يوسف الحميد
دليل الشخصيات ←

يوسف الحميد

حول البيئة القطرية إلى ذاكرة بصرية، وجعل الفن سجلًا للعادات والمكان والتحولات الثقافية.

النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 62–67

يوسف أحمد الحميد، فنان تشكيلي ومستشار فني وكاتب ومعلم في مجال الفن، وشخصية بارزة في التنمية الثقافية في قطر. مثل بلاده في مناسبات دولية وعرض أعماله داخل قطر وخارجها، وجعل من اللوحة وسيلة لتوثيق البيئة والعادات والتقاليد.

النشأة والطفولة

ولد سنة 1955 م وترعرع في فريج الجسرة وسط عائلة قطرية متوسطة الدخل، عمل والده في شركة نفط قطر دخان، ووالدته ربة منزل تقليدية صبت جل اهتمامها على تربية أبنائها وترسيخ قيم احترام العادات والتقاليد فيهم، وتنشئتهم وفق تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. كانت تقضي وقتها بين تنظيف البيت والطبخ على الطريقة القديمة على الخشب، وقد حظي بمعاملة خاصة لكونه الولد الذي طال انتظاره وجاء بعد ثلاث بنات فكان لا يرفض له طلبٌ ولا يلام على خطأ.

هذه المعاملة الخاصة لم تكن وسط العائلة فحسب، إذ وجد في فريج الجسرة الملاصق للبحر وفي البيوت القديمة المفتوحة أبوابها وقلوب أصحابها بيئة ملهمة، ووجد عناية من كل الأهالي الذين أحاطوه بالحب والاهتمام، وصادف أن يجاور منزل عائلته بيت مرزوق الشملان أحد الطواويس من الكويت الذين حطوا الرحال في قطر منذ أربعينيات القرن الماضي، وهو الوحيد الذي كان يملك تلفزيونًا بالأبيض والأسود وكان يتابع «محطة أرامكو» التي كانت تبث في بداية الستينيات، وكان من ضمن البرامج التي حرص على مشاهدتها برنامج «بابا حطاب» للأطفال الذي يقدمه إعلامي فلسطيني متعدد المواهب والمهارات، فهو يرسم ويمثل ويلحن ويغني ويهرج، فكان لا يكاد يخرج من بيت جارهم لشدة ولعه بهذا البرنامج، الذي كان يمثل له عالمًا جميلًا زاخرًا بالخيال والمتعة والتعلم، وكان يشده بشكل خاص فقرة الرسم فكان يقلد المقدم ويتعلم الخطوط، وكان هذا البرنامج بداية اكتشاف الموهبة والشغف والمحدد لمسار اهتمامه وتوجهه الفني.

المعرض الفني الأول

وجد الطفل الفنان في محيط العائلة كل الأدوات التي يحتاجها لتنمية الموهبة والحرية التي يحتاجها لإطلاق العنان للشغف فكان يستغل اليوميات والمفكرات الصغيرة التي يحضرها والده للبيت ليرسم عليها، واستثمر رماد الفحم المتبقي بعد انتهاء والدته من الطبخ ليرسم على جدران البيت، ولم يكن أحد يلومه على هذه التصرفات بالعكس وجد كل الدعم والتأييد، إذ آمن أفراد عائلته بموهبته الفريدة والصادقة.

كان يتسلل أثناء نوم والديه إلى مكان الأدوات التي يستخدمها والده في النجارة والصباغة التي يمارسها كهواية، ليأخذ علب الألوان، وعندما ينتهي من رسم لوحاته كان والده يساعده في تثبيت اللوحات بالمسامير السوداء الصغيرة المستخدمة للأحذية. بعد أن رسم عددًا كبيرًا من اللوحات قرر الطفل بتشجيع من عائلته تنظيم أول معرض فني له في دهليز البيت ودعا أطفال الحي للاطلاع على لوحاته وكان معرضًا متكاملًا من حيث التنظيم وعرض اللوحات حتى إنه لم يفته قطع شريط التدشين.

