

عبد اللطيف الخال
طبيب وباحث قاد ملفات الأمراض المعدية والتعليم الطبي، وكان في مقدمة الاستجابة الوطنية لجائحة كورونا.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 192–199
الدكتور عبد اللطيف محمد الخال، استشاري الأمراض المعدية ورئيس قسم الأمراض المعدية ومدير إدارة التعليم الطبي في مؤسسة حمد الطبية، ورئيس المجموعة الاستراتيجية الوطنية الصحية للتصدي لفيروس كورونا في قطر. قاد برامج وطنية لمكافحة الأوبئة وطور التعليم الطبي وخدمات الأمراض الانتقالية.
النشأة والطفولة
ولد سنة 1962 م في منطقة البراحة في الدوحة وسط عائلة قطرية تقليدية ميسورة الحال متكونة من 7 أشقاء، هو الثاني بين إخوته، عاش طفولة بسيطة في الزمن القديم وسط تكاتف أهل الحي والأبواب المفتوحة، حيث كانت سبل الرفاهية مقتصرة على التلفزيون الأبيض والأسود، وتغيرت مراحل حياته مع تطور نمط الحياة في دولة قطر من البساطة إلى حياة الرفاهية والتطور، وكان منزل أسرته البداية في وسط ما يعرف بسوق واقف حاليًا وبعدها انتقلت العائلة من سوق واقف إلى البراحة وذلك قبل ولادته بسنتين، وبعدها إلى فريق السلطة والهتمي قرب الكورنيش وبعدها إلى مدينة خليفة ثم الدفنة، ورغم تغير أماكن السكن إلا أن عادات العائلة وأسلوب حياتها لم يتغير فظلت الأسرة تعيش ضمن أسرة كبيرة ممتدة، وكان يقلد والده في كل شيء، ويحرص على مرافقته بشكل مستمر إلى عمارة الخال وإلى المسجد، وقد تأثر كثيرًا بشخصية والده الذي كان يفتح مجلسه في رمضان للفقراء والجيران، كما كان يقدم الولائم في بقية العام بشكل متكرر، وكان والده لا يجلس مع الضيوف على سفرة الطعام وإنما كان يظل واقفًا على خدمتهم ليتأكد أن ضيوفه لا ينقصهم شيء، وقد زرعت هذه المواقف في الأبناء شيمة البذل وحب إكرام الضيف.
ورغم أن العائلة لم تواجه أي صعوبات مادية تذكر بفضل عمل الأب في التجارة حيث كان شريكًا مع أخيه النوخذة هو وكانا يجلبان البضائع من الهند ويبيعانها من خلال عمارة الخال التي كانت تقع على الكورنيش بالقرب من سوق واقف، إلا أن طبيعة الحياة كانت محدودة على مستوى الخيارات، وعلى مستوى وسائل الترفيه، وهو ما انعكس على نمط الحياة الذي كان بسيطًا وصحيًا ومنظمًا، فكان الناس قديمًا يبدؤون حياتهم مبكرًا، بعد صلاة الفجر، ويكون الغداء قبل الساعة 12: 00 ظهرًا ثم القيلولة بعد صلاة الظهر كما كانوا ينامون مبكرًا بعد صلاة العشاء بقليل، وكانت العائلة تجتمع بمعظم أفرادها على سفرة الطعام.
طبيعة الحياة البسيطة، كانت قد خلقت روابط وثيقة بين أفراد الأسرة وبين الجيران الذين يعيشون في جو من الاحترام والألفة والمودة والتعاون مما جعل الأمان والثقة يسودان في المجتمع، وكانت الفرجان (الأحياء) آمنة مما كان يسمح للأطفال باللعب في خارج منازلهم حيث كانوا يمضون كثيرًا من الوقت، ولم يكن التلفاز منتشرًا آنذاك، وكانت الكهرباء تنقطع بشكل متكرر خلال الصيف، وفي حال استمرار انقطاعها كانت الأسرة تنام فوق سطح المنزل. ورغم انطفاء الكهرباء فإن هذا الأمر لم يمنع الأطفال من التجمع واللعب معًا في الفريج، حتى إنهم جعلوا من انقطاع الكهرباء في حد ذاته وسيلة للترفيه والتسلية فكانوا يجتمعون عند محطة الكهرباء يستمتعون بمنظر الفنيين، وهم يصلحون الخلل ويعيدون الكهرباء، ورغم بساطة الألعاب الشعبية إلا أنها كانت مسلية وذكرياتها تبقى جميلة لا تنسى. وكانت أشهر الألعاب في ذلك الوقت هي الكلينة والماطوع والخشيشة ولعب التيلة.
