

أمل عبد الملك
تنقلت بين الإعلام والكتابة والتدريب والعمل العام، وحولت كل انتقال مهني إلى مساحة جديدة لصناعة الأثر.
النسخة النسائية الثانية · 2024 · الصفحات 60–67
أمل أحمد عبد الملك، إعلامية ومذيعة وكاتبة وصانعة محتوى واستشارية ومدربة إعلامية، وشغلت منصب رئيسة قسم البرامج في قناة ج للأطفال. جمعت بين التقديم وإدارة البرامج وصناعة المحتوى، وعززت خبرتها الأكاديمية والمهنية بتعلم مستمر وحضور مؤثر.
المسؤولية تبدأ من البيت
نشأت في أسرة إعلامية حيث كان والدها الدكتور أحمد عبد الملك مذيع في تلفزيون قطر ووالدتها الشيف وسيدة المجتمع عائشة التميمي ولديها أخ واحد فقط هو محمد وهو أصغر منها بقرابة سبع سنوات، أسهم عمل والدها في الإعلام في تغذية الشغف الإعلامي لديها مما جعلها تقود الإذاعة المدرسية طول فترة الدراسة المدرسية وفي كل المراحل وكانت تشارك في تحية العلم والطابور الصباحي والمجلة الدورية للمدرسة، إضافة إلى تفوقها الدراسي وشغفها بالمواد الأدبية والمطالعة، وكانت تستمتع في حصص الإنشاء لحبها للكتابة حتى إن إحدى معلماتها تنبأت لها بأنها ستصبح كاتبة في المستقبل، كما كانت تحب القراءة كثيرًا واستفادت كثيرًا من مكتبة والدها التي تضم كتب متنوعة وفي جميع المجالات فكانت تتسلل إليها وتستعير الروايات وتستغل فترة الظهيرة لقراءتها بل أحيانا تضعها داخل الكتاب المدرسي حتى لا تتعرض للتوبيخ من والدتها، وقبل دخولها المرحلة الجامعية كانت قد قرأت معظم روايات الكتاب الكبار مثل إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ، يوسف السباعي، مصطفى أمين وغيرهم من المؤلفين.
كما سهل عليها وجود والدها في التلفزيون دخول أروقته واستوديوهاته التي زادت من تعلقها بهذا المجال وخاضت تجربتها الأولى في تقديم برامج للأطفال على تلفزيون قطر عندما كانت في الخامسة من عمرها في بداية الثمانينيات، فكانت لحظة مشاهدة نفسها على الشاشة لحظة فارقة ومفصلية حددت توجهها وجعلتها تشعر بفخر كبير لا سيما عندما يسألها زميلاتها عن شعورها خلال التقديم التلفزيوني ومنذ ذلك الوقت وقعت في عشق العمل الإعلامي وكرست حياتها له.
خلال المرحلة الابتدائية اضطرت للانتقال للعيش في بيت جديها لأمها نظرًا لالتحاق والدها ببعثة دراسية لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية ومرافقة والدتها له، فكانت المدللة عند جدها وجدتها وخالتها التي كانت تدرس في نفس مدرستها وهو ما جعلها تحظى بمعاملة مميزة، فكانت خالتها تنتظرها عند باب الصف في فترة الفسحة وتأخذها لغرفة المدرسات لتناول وجبة الفطور ومن ثم تأخذها للمقصف المدرسي لتنتقي ما تود من الحلويات دون أن تحتك بباقي الطالبات، ورغم جميع هذه المميزات التي حصلت عليها من منطلق حرص خالتها الشديد عليها إلا أنها كانت تود العيش ببساطة مثل باقي الطالبات.
ظروف العائلة وطموح الأب وسفره المستمر بسبب عمله كدبلوماسي في الخارج أسهم بشكل غير مباشر في تشكيل شخصيتها حيث تحملت مسؤولية نفسها في سن صغيرة وكانت قادرة على تدبير مصروفاتها والتحكم في احتياجاتها، حتى إنها كانت أحيانا تسافر إلى عائلتها برفقة مضيفة الطيران ومن ذلك الوقت اعتادت على المطارات والسفر وتحمل المسؤولية والانتباه والتركيز والدقة والمحافظة على أشيائها من الضياع ولم يعد الموضوع يؤرقها، كما أسهم ذلك في تكوين قدرتها على اتخاذ القرار وتحمل تبعات قراراتها لوحدها.
كما أسهم ذلك في حبها للسفر واكتشاف العالم، فقد زارت في صغرها مع العائلة الكثير من بلدان العالم، وزاد شغفها بالسفر مع تقدمها في العمر فهو يزيد من المعرفة ويضيف إلى الخبرات ويسهم في تكوين وبناء علاقات جديدة.
