فيصل التميمي
دليل الشخصيات ←

فيصل التميمي

فنان شامل وملحن ومسرحي ومقدم برامج، نقل الفنون الشعبية القطرية إلى محافل عربية ودولية.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 222–233

فيصل إبراهيم التميمي، فنان وملحن ومسرحي ومنتج ومقدم برامج تلفزيونية وإذاعية. كان أول رئيس لقسم الفنون في جامعة قطر وأصغر رئيس للفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية، ولحن أعمالًا إذاعية وتلفزيونية وأوبريتات وطنية.

الجذور

ولد الوالد إبراهيم بن عبدالمجيد عام 1934 م في فريج الغانم العتيج بالقرب من سوق البسطات الشبيه بسوق شبربوش في لندن، وكان هذا البيت من أكبر بيوت الفريج، وثمة فيه (سماده) كبيرة وكان أبناء الفريج يجتمعون في ساحة البيت الممتدة لصيد الطيور بما يسمى (الحبال) عن طريق الفخاخة (جمع فخ) التي كانت تغرس في السماده مشبعة بالديدان فتعلق بها الطيور.

بعد وفاة الجد عبد المجيد آل إبراهيم، المكنى بأبي إبراهيم، باعت العائلة البيت عام 1944، وكان عمر إبراهيم وقتها 10 سنوات فاضطر للسفر إلى السعودية بحثًا عن عمل شأنه شأن عدد كبير من القطريين وذلك في أعقاب كساد تجارة اللؤلؤ وظهور زراعة اللؤلؤ الصناعي في اليابان وصعوبة الحياة بسبب الحرب العالمية الثانية. فخرج من قطر واتجه إلى المنطقة الشرقية بالسعودية بحثًا عن الذات وعمل إبراهيم في فترة كساد اقتصادي سبقت بدايات البترول، ثم التحق بشركة رأس تنورة للبترول واستمر في العمل بها إلى أن بلغ من العمر 18 سنة، وقرر وقتها بناء أسرة فتقدم للزواج من إحدى عائلات منطقة دارين (القطيف)، ثم تزوج للمرة الثانية والثالثة، وكانت والدته الزوجة الثالثة والأخيرة.

النشأة والطفولة

ولد في 10 مارس/آذار 1964 م وسط عائلة كبيرة العدد فرغم كونه الابن البكر لأمه إلا أنه كان التاسع بين إخوته الثمانية عشر، ومنذ نعومة أظفاره برزت شخصيته المتميزة والمتفردة فكان حاد الذكاء شديد الفطنة محبًا للقراءة فضوليًا تأثر بشكل كبير بخاله عبد الرحمن بن عيسى البونيان السبيعي المقيم بالدمام، كان رجلًا مثقفًا عاشقًا للأدب، دفع ابن أخته لقراءة كتب لكبار الأدباء العالميين وهي كتب تتجاوز عمر هو ففي عمر السابعة وبينما كان في الصف الثاني الابتدائي كان خاله يضع بين يديه مجلة العروبة وبعض المجلات العربية التي تتناول قضايا سياسية ومواضيع اجتماعية مهمة وتغطي الشأن المحلي والعالمي وهو ما جعله مطلعا على الأخبار والأحوال حول العالم.

سنة 1973 م انتقلت عائلته للسكن في منطقة النجمة إذ كانت تلك البيوت البسيطة تفتقر لأبسط المرافق وهو ما جعل الحياة صعبة لا سيما أن البيت كان صغيرًا مكونًا من غرفتين وصالة وحوش وليوان ومطبخ وقطيع وهو مكان للاستحمام وحمام، يجتمع في هذا البيت جميع أفراد العائلة والإخوة الثمانية عشر، ورغم صعوبة الحياة إلا أنه وإخوته أوجدوا طرقًا وألعابًا للترويح عن أنفسهم والاستمتاع بوقتهم، فكان الأطفال يستغلون المساحات الواسعة المتوفرة في جميع الأحياء قبل أن تتحول اليوم إلى مبانٍ شاهقة، حتى إن أبناء الحي كونوا فريقًا لكرة القدم أطلقوا عليه فريق الإعلام برئاسة بشير علي حاتم، وكانت الفئة السنية الأكبر كونت فريقًا آخر سمته فريق الحرية، وفي سنة 1977 م أعلن عن إنشاء الفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية تحت رعاية وزارة الإعلام، فالتحق معظم أبناء الفريج في تلك الفترة بالفرقة القومية، في حين لم يحصل على فرصته نظرًا لصغر سنه إضافة إلى عشقه الكبير لكرة القدم.

