

نورة آل حنزاب
ربطت العلم بالقيم والعمل الاجتماعي، وأسست مبادرات تعليمية وتربوية جعلت المعرفة القرآنية جزءًا من خدمة المجتمع.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 340–345
الدكتورة نورة علي آل حنزاب، مؤسسة أكاديمية نون الدولية ومركز آل حنزاب للقرآن الكريم وعلومه، وممثلة الائتلاف العالمي للمرأة لنصرة القدس وفلسطين في قطر والخليج.
قيم البيت وبذرة العطاء
ولدت سنة 1959 م، وسط عائلة متكونة من سبعة أبناء، عاشت في بيت ترعاه سيدة فاضلة كانت مدرسة في الصبر والاجتهاد والسماحة والصفح والإحسان رغم أنها لم تحصل على التعليم النظامي بل حصيلتها من تعلم كتاب الله، وقد وجدت القدوة والمثل الأعلى فيها، جاهدت واجتهدت لتعليم أبنائها فكانت تأخذهم للمطوعة في ذلك الوقت وكرست حياتها ووقتها وجهدها لتربية أبنائها وتعليمهم القيم الحميدة، فكان ذلك دافعًا لها ولإخوتها للنجاح والتميز حتى إنها كانت الأولى في العائلة التي تحصل على الشهادة الثانوية وكذلك الدكتوراه.
تميزت منذ نعومة أظفارها بقوة ودقة الملاحظة والتأمل وتحليل الأحداث وردود الفعل من حولها، ومتابعة الآخرين وكانت تقلد كل شيء جميل تلاحظه وتتجنب التصرفات السلبية، وتحرص على التعلم الذاتي وتطوير نفسها.
ومنذ نعومة أظفارها وجدت بين أوراق الكتب متعة ومتنفسا، فكانت شغوفة بالقراءة تنهل من كل ما يقع بين يديها من كتب، لكن اهتمامها انصب بشكل كبير على الإنتاج الأدبي القرآني والإسلامي وما أنتجته دور النشر المصرية والمكتبات اللبنانية، فكانت متابعة للإصدارات الشهرية والأسبوعية من مجلات ومجلدات في هذا المجال.
العلم يخدم الرسالة
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة المرخية، وكانت أقرب إلى أن تكون مدرسة عائلية خاصة لعائلة والدتها. تفوقت على أقرانها فالتحقت بالصف الرابع مع مجموعة الصف الخامس في فصل واحد، وبعد أن لاحظت المعلمة قدرتها على مجاراة نسق حفظهم والتفوق عليهم، قدمت لها اختبار الصف الرابع والتحقت بالصف الخامس في العام ذاته.
كان لها منذ سن صغيرة علاقة وطيدة بكتاب الله الذي كان رفيقا لها تحفظ آياته وتحرص على تنفيذ ما جاء فيها ليكون جزءًا من حياتها وممارساتها اليومية، وكانت دائمة المشاركة بالمسابقات المدرسية بدعم وتشجيع من والدتها التي غرست هذا الاهتمام فيها ونمته.
بعد الحصول على الثانوية العامة سنة 1976 م بمجموع يتجاوز الثمانين بالمئة، كان أقصى طموحاتها الالتحاق بجامعة قطر والحصول على الشهادة الجامعية. بالفعل اختارت تخصص بيولوجي/كيمياء وحصلت على شهادة البكالوريوس سنة 1981 م بتقدير جيد جدًا، لكن القدر كان له رأي آخر، إذ لاحظ عميد الجامعة الدكتور فتحي سعود – رحمه الله – تميزها واجتهادها فتبناها مع مجموعة من زميلاتها لدراسة الماجستير والدكتوراه في مصر، في البداية كانت تظن الأمر مستحيلًا بسبب التزاماتها الأسرية بعد زواجها بينما كانت في السنة الثانية من دراستها الجامعية، لكنها وجدت الدعم الكبير من زوجها الذي شجعها على إكمال مسيرتها العلمية والأكاديمية، وبالفعل سافرت إلى مصر لتحصل على الماجستير سنة 1989 م من جامعة عين شمس ولتكمل بعد ذلك الدكتوراه سنة 1997 م.