المسار التعليمي

شاءت الصدف أن يحظى بفرصة مميزة للتخصص الذي يعشقه، فبعد أن أنهى مرحلة التعليم الابتدائي، بدأت وزارة التربية في قطر بتقديم المنح الدراسية للفنانين القطريين للدراسة بالخارج فسافر عام 1972 م إلى القاهرة لدراسة الفنون والتربية وتخرج سنة 1976 م.

وبعد العودة إلى أرض الوطن عين موجه تربية فنية لمدة عامين، لكن هذه الوظيفة لم ترض طموحه، فالتحق ببعثة دراسية للحصول على الماجستير من الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1979 م وحصل على أعلى شهادة في الفنون الجميلة من كلية ميلز في كاليفورنيا سنة 1982 م.

جامعة قطر

بعد العودة من الولايات المتحدة الأمريكية رجع أبو عبد الرحمن للعمل في الوزارة، وبعد أقل من سنة انتدب من جامعة قطر زائرًا، واستمر في هذا العمل إلى سنة 2004 م، وأسهم خلال تلك الفترة في تأسيس قسم التربية الفنية بجامعة قطر، وقدم ثلاث مقررات دراسية (كورسات)، هي أسس الرسم والتذوق الفني والتاريخ الفني، وتتلمذ به عددٌ كبيرٌ من الطلبة من بينهم سعادة الشيخ حسن بن محمد آل ثاني.

خارج السرب

كان من بين أوائل الطلبة القطريين الذين يتخصصون في الفنون، ويبتعثون للدراسة في الخارج، وبقدر ما كان محظوظًا لاهتمام الدولة به وبالفنون بصفة عامة وتوفير سبل النجاح للفنانين الشباب إلا أنه واجه تحدي كسر الصور النمطية والخروج عن القوالب الجاهزة، حيث كان المجتمع يتوقع من كل طالب متفوق أن يدرس تخصص الطب أو الهندسة أو التخصصات التقليدية التي يتفق عليها المجتمع في حين أن أي تخصص آخر يعد مجازفة غير مضمونة النتائج، لكن اختار أن يحلق خارج السرب، ويشق طريقًا خاصًا متفردًا بعيدًا عن المتوقع.

إسهامات ثرية في تأسيس المتاحف الفنية

لقاء الفنان بالشيخ حسن بن محمد آل ثاني كان ترجمة للقاء الفن بالسلطة، وهو ما نتج عنه مجموعة من المشاريع الكبرى التي أصبحت منشآت مهمة، إذ أسهم الفنان في وضع الرؤية لتأسيس متحف الفن العربي، ومتحف المستشرقين، ومتحف السلاح، ووضعا معًا مخططًا لمتحف الفن الإسلامي بدعم من سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -حفظه الله ورعاه- وأسهم في إنشاء أصدقاء الفن التشكيلي في دول مجلس التعاون الخليجي، فأخذ هو ومجموعة من الفنانين على عاتقهم إيصال الفن التشكيلي الخليجي للعالم فعرض في مختلف دول الخليج وإسبانيا وألمانيا وجمهورية الدومينيكان وتونس وغيرها فكان هناك صدى كبير وجميل عن هذه المجموعة.

الإنجازات

حقق الفنان القطري العديد من الإنجازات الفنية فرفع راية بلاده في المحافل الدولية، ومن بين أهم هذه المحافل مهرجان بغداد سنة 1986 م على مستوى آسيا وحصل على جوائز عدة على مستوى الخليج في الرياض والدوحة والكويت وعمان. وتمكن الفنان القطري من صنع ورق مع سعف نخيل قطر فاستثمر السعف المرمي ورسم عليه بشكلٍ علمي ولم يأت هذا الإبداع بين ليلة وضحاها، إذ خاض تجارب كثيرة إلى أن وصل إلى هذا الورق وهو يراه مناسبًا للدعوات والخطابات الرسمية.