أحمد منصور
دليل الشخصيات ←

أحمد منصور

صحفي وإعلامي مصري ارتبط اسمه بالتغطيات الميدانية والبرامج الحوارية والتوثيق السياسي.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 176–185

أحمد السيد منصور، صحفي وإعلامي وكاتب ومدرب مصري في معهد الجزيرة للإعلام، ومقدم برنامجي «شاهد على العصر» و «بلا حدود» على قناة الجزيرة. جمع بين التغطية الميدانية والحوارات السياسية والكتابة والتدريب الإعلامي.

النشأة والطفولة

ولد في مدينة كفر الدوار محافظة البحيرة، في مصر عام 1962، حيث كان والده يعمل في شركة كفر الدوار للغزل والنسيج. عاد مع أبويه إلى مسقط رأسيهما في قرية منية سمنود بمحافظة الدقهلية في مصر، والتحق في الرابعة من عمره بالكتاب، وتعلم القراءة والكتابة، وحفظ عشرة أجزاء من القرآن الكريم على يد الشيخ جعفر المرشدي. ساعده حفظه المبكر للقرآن الكريم على حب اللغة العربية والقصص القرآني، فأصبح شغوفًا بالقصص والكتب والروايات التاريخية بشكل عام، وكان يدخر مصروفه القليل وينفقه على شراء الكتب. زار معرض القاهرة الدولي للكتاب للمرة الأولى، وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكل ما كان معه هو ثلاثة جنيهات مصرية، شكلت الكتب التي اشتراها بها نواة لمكتبته، التي تضم الآن آلاف الكتب، وقد أصبح حلمه منذ الطفولة أن يصبح واحدًا من هؤلاء الذين يقرأ لهم.

عرف بشخصيته القيادية منذ صغره، فانتخب رئيسًا لاتحاد الطلاب في مدرسة منية سمنود الإعدادية الثانوية طوال سنوات دراسته، من الأول الإعدادي إلى الثاني الثانوي، وكان مسؤولًا عن إدارة الإذاعة المدرسية على مدار العام طوال المرحلتين الإعدادية والثانوية.

الدراسة الجامعية والشغف بالصحافة

حصل على الثانوية العامة بتفوق، وقد نصحه أساتذته بدراسة الأدب لتنمية قدراته في الكتابة والصحافة التي كان يحلم بالعمل بها، فالتحق بكلية الآداب جامعة المنصورة، وتمكن من خلال ثقافته وقراءاته الواسعة من إقامة علاقات قوية مميزة مع أساتذته في كلية الآداب، وكان معظمهم منتدبين من كلية الآداب جامعة القاهرة للتدريس في كلية الآداب جامعة المنصورة، لأنها كانت حديثة، وكان أحد طلاب دفعتها الثانية، ومع التحاقه بالجامعة بدأ مراسلة الصحف والمجلات وكتابة الأخبار والمقالات، ولسعة إطلاعه وثقافته عرضت عليه دار الوفاء للطباعة والنشر -التي أصبحت فيما بعد إحدى دور النشر الكبرى في مصر وهو في المرحلة الجامعية- أن يشرف على اختيار كتب المؤلفين وتقييمها، وكتابة مقدمات الناشر للكتب التي تختارها، وبعد ذلك عين مديرًا لإدارة المطبوعات والنشر بها، فكان مسؤولًا بشكل كامل عن التعامل مع المؤلفين طوال ثلاث سنوات، فاكتسب خبرة كبيرة في هذا المجال.