وقد وجد القدوة في الكثير من الأشخاص الذين يحيطون به، وهو ما جعله طفلًا واعيًا وجادًا، فكانت تصرفاته أكبر من سنه حيث إنه اقتدى بالأشخاص الجادين والمجتهدين، واتبع أسلوبهم في التعامل فكان قليل الكلام كثير الاستماع، وهو ما نمى مهارات القيادة وحسن الإصغاء واحترام المحيطين به وتقبل آرائهم والتماس العذر للآخرين، ما ساعده على التعامل ببساطة وسهولة واحترام متبادل مع الآخرين، مبدؤه في ذلك أنه يجب معاملة الآخرين بالطريقة التي يحب أن يعامل هو بها.
المسار التعليمي
درس في مدارس مختلفة في المراحل الدراسية المختلفة حيث درس الابتدائية في مدرسة خالد بن الوليد والإعدادية في مدرسة الدوحة الإعدادية والثانوية في مدرسة الدوحة الثانوية، ورغم اختلاف المدارس إلا أن القيم لم تتغير، وظلت ثابتة حيث كان للمدرس هيبته ووقاره، وكان هناك احترام لقوانين المدرسة وقواعدها، ولم تكن المدارس الخاصة متوفرة، وهو ما جعل الطلبة يعرفون بعضهم بعضًا، وكان معظم الطلبة يذهبون إلى المدرسة بالحافلات أو مشيا على الأقدام نظرًا لتقارب المستويات الاجتماعية ونادرا ما كان يذهب أحد للمدرسة بسيارة خاصة.
بعد أن حقق نسبة عالية في امتحانات الثانوية العامة، حيث كان واحدًا من أوائل العشرة طلاب القطريين، كان يعتزم الالتحاق بتخصص في مجال الهندسة في الولايات المتحدة ولكنه غير توجهه في اللحظة الأخيرة وقرر الالتحاق بدراسة الطب، وذلك بناءً على معلومات محدودة عن تخصص الطب، ولم يكن لديه فكرة واضحة عن ماهية عمل الطبيب أو التخصصات الطبية المختلفة في ذلك الوقت.
حصل على قبول للالتحاق بكلية الجراحين الملكية في أيرلندا حيث أمضى 7 سنوات في الدراسة، وكان ضمن مجموعة محدودة من الطلبة الذين سافروا إلى الخارج للدراسة في تلك الفترة، ولم يتجاوز سنه 17 عامًا. في ذلك الوقت لم يكن السفر المباشر متاحًا إلى معظم الوجهات في الخارج مما كان يشكل تحديا، وكذلك كانت هناك صعوبة في التواصل بين الطالب وأهله حيث إن الاتصال الدولي كان مكلفًا، وليس متاحًا بشكل فوري، وهو ما جعله يحس بعبء الغربة حيث كان يتصل بعائلته مرة واحدة أسبوعيًا، وكان ينتظر عشر دقائق على الخط ليتمكن من التواصل معهم، وكان يشعر بالحنين الكبير لأسرته لأنه كان يظل فترات طويلة بعيدًا عنهم. وكان هناك عدد لا بأس به من طلاب الطب القطريين في أيرلندا في تلك الفترة منهم الواحد الملا والدكتور العزيز الخليفي والدكتور محمد العمادي والدكتور حسن النعمة والدكتور محمد العلي والدكتور الوهاب المصلح والدكتور يوسف المسلماني والدكتور جاسم السويدي والدكتور أحمد المحمد والدكتور حسن آل ثاني بالإضافة إلى آخرين.
