشعر.
ليست القصيدة لديه نزوة عابرة أو شطحة، بل هي بحث دؤوب. لذلك طوع المعرفة في تجربته لصالح الشعر، فهو يعتبر أن الشعر صناعة ثقيلة وجزء من وجوده وسلوكه اليومي وخبرته الحياتية.
عرفت أطوار تجربته الشعرية مشاركات في مهرجانات دولية من أهمها «المربد الشعري» في العراق عام 1997، وأقام أمسيات شخصية جمعت بين شعره والموسيقى ومن أهمها أمسيته مع الفنان نصير شمة والفنان محمد حسن نجمي.
بناء خطاب نقدي
عد من بين كبار نقاد الفن العربي منذ فوزه بجائزة الشارقة للنقد التشكيلي العربي، وساهم في نحت مصطلحات الفن التشكيلي العربي، ونادى بما أسماه «تربية العين» ونشر الثقافة البصرية لدى الأجيال العربية.
الرواية ديوان العصر
خاض تجربة الكتابة الروائية دون أن ينقطع عن تجربة الشعر والنقد الفني، فاستفاد من فروع المعرفة والفنون التي اغترف منها لتكون رواياته قائمة على الفكر، فأدبه الروائي ينتمي لرواية «الأطروحة» التي تحث القارئ على إعمال الفكر. كانت رواية «بنت سيدي الرايس» (2010) أولى رواياته، أعقبها برواية «الناقوس والمئذنة» (2018). وشكلت روايته «دم الثور: الباب المفقود من كليلة ودمنة» (2019) أسئلة نقدية كثيرة حيث طرحت فرضية وجود باب مفقود من كتاب ابن المقفع، وعالجت مسألة مراجعة تدوين التاريخ الثقافي العربي، في حين تناولت روايته الرابعة «زول الله في رواية أخت الصفا» (2022) تلاشي فكرة اليقين فالهدف الأساسي في الرواية هو أن يكون السؤال قائدًا للبحث. وعادت الرواية إلى استنطاق تجربة «إخوان الصفا» وبناء عالم سردي تحكمه شبكة فكرية تعمل على دفن المعرفة بحثا عن خلاص قادم للإنسانية.
أفق مفتوح للأدب
لم يكن الجمع بين تدريسه بالجامعة وتفرغه إلى حياته الأدبية والفكرية أمرا يسيرًا، رغم وجود مشتركات وتقاطعات بين البحث الجامعي وعالم الأدب والفكر. لكنه رسم لنفسه تحدي ذلك الاشتباك ليثري تجربته الوجودية. ساعدته مراوحته بين أجناس أدبية كثيرة إلى اقتحام تجربة الترجمة. بدأ حياته الثقافية في قطر من باب ترجمته لكتاب «رواية الوردة» لغيوم دولوريس (2012) ثم اندمج في المشهد الثقافي القطري بعد التحاقه بوزارة الثقافة وعمله مستشارا ثقافيا بها، وشارك في صياغة عدد من المشاريع الثقافية.
يعتبر أن الأدب أفق مفتوح، لذلك ينظر إلى عمله وشواغله الفكرية والإبداعية بنفس المنظار. ويرى أن التحدي الكبير بالنسبة للأديب هو المحافظة على مشروعه الأدبي رغم التزاماته البحثية والأكاديمية والاجتماعية، ثم تجديده في رؤيته الأدبية من خلال إعمال التجريب ووضع الأسئلة الثقافية الكبرى ضمن مشروعه.
تفاعل مع الشباب العربي
في كتابه «بحثًا عن هوية» (2018) خاطب الشباب العربي في أسلوب ترسلي، حيث بين المسائل الأساسية التي تشغل باله وتحيط به وهو في غمار بناء تجربته الخاصة. ونادى بتمرد الأجيال على الثقافات السائدة باعتبار أن لكل جيل رؤيته لطبيعة مرحلته. وأشار إلى أن بناء الذات لا يكون في شكل تماثل مع التجارب السابقة بقدر ما هو إبداع للطريقة حتى وإن ظلت بعض الثوابت مشتركات بين جميع الأجيال العربية. وعد كتابه بمثابة بيانٍ مستقبلي لهوية الجيل القادم.
إسهامات وتكريمات في مجال الكتابة
كان للدكتور إسهامات مميزة في مجال الكتابة والتأليف في عدة أجناس أدبية منذ سنوات شبابه ونضجت تجربته الأدبية على مر السنوات حيث ألف كتبًا في الشعر والترجمة والنقد الفني والرواية، وصارت بعض مؤلفاته مراجع لطلبة الفنون في العالم العربي، ونالت كتاباته الإبداعية شرف البحث النقدي في الرسائل الجامعية في الجامعات العربية والإسلامية، ناهيك عن ترجمة بعض أعماله إلى اللغات الفرنسية والفارسية والتركية. مثل تونس في العديد من المؤتمرات الدولية العلمية والأدبية، ونال منذ سنوات الدراسة الجائزة الوطنية للشعر عام 1993، والجائزة العربية للنقد التشكيلي من حكومة الشارقة عام 2008، وجائزة البشير خريف للرواية عام 2023 في تونس، علاوة على نيله لتكريماتٍ عديدة في محافل وطنية ودولية ومن منظمات إنسانية.