الانغماس في عالم الصحافة

كانت الصحافة هي شغفه وطموحه الأساسي، فأخذ يبحث عن فرصة عمل في الصحافة خارج مصر، يستطيع من خلالها أن يتعلم الصحافة على أصولها، وأن ينطلق بعيدًا عن قيود الحكومة والأحزاب في مصر، وقد جاءته أكثر من فرصة لكنها لم تكن ترضي طموحه، حتى جاءته فرصة العمل بداية عام 1987 م، مراسلًا لتغطية الحرب الأفغانية لمجلة «المجتمع» الكويتية، إذ كانت أفغانستان تحت الاحتلال السوفيتي آنذاك، واعتبر أن تغطيته الحرب الأفغانية قد تشكل فرصة عظيمة لامتهان الصحافة والتفوق فيها، فاقتنص الفرصة ولم يضيعها، وحينما سافر إلى باكستان وجد الساحة فارغة من الصحفيين العرب الذين يغطون الحرب الأفغانية إلا قليلًا ممن يذهبون في زيارات متقطعة، وبعد شهرين من دراسة الساحة، فضل أن يكون مراسلًا حرًا، يكتب لمجلة «المجتمع» وغيرها من الصحف والمجلات الأخرى، وبالفعل أصبح مراسلًا لعدد من الصحف والمجلات، وكانت مقالاته ورسائله الصحفية تتصدر أغلفة المجتمع وصدر الصفحات الأولى في صحيفة الاتحاد الإماراتية، لا سيما حواراته مع القادة الأفغان آنذاك.

بعد ثلاث سنوات من العمل الميداني وكتابة ونشر مئات المقالات اتصل به رئيس مجلس إدارة مجلة المجتمع الكويتية آنذاك عبد الله العلى المطوع، ثم رئيس التحرير الدكتور إسماعيل الشطي الذي أصبح بعد ذلك وزيرًا ونائبًا لرئيس مجلس الوزراء في الكويت، وطلبا منه أن ينتقل للعمل في مجلة المجتمع في الكويت، ليس محررًا، وإنما بصفته مديرًا للتحرير، كان عمره آنذاك سبعة وعشرين عامًا، ليكون بذلك أصغر مدير تحرير لصحيفة أو مجلة سياسية إخبارية أسبوعية خليجية، ورغم أن العرض كان مغريًا إلا أنه اعتذر في البداية، وظل التفاوض بين الطرفين ستة أشهر، انتهت بزيارة عبد الله العلى المطوع باكستان، التقى خلالها وأقنعه بالانتقال للكويت وتسلم مهام عمله مديرًا لتحرير مجلة «المجتمع» الكويتية. وبالفعل زار الكويت في يونيو/حزيران 1990 م استمرت أسبوعين، التقى خلالها مع رئيس التحرير الدكتور إسماعيل الشطي، ورئيس مجلس الإدارة، وأعضاء مجلس الإدارة، ثم عاد إلى باكستان لتصفية أعماله وارتباطاته المهنية المختلفة، ورجع للكويت وتسلم مهام عمله الجديد.

من الحرب الأفغانية إلى احتلال الكويت

وصل إلى مطار الكويت فجر الثاني من أغسطس/آب 1990 م وسط توتر وأنباء عن غزو عراقي محتمل للكويت. خرج مع قليل من الركاب من المطار، وحينما وصل إلى الفندق الذي كان يقع في قلب مدينة الكويت شعر أن الأمور غير مستقرة، وبعد ساعة سمع قصفًا للمدفعية، وعلم بعد ذلك أن القوات العراقية دخلت إلى الكويت، فنزل ليستطلع الأمر فوجد قوات عراقية في قلب المدينة، والفوضى العارمة تضرب أطنابها في كل مكان.

رجع إلى الفندق، وتواصل مع الدكتور إسماعيل الشطي، فطلب منه أن يوافيه في مقر المجتمع، ومنحه بعد يومين الخيار في مغادرة الكويت أو البقاء مع أهلها الذين قرروا عدم الخروج، كان الموقف ضبابيًا خلال الأيام الأولى للغزو العراقي للكويت، فأبلغه أنه سيبقى ولتكن تجربة صحفية إضافية يضيفها إلى رصيده، وكانت الفترة الأولى ضبابية حتى إنه فقد الاتصال مع عائلته ما يقرب من شهرين، ولم يكن هناك من وسيلة اتصال سوى هاتف واحد يعمل عبر الأقمار الاصطناعية، ولا يعمل طوال الوقت، لكنه رابط مع أهل الكويت وكأنه واحد منهم حتى إنه شارك في تحرير صحيفة سرية، تحض الناس على البقاء وعدم مغادرة البلاد ومقاومة قوات الاحتلال.