طفل في مجلس الشورى

الظروف الاجتماعية للعائلة والاحتكاك بالأشخاص الأكبر سنًا دفع إلى التفكير بشيء يفوق عمره فقرر وهو في عمر العشر سنوات الاعتماد على نفسه، فطلب من أخيه الأكبر الذي كان يعمل في قسم العلاقات في مجلس الشورى اصطحابه معه خلال عطلة الصيف إلى العمل للاستفادة والتربح، وفي أول يوم رافق أخاه دخل مكتب قصي العبادلة وكان وقتها السكرتير العام للمجلس وطلب منه توظيفه، فاستغرب قصي – رحمه الله – من طلب الذي اقترح أن يعمل فراشًا ولكنه احترم اجتهاده واعتماده على نفسه ونفذ له طلبه وبالفعل خاض تجربته العملية الأولى، فكلفه بتوصيل المشروبات للموظفين وقد استفاد بشكل كبير من هذه التجربة، إذ كان قريبًا من كواليس المجلس وأتيحت له فرصة الاطلاع على محاضر الجلسات التي كانت تعقد كل يوم اثنين، وكان يجمع أوراق المحاضر ويصنع منها «ملزمة» توضع في خزانة العضو، دعاه فضوله لقراءة المحاضر قبل أن يضعها في خزائن الأعضاء، وهو ما جعله يتعلم أسلوب كتابة التقارير ويتعرف على العديد من المصطلحات السياسية، وبعد سنة واحدة منح فرصة للتعامل بشكل مباشر مع الأعضاء بعد أن كلف بتقديم الشاي لهم فكان يستمع للمداولات والنقاشات السياسية، وقد شدت مثابرة الطفل المجتهد وعزيمته أنظار الأعضاء ورئيس المجلس سعادة السيد عبد العزيز بن خالد الغانم رحمه الله الذين رأوا فيه بذرة النجاح والتفرد حيث كان يقدم الشاي وهو يرتدي الزي التقليدي القطري «غترة وعقال».

بعد أربع سنوات من العمل في مجلس الشورى كان قد بلغ سن الرابعة عشرة ووصل إلى المرحلة الثانوية وطلب الترقية إلى مراسل لكن عمره وإمكاناته حالت دون طموحه المتواضع، إذ تطلب العمل توفر دراجة، فقرر البحث عن فرصة عمل أخرى تنمي مهاراته وتخدم تطلعاته.

كاتب عمال في كراج الحكومة

في الوقت الذي كان أبناء جيله يستمتعون بعطلة الصيف بين الشواطئ والرحلات كان ابن الأربعة عشر ربيعًا قد خاض تجربته المهنية الثانية فبعد أن أنهى تجربته في مجلس الشورى رافق والده للعمل بجراج الحكومة وتولى مهمة كتابة البطاقات لموظفي الجراج تحت رئاسة عبد الله هارون رحمه الله الذي كان يتميز بشخصية صارمة حازمة لا يتهاون فيما يتعلق بالعمل، لكن لقي معاملة خاصة نظرًا لصغر سنه فكان يقسو على بقية الموظفين ويعامله بحنان، وفي الوقت ذاته يكلفه بمهام أكثر من زملائه ليستثمر حماسه.