العودة للوطن والسفر لمواصلة تحصيل العلم في الولايات المتحدة الأمريكية
وبعد إنهاء رحلته التعليمية في الطب بتميز في الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا عام 1989 م حيث كان من الفوج الثالث من الخريجين القطريين، عاد إلى قطر لكن سرعان ما اتخذ قرار السفر مجددًا لمواصلة رحلة تحصيل العلم، وذلك بتشجيع من المؤسسة التي كانت تدفع الأطباء القطريين الشباب لإكمال التدريب في التخصصات الطبية في الخارج، وقد لقي دعمًا كبيرًا من أسرته وتشجيعًا من الدكتور حسن النعمة جراح السرطان (رحمه الله)، فاتفق مع الدكتور إبراهيم الجناحي استشاري الغدد الصماء وزميله في دراسة الطب على السفر معًا للتخصص في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان شرطًا عليهما اجتياز امتحان القبول الأمريكي الذي كان سيعقد في الكويت واستعدا له بشكل جيد وجلسا للامتحانات، وبعد أسبوعين من عودتهما من الكويت تفاجآ بخبر غزو العراق للكويت فشعرا بتوتر وقلق كبيرين، بسبب الظروف التي تمر بها الكويت كما كانا قلقين من مصير أوراق الامتحان، وبعد ستة أسابيع تقريبًا وصلتهما رسائل من أمريكا تخبرهما باجتياز الامتحان قدما بعدها طلبات للعديد من المستشفيات الجامعية في أمريكا للالتحاق في تخصص الطب الباطني، وأجريا مقابلات شخصية في مستشفيات عدة، وكان قد لاقى قبولًا بالمستشفى الجامعي التابع لجامعة كونيتيكت بولاية كونيتيكت الأمريكية، حيث قضى 3 سنوات يتخصص في هذا المجال، وحصل بعدها على قبول للالتحاق بالزمالة لمدة سنتين إضافيتين في تخصص الأمراض المعدية في مستشفى هارتفورد، وكان وقتها مرض الإيدز منتشرًا بشكل كبير وكان مهتمًا في تعلم المزيد عن هذا المرض وتقديم الرعاية للمصابين به، وكان قد حصل على البورد الأمريكي في الطب الباطني، تلاه الحصول على البورد الأمريكي في الأمراض المعدية. وبعد إكماله برنامج الزمالة عمل طبيبًا استشاريًا في قسم الأمراض المعدية في مستشفى هارتفورد لمدة 6 أشهر، وكان المستشفى قد عرض عليه البقاء للعمل معه، ولكنه اعتذر عن ذلك كونه من الواجب عليه أن يعود لخدمة وطنه.
العودة للوطن وإسهامات كبيرة في تطوير المنظومة الطبية
عين كذلك مساعدًا للدكتورة غالية آل ثاني، ومن بعدها مساعدًا للدكتور محمد سالم في إدارة التعليم الطبي، وقد استفاد بشكل كبير في تطوير خبرته ومهاراته الإدارية من مختلف المهام التي تولاها.
وقد طلبت منه وزارة الصحة المشاركة في قيادة بعض البرامج الوطنية المتعلقة بالأمراض المعدية للاستجابة الوطنية لبعض الأوبئة مثل متلازمة سارس وإنفلونزا الخنازير وجائحة كورونا، وأسهم أيضًا في مكافحة الأمراض المعدية مثل السل، وشغل منصب رئيس لجنة التطعيمات الوطنية، ومارس دورًا كبيرًا في تطوير برنامج التطعيمات لتكون قطر سباقة في إدخال العديد من التطعيمات للأطفال على مستوى المنطقة والعالم.
إسهامات في التصدي لفيروس كورونا
مع بداية انتشار فيروس كورونا لم يكن هناك إدراك كبير لمدى خطورة هذا الفيروس الذي أصبح جائحة عالمية، وكانت وزارة الصحة قد شكلت فريقًا للتصدي للجائحة على المستوى الوطني بقيادة هو واستمر هذا الفريق في أداء مهماته منذ بداية الجائحة، وحتى إعلان منظمة الصحة العالمية انتهاءها.
وكانت استجابة دولة قطر قوية وسريعة، وهو ما جعلها أقل الدول تضررًا في معدل الوفيات، بسبب الجائحة، كما أنها استفادت من التجربة، وخرجت منها بمنظومة طبية أقوى، وأفضل مما كانت عليه قبل الجائحة، وأصبح الطاقم الطبي قادرًا على التعامل مع الكوارث والاستجابة السريعة بشكل أفضل، وأصبح النظام الصحي أكثر قدرة على التمدد والتوسع، وأصبحت هناك العديد من القنوات للتواصل حيث تم بناء العديد من الجسور مع الوزارات والهياكل في الدولة، وأصبحت هناك مشاركة حقيقية بين النظام الصحي والجهات الأكاديمية الوطنية، وتحولت معظم الاجتماعات للفضاء الافتراضي الذي اختصر الوقت والمسافات، وتم تطبيق العلاج عن بعد، وتحسنت الكثير من الخدمات الصحية بسبب الوباء.