جريدة المرابطون

بعد تغير سلوك الجيش العراقي وجنوده للعنف والاعتداء أصدر المرابطون من أهل الكويت صحيفة سرية كانت توزع داخل الكويت أطلقوا عليها اسم «المرابطون»، وطلبوا منه أن يحررها، وقد صدر منها ستة أعداد داخل الكويت، لكنها أصبحت تشكل خطرًا على كل من لديه نسخة منها، فكانت القوات العراقية تعتقل كل من تجد معه أي نسخة من «المرابطون»، وبدأت القوات العراقية في البحث عن مقر «المرابطون» ومن يحررها والمكان الذي تطبع فيه، هنا طلب منه القائمون على «المرابطون» أن يخرج بشكل عاجل من الكويت على أن يذهب إلى لندن، لأنهم قرروا إصدارها من هناك كصحيفة أسبوعية، وقد رتبوا ذلك. خرج عبر العراق ومنه إلى الإمارات، إذ كانت لديه إقامة هناك، وذهب من هناك إلى لندن.

تحرير الكويت والعودة من لندن للمجتمع

استمر صدور «المرابطون» من لندن حتى تحرير الكويت، بعد ذلك عاد للكويت واستأنف خطته لتطوير مجلة «المجتمع»، التي أصبحت خلال سنوات إدارته لتحريرها واحدة من أهم المجلات العربية وأكثرها انتشارًا في الخليج والكثير من دول العالم، فكان يكتب فيها مقاله الأسبوعي «بلا حدود»، الذي حوله إلى برنامج تلفزيوني على شاشة «الجزيرة» بعد ذلك، وكان يكتب افتتاحية «المجتمع»، علاوة على تحقيقات ومقابلات وتحليلات أخرى، ونجح في استكتاب العشرات من المفكرين والكتاب من أنحاء العالم، بينهم مفكرون وكتاب غربيون كثيرون، وأسس شبكة مراسلين واسعة للمجلة كانت تنتشر في أكثر من أربعين دولة، ووصل توزيع المجتمع في عهده إلى 120 دولة، فشعر أنه حقق حلمه في أن تصبح «المجتمع» ندًا عربيًا للمجلات الأمريكية الشهيرة «تايم» و «نيوزويك»، ولكن ببعد عربي إسلامي.

حرب البوسنة والهرسك

خلال إدارته لمجلة «المجتمع» أجرى تغطيات صحفية من دول كثيرة، غير أن تغطيته لحرب البوسنة والهرسك كانت علامة فارقة في التغطيات الصحفية التي نفذها، إذ كان دخوله العاصمة سراييفو المحاصرة آنذاك مغامرة كبيرة، دخلها من النفق الذي حفره البوسنيون تحت مطار سراييفو، وبعدما دخل المدينة المحاصرة، قضى شهرًا كاملًا تحت الحصار مع أهلها في طقس شتوي مريع، دون كهرباء أو متطلبات الحياة الأساسية، وقد التقى مع الرئيس علي عزت بيجوفيتش وأجرى معه حوارًا، وأجرى حوارًا مع نائبه أيوب جانيتش، ونقل المعاناة كاملة على صفحات المجتمع، ونشرها بعد ذلك في كتاب عنوانه (تحت وابل النيران في سراييفو).

قناة الجزيرة

بعد النجاح الكبير الذي حققه في المجتمع قرر التقدم في مسيرته والانتقال من جمهور الصحافة المكتوبة إلى جمهور أوسع ومجال صحفي أكثر رحابة، هو الصحافة التلفزيونية، وصادف أن أعلمه صديقه أسعد طه أن محطة تلفزيونية إخبارية سوف تبث من قطر، وأنه يسعى للانضمام إلى فريقها، فأخذ يترقب ظهور هذه القناة، وبقي الأمل يراوده حتى شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1996 م، إذ كان في رحلة عمل إلى لندن، وفي زيارة لأحد أصدقائه أبلغه أن قناة «الجزيرة» الإخبارية قد انطلقت من قطر، وأنها فريدة في أسلوب وطريقة تغطيتها للأخبار، وجلسا معًا وشاهدا موجزًا للأخبار، وشدت القناة انتباهه، ووجد فيها الحافز الذي يدفعه للانتقال من الصحافة المكتوبة إلى الصحافة التلفزيونية.