المسار التعليمي

دخل الروضة وتعلم منها الكثير وكان ذلك في مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية، سنة 1969 م، ثم دخل مدرسة عثمان بن عفان الابتدائية في منطقة المنتزه (روضة الخيل) في الدوحة، وكانت من بين المدارس النموذجية من ناحية الكادر التعليمي العالي والمنتقى من الدول العربية المتميزة في مجال التعليم (فلسطين- الأردن- سوريا- مصر) وبعض المدرسين القطريين الذين كانوا يمثلون الندرة، أما المدير فقد كان المربي الفاضل علي فرج الأنصاري الذي كان يعرف بشدته وصرامته، وأيضا مبادراته وابتكاراته إذ حول مدير المدرسة القاعات الفارغة وغير المستثمرة إلى متحف تحنيط لجميع أنواع الحيوانات الفريدة سواء أكانت مفترسة أم أليفة، وقد استفاد الطلاب بشكل كبير من هذا المتحف، وكانت المدرسة تستضيف مسرح العرائس في عرض «صحصح وجميلة»، وكان ذلك حدثًا لا ينسى له وبقية الطلبة، فعلق في ذاكرتهم رغم بساطة العرض الذي لم تتجاوز مدته نصف الساعة.

تمكن من كسب ثقة معلميه نظرًا لتميزه وشدة ذكائه حتى إن معلم الحساب كان يكلفه بامتحان زملائه في الحساب وتسميع القرآن، وهو ما أثار ضغينة بعض زملائه الذين خططوا وكادوا له مكيدة رغم صغر سنهم، فادعوا أنه يقيم زملاءه بناء على علاقته بهم، وهو ما جعله يتعرض لنقد لاذع من معلمه، لكنه واصل مسيرة تميزه وكان يبهر المعلمين باطلاعه على الأحداث العالمية في كل نقاش أو مناسبة، وتأثر بشكل كبير بحادثة اغتيال الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود – ملك المملكة العربية السعودية الثالث الذي كان مصابًا جللًا للأمة العربية آنذاك.

وفي الصف السادس من المرحلة الابتدائية سنة 1976 م شارك في دورة الخليج الرابعة التي استضافتها قطر للمرة الأولى في تاريخها، وكوفئ بالحصول على بطاقة لدخول المباريات وهو ما جعله يقدر قيمة المشاركة والاجتهاد، فواصل السنة بطاقة كبيرة وبذل جهدًا أكبر لينهي المرحلة الابتدائية بتميز وذكر اسمه في الإذاعة وهو ما جعل والده في غاية الفخر والسعادة حتى إنه وزع مشروبات على أهالي الحي وأصدقائه.

في المرحلة الإعدادية سنة 1977 م انتقل إلى مدرسة علي بن أبي طالب في السلطة الجديدة التي كانت أشهر مدرسة إعدادية في قطر ضمت أكبر عدد من الطلبة المشاغبين، وأيضًا من الرياضيين الذي أصبحوا فيما بعد لاعبين في فريق قطر، من بينهم اللاعب بدر بلال واللاعب علي بوغدير كابتن فريق قطر في كرة اليد، واللاعب محمد المالكي حارس فريق الريان لكرة اليد، وماجد الخليفي الذي أصبح محللًا رياضيًا، وخليفة العسيري – رحمه الله – وكثيرين، وكان معظم الطلبة أكبر منه وتتجاوز أعمارهم ثماني عشرة سنة ويمتلكون سيارات، في حين كان يكد في العطلة الصيفية لمساعدة والده في مصاريف البيت، وهو ما جعل هذه المرحلة مليئة بالتحديات فخاض صراعًا داخليًا بين عالم الأطفال وعالم الناضجين، فكان الطفل يدعوه للاستمتاع بوقته مثل أترابه والشاب الناضج بداخله يسحبه إلى عالم الرجال، لكن في النهاية اختار أن يودع مرحلة الطفولة مبكرًا وينتقل إلى مرحلة النضج ويعتمد على نفسه بشكل كامل، وهو ما جعله يقسم وقته بين الدراسة والعمل.

