

صلاح الملا
تنقل بين الخشبة والشاشة، وبنى حضورًا فنيًا راسخًا عبر عقود من العمل.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 112–119
صلاح عبد الله الملا، المدير السابق لمركز شؤون المسرح التابع لوزارة الثقافة، وممثل ومساعد مخرج مسرحي. انضم إلى فرقة مسرح السد منذ تأسيسها عام 1972، وقدم معها مسرحية «نادي العزوبية» عام 1975، ثم شارك في مهرجانات خليجية وعربية وأعمال مسرحية وتلفزيونية وسينمائية، وظل قريبًا من عائلته وبناته الأربع.
النشأة والطفولة
ولد سنة 1957 م وسط عائلة قطرية تقليدية بسيطة متوسطة الدخل ورغم بساطة ظروف العائلة إلا أنه كان يشعر بالفخر الشديد بوظيفة والده الذي كان يعمل عسكريًا في موسيقى الجيش، فكان لا يفوت عرضًا يشارك فيه، ويتنقل من مكان إلى آخر لتشجيعه والاستمتاع بما يقدم.
ولطالما كان طفلًا نشيطًا لا يفوت فرصة للمشاركة في النشاطات الرياضية المختلفة في المدرسة، وكان لديه اهتمام خاص بكرة اليد والسلة.
المسار التعليمي
درس المرحلة الابتدائية في مدرسة صلاح الدين الأيوبي وبعدها انتقل لمدرسة عثمان بن عفان ثم قطر الإعدادية، وتأثر كثيرًا بوالدته التي كانت قدوته في الهدوء والبساطة ورحابة الصدر، وقد جمعته منذ الطفولة علاقة صداقة بالفنان غانم السليطي.
بداية المسيرة المهنية في تحلية مياه البحر
بدأ بداية حياته المهنية في مجال تحلية مياه البحر بوظيفة فني، فكان يصب جل اهتمامه على عمله ويحاول تطوير نفسه في هذا المجال والمشاركة في دورات تدريبية لا سيما أن كانت هناك محطة جديدة قيد الإنشاء، وقدمت له وعودًا بنقله لهذه المحطة بعد الحصول على دورة تدريبية، لم يكن يضع أي خطط مهنية بعيدة عن هذا المجال، ولم يتوقع أن تأخذه الحياة في دروب أخرى بعيدة كل البعد عن هذا المجال.
صدفة تقوده للنشاط المسرحي
بالتزامن مع وظيفته، مارس النشاط الرياضي في نادي السد الذي تأسست فيه فرقة مسرحية، ورغم أنه لم يكن ضمن الفرقة إلا أن جميع أفراد الفريق والمخرج كانوا أصدقاءه، وأوكلت له مهمة مرافقة جارته المشاركة في مسرح نادي السد ذهابًا وإيابًا، فاستاء منه أعضاء الفرقة لأنه يصر على اصطحابها للبيت قبل انتهاء البروفة التي غالبًا ما تنتهي في أوقات متأخرة، ففكر أعضاء الفرقة في استقطابه لينضم للفرقة، وكان يرافقهم ويجلس معهم ويستمتع بمشاهدتهم وهم يتدربون، وبدأت بالفعل تتكون لديه رغبة في دخول هذا العالم، فكان في كل يوم يقضي معهم فترة أطول عن اليوم السابق.
في أحد الأيام، عرضوا عليه المشاركة معهم في عمل، رفض بداية ثم وافق على المشاركة بصفة كومبارس في مسرحية «نادي العزوبية» سنة 1975 م، وأثناء البروفات كان يرافقهم للمقاهي وكانت نقاشاتهم تدور حول المسرح وأهميته في المجتمع وتاريخه وكانوا كلهم أهل اختصاص، من بينهم الدكتور مرزوق بشير والفنان فالح فايز والفنان غانم السليطي والمخرج السوداني كمال محيسي، فكان ينصت إلى نقاشاتهم باهتمام ويخزن كل ما يقال.
خلال هذه المرحلة اشتعل لديه لهيب الشغف بالمسرح وانطلق معهم وقدم عرضًا في مسرح نجمة وشعر بمدى التفاعل بين الممثل والجمهور واستمر في العمل المسرحي منذ ذلك الوقت.
مسرح منطقة نجمة
رغم بساطة دوره في مسرحية «نادي العزوبية» إلا أنها كانت بوابته لعالم الفن، فاكتشف من خلالها ذاته وموهبته وأعاد ترتيب أوراقه وغير مساره بشكل جذري وتغير توجهه في الحياة بعد أن أغرته الحياة المسرحية وتعزز هذا الانتماء بعد الانتقال للعمل كأمين مسرح في مسرح بمنطقة نجمة وتعلم من هذه التجربة الحفاظ على المسرح وتنظيمه واكتشف كواليس الإدارة والعمل المسرحي.