عاد من لندن للكويت وعينه على «الجزيرة»، ثم اقترح فكرة لبرنامجيه؛ «بلا حدود» الذي كان عنوان مقاله الأسبوعي في «المجتمع»، و «شاهد على العصر» الذي بدأت فكرته لديه خلال تغطيته الحرب الأفغانية مع قادة الجهاد الأفغاني.

لم يكن يتوقع تجاوبًا سريعًا من إدارة الجزيرة على طلبه، لكنه فوجئ باتصال من الإدارة يحدد له موعد للمقابلة في الدوحة، وكان ذلك في بداية فبراير/شباط 1997 م، وبعد مقابلة مطولة مع المدير العام محمد جاسم العلي ونائب رئيس مجلس الإدارة محمود السهلاوي تمت الموافقة على تعيينه، على أن يبدأ في إعداد برامجه بعد تجاوزه فترة التدريب التي طلب ألا تقل عن ستة أشهر، حتى يتعلم بعمق فنون الصحافة التلفزيونية كافة.

تحديات في الكويت

بعد إجراء اللقاء عاد للكويت لتقديم استقالته لكن واجه تحديًا كبيرًا إذ رفض رئيس مجلس الإدارة عبد الله على المطوع استقالته بشكل قاطع، وأصر على أن يبقى في عمله، وإذا كانت له أي مطالب مادية أو إدارية يحققها له، وكان يكن كامل الاحترام لهذا الرجل الذي تعلم منه الكثير، وبعد أخذ وعطاء ووساطة أخيرًا قبل المطوع الاستقالة وأقام حفل تكريم كبير له.

من التدريب إلى الشاشة

في 5 مايو/أيار 1997 م بدأ عمله في قناة الجزيرة كصحفي في غرفة الأخبار، وأخذ ينهل من كبار خبراء الصحافة التلفزيونية في الجزيرة، سامي حداد، وجميل عازر، وأحمد الشيخ، وغيرهم. وبعد ثلاثة أسابيع من التحاقه بالجزيرة طلب منه المدير العام محمد جاسم العلي أن يجري أول تدريب لحوار تلفزيوني لبرنامج «لقاء اليوم»، وكان الضيف هو خالد مشعل مدير المكتب السياسي لحركة حماس، الذي كان في زيارة للدوحة، لكن إدارة الجزيرة بعدما شاهدت حواره أعجبت بالبرنامج الذي كان على سبيل التدريب، وقررت بثه على شاشة الجزيرة في 4 يونيو/حزيران 1997 م، وكان هذا أول ظهور له على شاشة قناة الجزيرة.

بعد ذلك كلف بتقديم برنامج الشريعة والحياة لمدة ستة أشهر على أن يبدأ بعدها في تقديم برنامجيه اللذين قدم فكرتهما للإدارة حينما التحق بالجزيرة؛ «بلا حدود» و «شاهد على العصر»، غير أن نجاح برنامج «الشريعة والحياة» وتصدره استطلاعات الرأي على شاشة الجزيرة جعل الإدارة تمدد فترة بقائه في تقديمه عامًا إضافيًا، بدأ خلاله تسجيل حلقات «شاهد على العصر».

الشريعة والحياة

نجح في تحويل برنامج «الشريعة والحياة» من مفهوم البرامج الدينية التي كانت تدور حول الأحكام الفقهية والموضوعات التقليدية إلى برنامج عصري يتناول حياة الناس بمفهومها الشامل الذي جاء به الإسلام، فطرق موضوعات مهمة خلال برنامجه كانت تدور في إطار الاقتصاد والسياسة والأخلاق والسلوك وعلاقات المسلمين مع غيرهم، حتى إنه كان يجمع في حواراته بين علماء الإسلام والشريعة، وآخرين متخصصين في الطب والاقتصاد وغيرها من علوم الحياة المختلفة.

بل إنه ذهب إلى حد الجمع في حوار واحد بين بطريرك القدس ميشيل صباح والشيخ يوسف القرضاوي في حلقة واحدة، بل ذهب أبعد من ذلك حينما قدم حلقة خاصة للكبار فقط عن العلاقات الزوجية في ظل الشريعة الإسلامية، أثارت ضجة كبيرة في حينها، لا سيما أنها كانت مع الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله الذي لم يجد حرجًا في أن يناقش هذا الأمر على الهواء مع المشاهدين لأنه يتعلق بأمور دينهم دون أن يكون هناك حياء في الدين.