بعد إنهاء المرحلة الإعدادية بتميز انتقل إلى مدرسة أحمد بن حنبل الثانوية في منطقة الهلال بجانب مجمع المول الحالي، وهناك برزت ملامح شخصيته القيادية لا سيما أنه لقي بيئة محفزة حيث إن مدير المدرسة خليفة الرميحي الذي أصبح عضو مجلس الشورى لاحقًا – رحمه الله – كان يعامل الطلبة مثل أبنائه ويصغي إليهم، وقد كلف خليفة في ذلك بتكوين فريق من خيرة الطلبة المتميزين في قطر بواقع 5 طلاب من كل مدرسة لاصطحابهم في رحلة ترفيهية وثقافية علمية إلى باكستان مكافأة لهم في إجازة نصف السنة، وكان من بين هؤلاء الطلبة المحظوظين، وكانت هذه الرحلة الأولى له خارج حدود الخليج وتعرف على طلبة من مدارس أخرى وكانت الرحلة بوابة للتعرف على ثقافة مختلفة ووسعت مداركه وأفق تفكيره.

خلال هذه المرحلة وتحديدًا في الصف الثاني وجد نفسه في مفترق طريق مضطرًا للاختيار بين الأدبي والعلمي فوجهته بوصلته للتخصص الأدبي رغم محاولات العائلة التي كانت تأمل أن يصبح طبيبًا بتوجيهه للتخصص العلمي، لكن عقله أخذه إلى الأدب بمساعدة خاله، فتمكن من اجتياز المرحلة الثانوية بامتياز والحصول على مجموع عالٍ ليبدأ مرحلة جديدة من حياته.

كرة القدم

التحق بفريق التربية الرياضي وهو امتداد لفريق المعارف الذي تحول إلى فريق نظامي رسمي سنة 1980 م، ولكن لمرحلة الناشئين فقط، فكانت عضوية الفريق تؤهل اللاعبين للالتحاق بأي فريق من فرق الدوري، وتدرب تحت إشراف المدرب سعد دبيبة وعمر الخطيب -رحمهما الله- ورغم عشقه الكبير لكرة القدم إلا أنه خاض صراعًا نفسيًا حيث إن جميع أبناء الحي تحولوا لممارسة الفنون الشعبية فكان يشعر بالغربة والغرابة داخل الحي، لكن هذا الصراع انتهى سنة 1981 م عقب قرار المدرب حرمانه من المشاركة في المباراة التي جمعت فريق التربية بالنادي العربي، وهو ما جعله يشعر بخيبة كبيرة فرمى زي الفريق في الملعب، وقرر في تلك اللحظة أن يتجاوز كرة القدم وأن يركز على الفن لا سيما أن له تجارب فنية منذ صغره، إذ شده فن لفجيري بشكل خاص لغموض هذا الفن والأداء الجهوري من ممارسيه مما يثير الإعجاب والفضول في الوقت ذاته، فكان يتطلع للغوص في هذا العالم الغريب.

عشق الفنون والانضمام إلى فرقة اللؤلؤة

خلال هذه المرحلة وتحديدًا سنة 1979 م بادر أبناء الحي بإنشاء فرقة شعبية شبابية تؤدي مختلف الفنون سميت «اللؤلؤة» بقيادة الفنان تركي بن صالح، والراحل سلطان سعد، وبمشاركة الفنان محمد سعد والفنان خالد الجوهر والفنان محمد بن سلطان المناعي ومجموعة كبيرة من الفنانين الشباب الذين تأثروا بالنهضة الثقافية والحراك الثقافي الذي عاشته دولة قطر في تلك الفترة، إذ تأسست في تلك الفترة فرق شعبية عدة في مختلف الفنون، واكتسحت هذه الفرقة الساحة الفنية نظرًا لكونها فرقة شاملة تجمع كل الفنون الشعبية في حين أن بقية الفرق تخصصية، وتميزت فرقة «اللؤلؤة» بتقديم فن لفجيري الذي لم يكن متوفرًا في النجمة، وقد رفعت هذه الفرقة المميزة مستوى التنافس على مستوى الدولة، واستطاع رغم اهتمامه الشديد بكرة القدم أن يضع قدمه في هذه الفرقة بمحاولاته الناجحة في كتابة أشعار العرضة وتلحينها على شكل أهزوجة شعبية (نزعة) فأصبح في وقت قصير (مبلغ) أو شاعر الفرقة، وفي عام 1981 م قبل عضوًا في الفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية كأصغر الأعضاء ليبدأ مشوارًا جادًا مع الفن.