مبادرات تصل إلى المجتمع
توزعت إنجازاتها على ثلاثة خطوط عريضة، فحرصت على أن يكون لإنجازاتها أثر في حياة وتربية وتوجيه الآخرين، فسارت في الخط الأكاديمي والتعليمي الذي عملت به أكثر من عشرين سنة كانت خلالها المرشدة والأم الموجهة لجميع طالباتها، وختمت مسيرتها بتأسيس أكاديمية نون الدولية عام 2017–2018 م التي تهدف إلى أن تكون مؤسسة أكاديمية رائدة تقبل وتفهم وتحترم جميع الثقافات بما في ذلك اللغة العربية والثقافة الإسلامية، منهجها التعليمي مبني على مبدأ الاستفسار لتقديم تجربة تعليم إثرائية ذات جودة متميزة، في خلق جيل مثابر ومبدع وخلاق ولديهم دوافع ذاتية، وقدرة على حل المشكلات، والتعامل مع الآخرين، ويحترمون الاختلاف، وشعارهم ﴿وإنك لعلى خلقٍ عظيمٍ﴾.
أيضًا أسست سنة 2003 م مركز آل حنزاب للقرآن الكريم وعلومه الذي يسعى إلى نهضة الأمة، من خلال تعليم القرآن الكريم والثقافة الإسلامية، ودعم جهود المؤسسات الحكومية من خلال ترسيخ القيم الإسلامية وتعزيز اللغة العربية.
حرصت الناشطة القطرية كذلك على أن يكون لها دور كبير في مجتمعها من خلال إسهاماتها في دار الإنماء الاجتماعي، وشاركت من خلالها في العديد من المؤتمرات والورش التدريبية لتنقل عصارة تجربتها، وشاركت في المؤتمرات الداخلية والعربية والخليجية ممثلة لبلدها، من بينها المؤتمر العالمي الثاني حول دور المرأة في التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية- الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية بالكويت مايو/أيار 2004 م، ومؤتمر المنظمات الحكومية وغير الحكومية للدول الأعضاء بالمؤتمر الإسلامي الدوحة مارس/آذار 2004 م، وأيضًا مؤتمر التخطيط والوقاية والاستجابة للكوارث المرتبطة بالأمن البيئي بمنطقة الخليج العربي سبتمبر/أيلول 2002 م تحت إشراف القيادة العامة للقوات المسلحة القطرية والقيادة المركزية الأمريكية، وترأست الندوة الوطنية لعرض نتائج المسح الميداني بالعينة لأوضاع المرأة القطرية في سن العمل وحالة الاستخدام والبطالة، سنة 2002 م، وأيضًا ترأست اللجنة المنظمة للملتقى التربوي الأول- أمي… معلمتي… أنا بينكم- سنة 1998 م، وشاركت في المؤتمر العالمي الإسلامي للمؤسسات الخيرية والإغاثية تركيا Muslim philanthropists world congress of 2008.
وقدمت على مدار مسيرتها العديد من الدورات التدريبية من بينها الخدمة المميزة وبناء فرص العمل سبتمبر/أيلول 2000 م، وبرنامج أساليب وضع الخطط وبرامج العمل بالتعاون مع معهد التنمية الإدارية 2001 م، ودورة (عندما تبدع المعلمة… يبدع الوطن) بتنظيم من جيل المستقبل للاستشارات الإدارية والمالية والتدريبية.
إضافة إلى دورة تطوير المهارات الإدارية الإشرافية تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ودورة التعامل مع وسائل الإعلام بالتعاون مع الجزيرة للتدريب والتطوير 2010 م، ودورة نحو عالمية المؤسسة بالتعاون مع مكتب قطر الدولي لدعم منظمات المجتمع المدني، ودورة القائد الاستراتيجي المعتمد وبناء القدرات المؤسسية لمنظمات القرن الحادي والعشرين سنة 2014 م بالتعاون مع مركز كيم للخبرات الإدارية والمحاسبة.