«شاهد على العصر» و «بلا حدود»

بعدما بدأ في تقديم برنامج «الشريعة والحياة»، أخذ يعد لإطلاق برنامجيه؛ «بلا حدود»، و «شاهد على العصر»، ولأن «شاهد على العصر» برنامج مسجل، ويقتضي جهدًا كبيرًا في إعداده، ودراسة مراحل تاريخية كبيرة، فقد بدأ مرحلة الإعداد فيه قبل عام كامل من انطلاقه، ومن بين الشخصيات التي سجل معها قبل إطلاق البرنامج بعام كامل ياسين، مؤسس وزعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري وصاحب خطة النصر في حرب أكتوبر، والأمير طلال بن عبدالعزيز آل سعود، والفريق مشهور حديثة الجازي رئيس أركان الجيش الأردني الأسبق وقائد معركة الكرامة التي انتصر فيها الجيش الأردني والفدائيون الفلسطينيون على الجيش الإسرائيلي.

وفي الأسبوع الأول من فبراير/شباط 1999 م، أطلقت الجزيرة في آنٍ واحد برنامجيه «بلا حدود»، و «شاهد على العصر»، إذ كان «شاهد على العصر» يبث كل يوم أحد، بينما برنامج «بلا حدود» يبث كل أربعاء، وبينما كان «بلا حدود» يناقش على الهواء المسؤولين من رؤساء ووزراء وزعماء سياسيين، كان «شاهد على العصر» يناقش مع الرؤساء والوزراء والزعماء السابقين في التاريخ العربي الحديث، من خلال الشخصيات التي أسهمت في صناعته، أو كانت شاهدة على أحداثه.

وقد نشر شهادات بعض الضيوف بعد تحريرها وتنقيحها على هيئة كتب، وأصبح برنامج «شاهد على العصر» مرجعًا تاريخيًا أساسيًا لتاريخ الدول العربية وكثير من حكامها وحكوماتها.

أما برنامج «بلا حدود» فقد كان يناقش على الهواء مباشرة صناع القرار والسياسيين والمفكرين، وقد شارك فيه مئات الزعماء والسياسيين والقادة العرب والأجانب، وظل يقدم برامجه على مدى ما يقرب من ربع قرن، هو تاريخ الجزيرة، فبلغ مجموع ما قدمه من برامج ما يزيد على ألفين وخمسمئة ساعة تلفزيونية برامجية حوارية.

كانت معركة الفلوجة في العراق، التي وقعت في إبريل/نيسان 2004 م، واحدة من المعارك الفاصلة في تاريخ الاحتلال الأمريكي للعراق، وكانت قناة الجزيرة قد أعدت تغطية خاصة لذكرى مرور عام على الاحتلال الأمريكي للعراق، وكلفت عددًا من كبار مقدمي الأخبار والبرامج لتنفيذها، كان من بينهم هو الذي كلف بتغطية الأحداث من مدينة الفلوجة، بينما كان زميله محمد كريشان في بغداد، وعبد القادر عياض في جنوب العراق. لكن الفلوجة تعرضت لحصار القوات الأمريكية قبل توجهه مع فريق الجزيرة إليها بليلة واحدة، وطوقت القوات الأمريكية المدينة من جميع الجهات، غير أنه وفريق الجزيرة تمكنوا من اختراق الحصار ودخول المدينة، وكان فريق الجزيرة هو الفريق التلفزيوني الوحيد الذي تمكن من اختراق حصار القوات الأمريكية للمدينة، وتمكنوا من دخول الفلوجة وهي تحت الحصار وغطى فريق الجزيرة الأحداث من داخل المدينة على الهواء مباشرة على مدار الساعة، طوال أكثر من أسبوع، مما جعل قناة الجزيرة المصدر الوحيد لما يجري داخل الفلوجة من أحداث، وكانت المصدر الوحيد لكل القنوات التلفزيونية العالمية.