المرحلة الجامعية وتغير المسار من الرياضة إلى الفن

بعد الحصول على الثانوية العامة حصل على بعثة لدراسة الإعلام في الإمارات لكنه رفضها بسبب شعوره بالظلم لأنه لم يحصل على خياره الأول رغم تفوقه الدراسي في حين حصل بقية زملائه الأقل مجموعًا على الخيار الأول فقرر الالتحاق بجامعة قطر في تخصص علم الاجتماع الذي كان يعد من التخصصات النادرة التي يلتحق بها عدد محدود من الطلبة وقد وجد شغفه في هذا التخصص ومما زاد من عشقه لهذا المجال تواجد خيرة الدكاترة إضافة إلى كونه التخصص الأقرب للفنون الشعبية في ذلك الوقت.

كانت المرحلة الجامعية مرحلة فاصلة في حياته إذ عدل مسار حياته بعد الخيبة التي شعر بها جراء إقصائه من اللعب، بحث في ذاته عن شغفه الحقيقي، فأبحر في عالم الفن وغاص في عالم فن لفجيري، وهو عالم بديع مليء بالغرابة والأسرار، وفي هذه الفترة قررت الجامعة تكوين فرقة للفنون الشعبية وكلفه الدكتور محمد كافود عميد شؤون الطلبة بناءً على مشاركاته المكثفة مع الفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية وخبرته الجيدة بالإشراف على إنشائها، وقد شعر بالفخر والثقة الكبيرة التي حظي بها وأقنع مجموعة من رفاقه في الجامعة بتكوين هذه الفرقة لتمثيل قطر في المحافل الدولية خارج قطر، وبالفعل تأسست الفرقة لكنها واجهت العديد من التحديات لأن بعض الأفراد لم يكونوا متمكنين بما يكفي من الفنون الشعبية، فقرر كتابة كلمات شعرية وتلحينها وفق القوالب الفنية المعروفة. سهلت هذه الكلمات مهمة الفريق إذ وجدوها أسهل من الكلمات المتداولة وانطلق بعدها نشاط الفرقة، وكانت الرحلة الأولى عام 1986 م إلى الإمارات العربية المتحدة للمشاركة في مهرجان الجامعات الخليجية الثاني في جامعة العين، ثم إلى جامعة تونس، وجامعة محمد الخامس بالمغرب عام 1987 م، وجامعة القاهرة في مصر 1988 م، وجامعة بغداد في العراق، وجامعة دمشق في سوريا، وقد لقي نشاط الفرقة اهتمامًا إعلاميًا كبيرًا ما أسهم في نضج تجربته الفنية وامتلاكه رؤية ميدانية فنية غنية.

من المواقف التي لن ينساها في الجامعة هي النظرة المريبة التي كانت ترمقه من طلبة الجامعة خارج محيط الأصدقاء والزملاء كونه كان كثير الظهور على شاشة التلفزيون وهو يمارس أنواع الفنون الشعبية فلما علمت الدكتورة جهينة العيسى أستاذ علم الاجتماع المساعد في جامعة قطر بذلك وقفت بجانبه وقدمت له دعمًا كبيرًا فقد كانت تؤمن بقدراته واستشرفت له مستقبلًا باهرًا. كتبت له انطلاقة جديدة حيث خاض تجربة التلحين الاحترافي، فبدأ بالتلحين للإذاعة والتلفزيون من خلال تلحين أغاني عدة واستضيف أكثر من مرة في تلفزيون قطر، وحصل على الشهرة في وقت قياسي بفضل تلحينه العديد من البرامج، مثل «مجلة التلفزيون»، و «ما يطلبه المشاهدون»، و «غدًا نقدم»، و «النادي العلمي»، و «نادي الأطفال».