مسرح قطر الوطني
خلال فترة تشييد مسرح قطر الوطني، ألغي مسرح نجمة وأرسل إلى الخارج للمشاركة في دورات تدريبية في تونس والعراق وإيطاليا لتهيئته ليكون أحد موظفي المسرح الوطني.
وبالفعل بعد الافتتاح التحق بمسرح قطر الوطني في قسم الصالة والخدمات تحت إدارة فريق من الأجانب، وبعد تغير مدير المسرح حظي بصلاحيات أوسع مع تعيينه مديرًا لقسم الصالة والخدمات، واستمر في هذه الوظيفة لفترة طويلة، إلى أن تقرر سنة 1998 م إعادة صيانة المسرح، فارتأى الاعتذار عن مواصلة العمل بالمسرح وحصل سنة 2005 م على تفرغ من مجلس شؤون الوزراء للعمل الفني واستمر متفرغًا لفترة طويلة.
مديرا لمركز شؤون المسرح
في سنة 2016 م أخذت مسيرته منعرجًا جديدًا بصدور قرار تكليفه بإدارة مركز شؤون المسرح التابع لوزارة الثقافة، فشغل هذا المنصب ست سنوات كانت السنوات التأسيسية للمركز اعتذر بعدها عن مواصلة العمل الإداري إذ أحس أنه قدم كل ما لديه وأنه لم يعد لديه أي إضافة يمكن أن يقدمها في هذه المحطة.
ويعتز بما حققه من إنجازات خلال فترة إدارته المركز، إذ أدار الفريق بكل حكمة وأخرج أجمل ما فيه، وكون فريقًا متعاونًا منسجما حقق إنجازات مهمة في مجال المسرح. لقي دعمًا كبيرًا من سعادة السيد صلاح بن غانم العلي، وزير الثقافة والرياضة آنذاك، ومستشاريه الذين كان لهم دور كبير في تحقيق العديد من الإنجازات أهمها إنشاء مركز العرائس الذي يعد من أهم الفعاليات المستمرة في مركز شؤون المسرح ووزارة الثقافة، وقدم عروضًا كثيرة في العديد من رياض الأطفال والمؤسسات التعليمية.
اكتشف المركز عددًا من المواهب الشابة التي أصبح لها إسهامات كبيرة في الساحة الثقافية القطرية من خلال المسرح الجامعي، وهو مهرجان مسرحي يقدم لأول مرة في قطر، حرص على استمرار الموسم المسرحي الذي يعتبره في غاية الأهمية فقدمت من خلاله أعمال متنوعة، وارتفعت قيمة الدعم المادي ليصل إلى 600 ألف ريال قطري للعروض المسرحية مع رفع المعايير والشروط.
احتضن المركز العديد من الشباب وأدخلهم في لجان التحكيم، واستقطب بعض العناصر من الخارج وتحمل تكلفتها، وأطلق مشروع (شبابنا على المسرح)، وركز على الشباب بصفة خاصة.
خلال هذه المرحلة واجه صعوبة في تغيير نمط العمل، إذ تعود الجميع على روتين محدد، وهو انتظار المشاركة في المهرجانات الخارجية، فاختلف بهذا الخصوص مع عدد من الفاعلين في مجال المسرح، وسعى إلى بناء علاقة مستمرة ووطيدة بين المسرح ورواده من خلال تقديم أعمال تلامس عمق المجتمع وتركز على قضاياه والبحث عن القضايا الإنسانية، لكن توجهه لم يلاق قبولا من العديد من الممثلين المسرحيين، وهو ما سعى إلى تغييره.
أعمال ناجحة وشهرة على مستوى الخليج
بعد نجاح «نادي العزوبية» توطدت علاقته بخشبة المسرح ووضع قدميه بشكل ثابت في العمل المسرحي فوقف وجهًا لوجه مع أهم الأسماء في الساحة المسرحية القطرية على غرار سالم الماجد في مسرحية «خميس في باريس»، ودعاه غانم السليطي سنة 1988 م للمشاركة في مسرحية «زلزال» مع الفنان سعد الفرج والفنان عبد العزيز جاسم، فالتحق بالعمل وكانت هذه المسرحية نقطة تحول في مسيرته الفنية، إذ عرضت في قطر والكويت والبحرين، وعرفت الجمهور به على نطاق واسع وقربته منهم إذ لقيت تفاعلًا كبيرًا من الجماهير، وهي التي صنعت له اسمًا على الساحة الفنية القطرية وتمكن على ضوئها من بناء مسيرته الفنية. واصل التعاون مع الفنان غانم السليطي منذ ذلك التاريخ، وكانت هذه بدايته في الالتصاق بالجمهور، وجمعته مسرحية عنبر و11 سبتمبر مع نفس الفنانين وحققت نجاحات كبيرة ولاقت إقبالًا منقطع النظير من الجمهور.