هجوم أمريكي عنيف

أدت تغطية الجزيرة لمعركة الفلوجة إلى غضب أمريكي كبير على الجزيرة وعليه، إذ هاجم الجنرال مارك كيميت -نائب قائد القوات الأمريكية في العراق- باسمه مرارًا في المؤتمرات الصحفية، وشن ريتشارد باوتشر الناطق باسم الخارجية الأمريكية هجومًا كاسحًا عليه في مؤتمره الصحفي الذي عقد في مقر الخارجية الأمريكية خلال زيارة رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية آنذاك معالي الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني إلى واشنطن في إبريل/نيسان 2004. لم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد أدت تغطية قناة الجزيرة إلى تفكير الرئيس الأمريكي جورج بوش بقصف مقر الجزيرة في قطر، ونشرت وثائق حول هذا الأمر في صحيفة (الدايلي ميرور) البريطانية، وبقيت تغطيته لمعركة الفلوجة علامة فارقة في تاريخه المهني وتاريخ الجزيرة في تغطية الحروب.

كانت جرأة وشجاعته في معالجة كثير من القضايا الشائكة سببًا في كثير من المتاعب التي تعرض لها في حياته، ومنها حادثة الاعتداء الذي وقع عليه في القاهرة، سنة 2005، خلال الانتخابات البرلمانية التي كانت تجري آنذاك.

كان قد أعد سلسلة من الحوارات مع زعماء الأحزاب الرئيسية في مصر، ومنها الحزب الوطني الحاكم، ورتب لحوار مع أمينه العام المساعد الوزير كمال الشاذلي، في حلقة الأربعاء 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، إلا أن الشاذلي تهرب في اللحظة الأخيرة، ورفض الرد على اتصالاته المتكررة، مما اضطره إلى الاتصال بالأمين العام للحزب الوطني الحاكم آنذاك الوزير صفوت الشريف، الذي وعده ببحث الأمر، ثم امتنع عن الرد على اتصالاته بعد ذلك، مما دفعه إلى شن هجوم كاسح عليهما في مقدمة برنامجه «بلا حدود» على الهواء مباشرة في الحلقة، بعدما قدم شرحًا وافيًا للمشاهدين على ما حدث، وفي حلقة الأسبوع التالي، الأربعاء 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، بينما كان ينتظر أحد الضيوف أمام مكتب قناة الجزيرة، تقدم رجلان قويا البنية منه، واعتديا عليه بالضرب المبرح، وأبلغاه أن هذه الرسالة من معمر القذافي ولاذا بعدها بالفرار، وسط ذهول الناس الذين كانوا ينتشرون في المكان.

بعد حادث الاعتداء عليه بدقائق خرج على الهواء مباشرة، وآثار الضرب بادية على وجهه، ووجه بلاغًا عاجلًا لوزير الداخلية، وشرح للمشاهدين ما تعرض له، ورغم تحقيق النيابة العامة في الأمر، إلا أن التحقيقات لم تسفر عن شيء آنذاك.

رسالة قاسية من القذافي

بعد قيام الثورة الليبية بأشهر، وفي نهاية عام 2011، فوجئ باتصال من أحد المسؤولين الأمنيين في ليبيا بعد سقوط القذافي، يبلغه بأن الشخصين اللذين اعتديا عليه في مصر كانا يعملان لصالح المخابرات الليبية، وهما معتقلان، وقد اعترفا بالجريمة ضمن جرائم أخرى كثيرة ارتكباها، فتوجه إلى طرابلس على الفور، والتقى وجهًا لوجه بعميلي المخابرات الليبية في مكتب وكيل وزارة الدفاع الليبية، حيث رويا له القصة كاملة، وتحدثا عن كل تفاصيل الاعتداء عليه، والضباط الليبيين المتورطين فيه وأهداف العملية التي كانت محاولة اغتيال، من خلال توصيتهما بالتركيز على ضربة في الدماغ لقتله أو التسبب في تلف دائم، إذ اختير على اعتبار أنه الأكثر شهرة، وأن حادث الاعتداء عليه سوف يكون مدويًا، ورسالة للجميع، من خلال الاعتداء على واحد من أشهر نجوم قناة الجزيرة.