حماس واجتهاده الذي امتزج مع الموهبة والإبداع جعل إدارة الجامعة ترفض الاستغناء عنه فأوجدوا سبيلًا لإبقائه داخل الجامعة من خلال استحداث مسمى رئيس قسم الفنون بينما كان لا يزال طالبًا.

رئيسا لقسم الفنون بجامعة قطر

بعد تخرجه في جامعة قطر سنة 1986 م توظف مباشرة وكلف بإدارة قسم الفنون بجامعة قطر التي كانت وظيفة مستحدثة، وأسهم خلال فترة عمله بالجامعة في تعزيز الحراك الثقافي داخل الجامعة، وقدم عددًا كبيرًا من المسرحيات الهادفة، وحول نصوصًا أدبية إلى مسرحيات، واستثمر طاقات الطلبة واكتشاف العديد من المواهب من مختلف الجنسيات، وقدم فعاليات وأنشطة خاصة بالجاليات، وفي نهاية سنة 1987 م قدم برنامج ختام الأنشطة وكان ثريًا متنوعًا مدته سبع ساعات، وقد بادر بدعوة عدد كبير من المسؤولين والأشخاص المهتمين بالفنون الشعبية في وزارة الإعلام وفي مركز التراث، ومن بين المدعوين الذين حضروا الحفل موسى زينل مدير إدارة الثقافة والفنون آنذاك الذي اقترح عليه بعد انتهاء العرض الانتقال إلى وزارة الثقافة ورشحه أيضًا لإدارة الفرقة القومية خلفًا للسيد سامي يونس رئيس الفرقة القومية الذي كان يخطط للاستقالة آنذاك.

رئيسا للفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية

ترشيح سامي له وجد استجابة من المسؤولين، وبالفعل كلف برئاسة الفرقة رغم كونه أصغر أعضائها سنًا وقد لقي دعمًا كبيرًا من يوسف أحمد عبد الله رئيس القسم.

وخلال الفترة الأولى من توليه رئاسة الفرقة واجه العديد من التحديات حيث أثار تكليفه برئاسة الفرقة تحفظ بعض الأعضاء كونه أصغرهم، لكنه تمكن من امتصاص غضبهم، وكانت القيادة الأولى له للفرقة القومية خارج قطر في مهرجان جرش في الأردن، وبعدها بابل في العراق، ثم كلف بافتتاح مهرجان مسرح الخليج الثاني سنة 1990 م.

وكانت له إسهامات مهمة خلال فترة إدارته للفرقة القومية في إعداد وتلحين برامج الفرقة القومية داخل قطر وخارجها، ووظف خبرته في مجال المسرح الغنائي فخرج من طور تقديم الفنون في شكل فقرات منفصلة إلى دمجها في بعضها وتحويلها إلى ما يشبه الأوبرا الخليجية، وقد وفق بشكل كبير في هذه التجربة نظرًا لاطلاعه المستمر على التجارب العالمية في هذا المجال واستفادته من المشاركات الخارجية الأوروبية السابقة للفرقة القومية عندما كان عضوًا بها، فكلف بافتتاح بطولة كأس آسيا سنة 1988 م وفي دورة الخليج سنة 1992 م كلف بإخراج حفل الافتتاح وكانت مصدرًا كبيرًا للبهجة والفخر كونه كان أحد الأطفال المشاركين في الدورة الرابعة من كأس الخليج التي أقيمت عام 1976 م، وكانت البطولة الخليجية الثانية التي تستضيفها قطر، ومثلت حدثًا كبيرًا على مستوى الدولة وحقق الحفل نجاحًا باهرًا عزز مكانة في الساحة، ودفع مسيرته الفنية فتتالت بعدها الأعمال إلى أن أشرف سنة 1994 م على افتتاح بطولة كأس آسيا للشباب للكرة الطائرة، وبطولة التنس والعديد من البطولات والأعمال داخل قطر وخارجها.