ورغم الإسهامات المتنوعة والمتعددة على أكثر من صعيد ترى أن ما قدمته لا يوازي النعم الكثيرة والحظوظ الوفيرة التي حظيت بها، لذلك تسعى طول الوقت لمزيد من العطاء لتسدد جزءًا من الدين لوطنها المعطاء الذي وفر لها الفرص والبيئة المناسبة للتطور والأمن والأمان، ولتسهم في خدمة وطنها ودينها اللذين تفخر بهما وكانا سببًا في سعادتها وطمأنينتها.
التأليف امتداد للرسالة القرآنية
بالإضافة إلى إسهاماتها الأكاديمية والمجتمعية والتربوية، كان للدكتورة إسهامات ثقافية من خلال الكتابة والتأليف سواء من خلال المقالات التي تنشرها في الصحف المحلية التي تعبر من خلالها عن رأيها في كل ما يدور من حوالها من أحداث سياسية واجتماعية، أو من خلال تأليف الكتب، فقد أصدرت كتابين؛ الأول بعنوان (مداد فكر)، والثاني بعنوان (قصاصة وقصة) صادر عن دار الوتد، هو انعكاس لمشاعر وأقوال وأفعال دونتها لعلها تجمع ما يعزز القيم الإيجابية في المجتمع، وقد صيغت هذه القصاصات لتكون محفزة لمشاعرنا ومشاعر من حولنا، أو لتكون دافعًا لإخراج أجمل ما في النفوس، أو إضفاء لعمل إيجابي في حياتهم لينتفع به غيرهم.
الأسرة في قلب المسيرة
كان لأبنائها الستة النصيب الأكبر من اهتمامها، وقادتهم إلى طريق النجاح فكانوا مصدر سعادة وفخر لها.
العمل التطوعي أمام العوائق
واجهت العديد من الصعوبات أهمها تحقيق التوازن بين الحياة الأسرية واحتياجات الأبناء والوظيفة والدراسة، إذ تزوجت بينما كانت على مقاعد الدراسة في السنة الجامعية الثانية، وأنجبت جميع أبنائها وهي في مرحلة التعلم وتحصيل الشهادات، وكان التحدي الأكبر لها صعوبة السفر لمواصلة الماجستير والدكتوراه في مصر، لكنها تمكنت من تجاوز هذه الصعوبات بفضل الله ومساندة زوجها والدعم الذي لقيته من عائلتها ووطنها.
تقدير لعطاء ممتد
لقيت جهودها ومبادراتها تقديرًا واعترافًا داخليًا وخارجيًا، فكرمت في أكثر من مناسبة ومن أكثر من جهة، من بينها تكريم جمعية قطر الخيرية، وجمعية أم المؤمنين بعجمان عن فئة أصحاب الخدمات المجتمعية المميزة، فضلًا عن الاحتفاء بإنجازاتها وإسهاماتها في الأسبوع العربي الخليجي للعمل التطوعي باعتبارها واحدة من رواد العمل الاجتماعي في دولة قطر، وحصلت على جائزة الوطني للعمل التطوعي عن فئة المشاريع 2005 م عن مشروع الوحدة الوطنية الخيرية لمرضى الفشل الكلوي، وجائزة الوطني للعمل التطوعي عن فئة الأفراد سنة 2008 م. وبخصوص الجوائز الخارجية، ونالت جائزة رائدة العمل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية- جدة 2010 م، وجائزة الجمعية الكويتية للأسرة المثالية تحت رعاية الشيخة فريحة أحمد الصباح، ووسام الرحمة من مؤسسة الشيخ ثاني بن عبد الله للخدمات الإنسانية- راف 2017 م، بالإضافة إلى جائزة المسؤولية المجتمعية والشخصية المتميزة لسنة 2018 م.