اعتقاله في ألمانيا عام 2015

كان له دور بارز في ثورة 25 يناير في مصر يتجاوز دوره كإعلامي إلى كونه مواطنًا مصريًا يهمه شأن مصر مثل كل المصريين، ويذكر أنه قد وقعت بينه وبين عبد الفتاح السيسي مشادة حادة في أعقاب مجزرة محمد محمود، التي قتل وجرح فيها آلاف من الثوار، إذ تجمعت لديه أدلة تثبت تورط جهاز المخابرات العسكرية الذي كان يرأسه عبد الفتاح السيسي وذراعه العسكرية في تلك المجزرة، وهو ما أثار غضب السيسي منه، كانت نتائجها وخيمة على الإعلامي الشهير، ودفع ثمنها بعد ذلك حينما أقحم في قضية تعذيب وقعت في ميدان التحرير لأحد الأشخاص خلال الثورة المصرية، ولفقت له تهم باطلة، وحكم عليه بالسجن الغيابي كمحاولة من النظام لاغتياله معنويًا، وملاحقته جنائيًا عبر الإنتربول، وقد أدى هذا إلى اعتقاله في برلين عام 2015 في أعقاب زيارة عبد الفتاح السيسي لألمانيا.

ورغم أنه قدم للسلطات الألمانية وثيقة من الإنتربول الدولي تفيد بأن الإنتربول يتحفظ على ملاحقته دوليًا، ويطالب الدول الأعضاء بعدم ملاحقته لأنه ينطبق عليه البروتوكول الثاني في عدم ملاحقة المدانين بقضايا سياسية أو دينية، إلا أن السلطات الألمانية أصرت على اعتقاله، وقد شغلت قضية اعتقاله الإعلام العربي والألماني والغربي بشكل عام، وكانت الخبر الأول في وسائل الإعلام الألمانية والغربية، علاوة على الجزيرة.

وكتبت عشرات التقارير والمقالات طوال فترة اعتقاله وحتى إفراج السلطات الألمانية عنه دون شروط أو تحقيق في 22 يونيو/حزيران 2015 م، واستقبلته ريناتا كوناست -زعيمة حزب الخضر السابقة في ألمانيا، ورئيسة اللجنة القانونية في البرلمان الألماني آنذاك- بعد الإفراج عنه في مكتبها في البرلمان، وأبلغته أنه بسبب قضيته تغيرت قوانين تسليم المطلوبين من ألمانيا، فأصبحت مشددة عما كانت عليه من قبل حمايةً للمطلوبين، لا سيما السياسيون الذين تضعهم الأنظمة الاستبدادية على قوائمها.

المؤلفات والمقالات

قبل أن يلتحق بقناة الجزيرة كان قد أصدر أكثر من عشرة كتب، ونشر أكثر من ألفي مقال وتحقيق صحفي. وبعد انتقاله للجزيرة كان يكتب مقال أسبوعيًا في صحيفة «الوطن القطرية»، ثم أصبح مقالا يوميًا طيلة أكثر من عشر سنوات، وكانت مقالاته تنشر في صحف عربية كثيرة، مثل الوطن والشروق والأسبوع المصرية، والشبيبة العمانية، والمساء المغربية، وغيرها من الصحف الأخرى، فبلغ مجموع ما نشره من مقالات أكثر من ستة آلاف مقال.

أما الكتب فقد زادت على عشرين كتابًا، من أشهرها كتب تغطية الحروب «تحت وابل النيران في أفغانستان»، و «تحت وابل النيران في سراييفو»، و «قصة سقوط بغداد»، و «معركة الفلوجة… هزيمة أمريكا في العراق»، و «جرائم أمريكا في العراق»، و «ثقافة الفوضى»، وترجمت بعض كتبه للغات مختلفة.

النشاط المهني

يحرص على نشر تجربته وخبرته المهنية من خلال تدريب الصحفيين والإعلاميين والمذيعين في معهد الجزيرة للإعلام، فقدم عشرات الدورات التدريبية طيلة أكثر من خمسة عشر عامًا، ويعد منهجًا تدريبيًا متكاملًا في الصحافة التلفزيونية والتقديم التلفزيوني، ويعكف على إعداد كتاب وبرنامج تلفزيوني عن مدرسة الجزيرة المهنية، وتجربتها الرائدة في الصحافة التلفزيونية.