واصل بعدها المشاركة في هذا المهرجان، وفي كل مرة كان يحظى بثقة أكبر. وفي كل عمل كان يضع شيئًا من روحه وفي كل عمل كانت هناك قصة، فجاب بفنه العالم، وأوصل ثقافة بلده إلى كل مكان وتعامل مع ثقافات مختلفة وتعلم الانفتاح على جميع الأفكار وتقبل جميع الطقوس، وتقبل الآخر بطقوسه وأفكاره لكنه بقي ملتزمًا بمبادئه وقيمه دون الانتقاص من قيمة ما يقدمه الآخرون.

على خشبة المسرح

علاقته بالمسرح قديمة وبدأت معه منذ أن كان في الروضة، إذ اختارته المدرسة لتمثيل دور شجرة التفاح، لكنه في سنة 1984 م بدأت العلاقة الحقيقية مع المسرح بعد أن اختاره المخرج القطري عبد الرحمن المناعي للمشاركة في مسرحية (حكاية حداد) مؤديًا دور أحد طلاب جامعة قطر في مهرجان الجامعات بالكويت، فجسد دور شاب تونسي وقد تمكن من إجادة الدور حتى إن بعض المشاهدين اعتقدوا أنه تونسي نظرًا لإجادته اللهجة التونسية، وبعد هذه المسرحية توطدت علاقته بعبد الرحمن المناعي الذي استقطبه إلى مسرح السد ودعاه للمشاركة معه في مسرحية «ليل يا ليل» التي مثلت دولة قطر في مهرجان دمشق للمسرح، وقد فتحت له هذه الرحلة الأبواب للدخول إلى كواليس وأسرار العمل المسرحي إذ احتك بكبار الفنانين على غرار دريد لحام وياسين بقوش والعديد من النجوم من جميع الدول العربية، وكانت فرصة للتعرف على مختلف أنواع المسرح.

وقد تعلم من هذه التجارب ومن احتكاكه بالمخرج عبد الرحمن المناعي أصول التعامل مع المسرح وكيفية إدارة التدريبات والبروفات من خلال فرض شخصية وهيبة المخرج على الجميع بالحب وليس بالخوف دون الإخلال بتفاصيل العمل، وقد ساعدته هذه التجربة على قيادة الفرقة القومية بكل سلاسة واقتدار رغم صغر سنه.

اكتسب خلال هذه المرحلة مهارة الإنصات التي ساعدته في مختلف محطاته العملية وعلى المستويين العائلي والمهني.

الإعداد والتقديم التلفزيوني والإذاعي

سنة 1998 م كلفه تلفزيون قطر بإعداد وتقديم برنامج «سمرة» وهي جلسات سمر تستضيف المطربين النجوم لا سيما في الفنون الشعبية التي لها العديد من المحبين والمتابعين في قطر والخليج، في البداية كان مترددًا ومتخوفًا من التجربة الجديدة، لكنه قرر خوض غمار عالم التقديم وكانت تجربة ناجحة واستضاف العديد من كبار الفنانين أمثال عبادي الجوهر، علي عبد الكريم، عبد الله بالخير وكثيرين غيرهم.

وفي سنة 2000 م كلف بتقديم برنامج «ليلة العيد» واستضاف خلاله الفنان اليمني فؤاد الكبيسي والفنانة الإماراتية أريام، وكانت تجربة مليئة بالتحديات نظرًا لأنه لم يحصل على الوقت الكافي للاستعداد، كلف بتقديم البرنامج في اللحظات الأخيرة ولكنه حقق نجاحًا كبيرًا بفضل جرأته وطلاقة لسانه واطلاعه الواسع على المجال الفني والساحة الفنية.

هذه الخبرات في مجال الإعداد والتقديم فتحت له أبواب الإذاعة، فأعد وقدم عددًا من البرامج التخصصية في الإذاعة التي لها علاقة بالموروث القطري، وكان محور اهتمام معظم المذيعين المهتمين بتوثيق الموروث مثل الإعلامية أماني كامل ومحمود سالم.