عبد الرحمن المناعي المدرسة
تعود علاقته بالمخرج عبد الرحمن المناعي إلى السبعينيات، فمنحه ثقة كبيرة وطلب منه العمل معه مساعد مخرج ومسؤولًا عن إدارة الحركة والتمثيل أيضًا، ومن خلال المسرحيات التي عمل بها مع المناعي زار العديد من البلدان وشارك في مجموعة كبيرة من المهرجانات في الكويت وتونس، ما أعطاه دافعا أكثر وتعلم كثيرًا من هذا الفنان الكبير الذي كان مشجعًا له وللشباب ولكل من لديه دافع للعمل المسرحي لا سيما فيما يتعلق بالفكر المسرحي.
الدراما التلفزيونية
قدم بداية رحلته في الدراما التلفزيونية في أواخر السبعينيات مجموعة أعمال تلفزيونية لم تلق الصدى الذي كان يتطلع له، إلا أن انطلاقته الفعلية في الدراما التلفزيونية كانت سنة 1984 م من خلال مسلسل «فايز التوش» وسنة 1985 م بمسلسل «الدالوب»، وبعدها حظي بفرصة للعمل مع الفنان عبد العزيز جاسم – رحمه الله – في مسلسل «عندما تغني الزهور» من تأليف الكاتبة وداد عبد اللطيف الكواري، ومن بطولة الفنانة حياة الفهد وهدى الخطيب ومجموعة من الأسماء الكبيرة وإخراج أحمد المقلة، وقد نقله هذا العمل خارج إطار قطر وأسهم في انتشاره خليجيًا. اختارته حياة الفهد لمشاركتها في مسلسل «الفرية» وهو الذي اختصر له الزمن والمسافة في حياته الفنية وحقق من خلاله قفزة في فضاء النجومية والشهرة، لتتوالى بعد ذلك الأعمال خاصة خارج نطاق الدوحة فكان يقدم عملين أو ثلاثة أعمال في السنة، واستمرت الشراكة مع الفنانة حياة الفهد وقدما مجموعة من الأعمال التي لاقت نجاحًا كبيرًا وصدى إيجابيًا في الخليج، وبعد ذلك عمل مع المخرج القدير محمد دحام الشمري وقدما أعمالًا فنية عدة، بالإضافة إلى العمل مع مخرجين آخرين مثل علي العلي سائد الهواري، ومنير الزعبي، وغافل فاضل، أثر بعضهم بشكل كبير في مسيرته الفنية.
السينما
قدم عملًا سينمائيًا واحدًا، وهو فيلم كويتي درامي بعنوان «عتيد»، من إخراج أحمد الخلف وتأليف يعرب بو رحمة، عرض في دور السينما الكويتية والخليجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 م وشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ضمن مسابقة آفاق السينما العربية ومثل دولة الكويت في المهرجان الخليجي الثالث لسينما دول مجلس التعاون في أبو ظبي. الفيلم من بطولة هيفاء عادل، وبمشاركته إلى جانب خالد البريكي، وعبد المحسن القفاص، يقدم رحلة داخل المجتمع الكويتي بمختلف توجهاته وأطيافه بالإضافة إلى الفيلم البحريني القصير «هل سيحل النور» للمخرج سلمان يوسف.
الصعوبات والتحديات
كانت معظم الصعوبات من صميم العمل الإداري الذي يتطلب تحقيق التوازن بين أفراد فريق العمل، كما كان يلاقي في بعض الأحيان صعوبة في الانتقال من محطة إلى أخرى ومن مرحلة إلى المراحل الموالية، لأن كل مرحلة تتطلب دراسة وتأقلمًا، وجعله المسرح يفقد بعض خصوصيته إذ يشعر أنه دائمًا محط أنظار المجتمع وأن الأضواء مسلطة عليه، ويشعر أنه طرأت تغيرات كثيرة على حياته ويجب أن يدرس كل تحركاته وقراراته وينتقي كلماته سواء مع المجتمع أو من خلال لقاءاته في الإعلام.
تأثر بشكل كبير بظروف الحصار على مستويات عدة، لكنها ليست المعضلة الوحيدة إذ توقف المسرح والإنتاج التلفزيوني في البلد، وهو ما جعله عاجزًا عن تحقيق طموحاته الفنية.