نجاحات وإنجازات
يشعر بالفخر بالمساهمة الكبيرة التي قدمها في إقامة برنامج طب الأسرة وطب المجتمع الذي أسسه الدكتور حجر البنعلي، وبكونه أول رئيس لقسم الأمراض المعدية ومساهمته في تطوير برنامج التطعيمات والحد من انتشار السل في دولة قطر والسيطرة عليه وإنشاء برنامج الإيدز الذي يشرف عليه والذي يقدم خدمات متميزة للمتعايشين مع الفيروس، بالإضافة إلى إنشاء مركز الأمراض الانتقالية الذي كان مجرد فكرة في البداية، وعمل عليه حتى أصبح حقيقة ويعد مركزًا فريدًا من نوعه في المنطقة تجلت أهميته خلال فترة وباء كورونا والآن هناك جهود من أجل توسعة المركز.
ويعزى للدكتور إنشاء مركز إتقان للمحاكاة والإبداع الذي كان فكرة جديدة ومبتكرة، ويعد من أكبر المراكز للتعليم من خلال المحاكاة في العالم وأكثرها تقدمًا تكنولوجيًا، وهو استثمار كبير نفذته المؤسسة والدولة إذ يدرب الأطباء وسط بيئة مشابهة جدًا للمستشفى، ويكون التدريب على أجهزة ودمى متطورة فضلًا عن إجراء عمليات جراحية على الحيوانات تحت التخدير.
أسهم في تطوير التعليم الطبي في مؤسسة حمد حيث أعاد ترتيب آليات تدريب الأطباء وخلق برامج تدريبية بملامح ومناهج ومقاييس عالمية واضحة حصلت على الاعتماد من جهة اعتماد عالمية مركزها في الولايات المتحدة لتطابق المعايير المعتمدة في أمريكا وأصبح هناك 19 تخصصًا عامًا معتمدًا بالإضافة إلى 11 تخصصًا دقيقًا، وجاري العمل على اعتماد العديد من التخصصات الدقيقة الأخرى، وهذا كان له الفضل في جعل مؤسسة حمد الطبية مركزًا مرموقًا على مستوى العالم في تدريب الأطباء وطلاب الطب.
ومن خلال استثمار التعليم في الطب ارتقت سمعة مؤسسة حمد للعالمية، وأصبحت نسبة النجاح في امتحانات البورد من أعلى نسب النجاح، وذلك بفضل تضافر الجهود بين المراكز التدريبية والمشرفين والمدربين الذين خلقوا جوًا أكاديميًا وعلميًا عاليًا ومتميزًا، وتستقطب مؤسسة حمد سنويًا قرابة 180 خريجًا جديدًا من الأطباء المتميزين الذين يتم اختيارهم بناء على معايير صارمة إضافةً إلى اجتياز بعض الاختبارات الدولية.
وأسهم في اللجنة التي كانت قد أسست كلية الطب في جامعة قطر وتسهم حاليًا في تخريج عدد كبير من الأطباء القطريين على مستوى عالٍ من الكفاءة.
تحديات وصعوبات
كما عانى بينما كان في خضم الدراسة، مثل بقية زملائه، من صعوبة التخصص وطول الطريق الذي يتطلب الكثير من الصبر وطولة البال، واكتشف لاحقًا أن المشوار الحقيقي يبدأ بعد التخرج من كلية الطب، وأنه لا ينتهي عند التخرج حيث يتوجب الالتحاق ببرنامج التدريب التخصصي والتخصص الدقيق لسنوات عديدة أخرى.
وقد استمر في التدريب ما بعد التخرج مدة خمس سنوات بين التخصص والتخصص الدقيق في الولايات المتحدة الأمريكية ورغم صعوبة المجال والاختبارات المستمرة إلا أنها أصبحت جزءًا من الروتين، حيث إن الطبيب مطالب بالاطلاع بشكل دائم على آخر المستجدات الطبية وحضور المحاضرات والندوات وإعادة الجلوس لامتحانات البورد الأمريكي بشكل متكرر، وهو ما يجعله طالبًا للعلم مدى حياته.
وكذلك من أهم التحديات التي واجهها على الصعيد العملي بحكم تخصصه الأوبئة التي تظهر من حين لآخر فتربك حياته، وتغير الروتين وآخرها كان فيروس كورونا الذي شكل تحديًا كبيرًا للجميع نظرًا للجهد والوقت الكبير الذي استهلكه للتصدي لهذا الفيروس، أما بقية التحديات فهي تحديات روتينية، وهي جزء من حياة الطبيب.