شخصيات أثرت في حياته

من أبرز الشخصيات التي أثرت في حياته ودعمت مسيرته وساعدته على تحقيق النجاح عبد الرحمن المعضادي مدير الإدارة الذي كلفه سنة 1987 م وبينما كان في بداية مسيرته بكتابة وتلحين أغنية البرنامج الجماهيري (وطني الحبيب صباح الخير)، وهو برنامج حيوي يتفاعل مع المشاكل اليومية للناس، وهذه الثقة كان لها دور كبير في انطلاقة الفنية.

تأثر كذلك بسعادة السيد عبد الرحمن بن حمد العطية، سفير قطر في باريس والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الذي تعلم منه أصول الدبلوماسية وإدارة الأزمات والتواضع، وقد احتك به خلال مشاركة نادي الجسرة في الأسبوع الثقافي قطر-فرنسا، حيث كان سعادة السفير يشرف على العمل بنفسه، ويقضي وقتًا طويلًا مع فريق العمل ويهتم بجميع التفاصيل الدقيقة.

تأثر كذلك بشخصية خاله عبد الرحمن البونيان الذي مثل له القدوة في ثقافته والتزامه، بالإضافة إلى تأثره بعبد الرحمن المناعي الذي أخذ منه المنهج القويم في المسرح، وأخيرًا غنام الديكان موسيقار الكويت الكبير الذي سار على نهجه.

التحديات والصعوبات

يعتبر نفسه ملحنًا في المقام الأول، ورغم ذلك فإن إلحانه في مجملها ألحان أوبرالية كانت تعرض لمرة واحدة على التلفزيون في نقل مباشر لكنها لا تذاع بعد ذلك.

ودائمًا ما يقاس عمل الملحن بالأغاني العاطفية التي تلقى رواجًا كبيرًا بين أطياف الشعب وخصوصًا فئة الشباب التي تستهلك وتلتهم كل ما ينزل سوق الساحة الغنائية، في حين أن دور الملحن تجاه ضميره وإنسانيته ووطنه هو دعم جميع القطاعات الاجتماعية والتربوية وغيرها من وازع وطني إنساني.

من التحديات المثيرة اقتحام المسرح العالمي بهوية محلية خالصة، وصعوبة هذا النوع من التحديات يكمن في عدم ثقة المسؤول الإداري بقدرة الفنان القطري على مقارعة الفنانين العالميين وعملية إقناع هذا الشخص مستحيلة، إلا بعد أن يرى بأم عينه على أرض الواقع تلك الندية والمقارعة المتوازنة بين الطرفين، والسر الذي لا يفهمه سوى المتخصص أن لكل مجتمع خصوصيته التي تحدد هويته، فإذا وثق وآمن بإمكانياته التي تنبثق من معرفته الدقيقة بحذافير وتفاصيل إرث بلده استطاع بكل سهولة أن يتحول أمام الآخر إلى أستاذ و (الآخر) هو التلميذ، وقد نجح في هذا المجال عندما استطاع أن يقتحم المسارح العالمية في أوروبا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا بتقديم أعمال الفرقة القومية القطرية للفنون الشعبية التي أثارت انتباه العالم فتعددت أسئلة الطرف الآخر التي تبحث عن أسرار هذه الفنون ومراميها النفسية والاجتماعية.

التجربة التي عضدت من قوة وخبرة في مجال الإخراج والتلحين كانت قبل استضافة قطر أسياد الدوحة 2006 م، حينما طلب المخرج العالمي الأسترالي ديفيد أتكنز مخرج حفل الافتتاح منه الانضمام لفريق العمل، ليكون أحد الفاعلين في مجال التوثيق وتحقيق العصر، وكلف بتلحين الساعة الأولى من حفل الافتتاح، وكان التوزيع الموسيقي للموسيقار الأسترالي كريستيان، وساعدته هذه التجربة على تغيير أسلوب عمله في إدارة البروفات والتدريبات لاحقًا، وخدمته في كيفية التعامل مع المخرجين الكبار من أمثال الإيطالي جينو لاندي الذي عمل معه في الأوبريت الوطني (أسرار البحر) الذي لحنه بالاشتراك مع الملحن الإيطالي باولو عام 2011 م تحت رعاية صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر على سيف (شاطئ) كتارا.