بدأت حياتها العملية في عام 1996 م بينما كانت طالبة جامعية في السنة الأولى في جامعة بيروت العربية- فرع إسكندرية في تخصص الفلسفة وعلم النفس، وسمعت عن قناة تلفزيونية فضائية تطرح فرص عمل للقطريين الشباب فقدمت عليها وبدأت العمل في قناة الجزيرة الإخبارية التي أصبحت فيما بعد شبكة إعلامية عالمية يشار لها بالبنان وتحسب لها الدول ألف حساب، ولأنها كانت في مرحلة تحصيل العلم فقد عملت في مكتبة الأخبار والبرامج وكانت مطلعة على كل ما تبثه القناة من أخبار وبرامج مما زاد ثراء مخزونها المعرفي وكانت تراقب مدير القناة وقتها محمد جاسم العلي الذي رسم صورة إيجابية عن المدير الذي يجتمع يوميا بفريق التحرير في غرفة الأخبار ويحيي جميع الموظفين ويستمع لهم ويناقشهم بهدوء وبحكمة بل ويعاقب بعدل، وكان المدير المؤثر الأول في حياتها لحسن تعامله وخبرته ودماثة أخلاقه.
الصوت الأول في الإعلام
دخلت التحدي الأهم والأول في حياتها بينما كانت طالبة في السنة الجامعية الثانية عندما قررت أن تنهي زواجها الذي لم يستمر أكثر من ثلاثة أشهر، فواجهت نفسها والمجتمع بقرارها لتحافظ على كرامتها كامرأة لا تقبل بالعنف والاستغلال مهما كان نوعه، وواصلت تعليمها وعملها فكانت تحضر جلسات المحكمة وتعود للعمل بكامل أناقتها وتركيزها لإنهاء مهامها دون أن يشعر أحد من الزملاء بما تمر به، وهذا ما حولها لامرأة قوية، متماسكة لا تهزم، وواصلت دراستها حتى تخرجت، وبعدها بدأت في تغذية الشغف الإعلامي بطرق أخرى.
عام 2002 م التحقت بإذاعة صوت الخليج مع انطلاقها كمذيعة متعاونة وكانت من أوائل القطريات اللاتي عبرت أصواتهن الأثير الخليجي وقدمت مجموعة من البرامج المتنوعة مثل ما يطلبه المستمعين وال «توب وان» وهو سباق الأغاني وبرامج المسابقات الأسبوعية والرمضانية والسهرات الخاصة كما شاركت في تقديم المؤتمرات الصحفية للفنانين المشاركين في مهرجان الدوحة للأغنية عام 2007 م وكانت من التجارب الممتعة والمفيدة بالنسبة لها، كما قدمت الكثير من المؤتمرات والمهرجانات وأدارت وشاركت وما زالت في ندوات في كل التخصصات في الدوحة وخارجها.
عام 2003 م بدأت رحلة الكتابة مع ملحق شهري بجريدة الراية القطرية وطرحت مجموعة من المقالات والأفكار من خلال صفحتها حديث البنفسج، وبعد عام انتقلت للكتابة في جريدة الراية بشكل أسبوعي، وأصبحت مع مرور السنوات كاتبة عمود إيقاعات والذي ما زال مستمرا منذ عام 2004 م.
في سنة 2020 تحول عمود إيقاعات إلى جريدة الشرق القطرية وما زال متواصلا وهي تتناول فيه الشأن المحلي وقضايا الشباب والمجتمع والمواضيع الإعلامية والنفسية.
تحولات تعيد بناء المسار
منذ عام 2005 م دخلت تلفزيون الطفل وتعلمت صناعة محتوى برامج الأطفال بعد انتقالها من الجزيرة الإخبارية إلى قناة الجزيرة للأطفال والتي تغيرت هويتها فيما بعد إلى قناة ج، وبدأ التحول الآخر في حياتها وقد وجدت في هذه الفترة مرشدا استفادت منه الكثير وهو محمود بو ناب والذي كان الأب الروحي لفريق العمل، وكان كنز من المعرفة والمعلومات ولم يبخل على أحد من الموظفين بخبرته، بالإضافة إلى حسه الإنساني ومساعدته للموظفين في تحقيق طموحاتهم وتطويرهم وقد ترك أثرا كبيرا في مسيرتها المهنية وتعلمت منه الكثير، وشاركت خلال هذه المرحلة في الكثير من الدورات التدريبية في المجال الإعلامي في قطر مثل معهد الجزيرة للتدريب وفي بريطانيا منها أكاديمية ال BBC ودورة متخصصة في صناعة محتوى تلفزيون الطفل وحصلت على شهادة دبلوم في برامج الأطفال من جامعة بورنموث البريطانية عام 2008 م.
سنة 2008 م خاضت تجربة جديدة وخطت خطوة متقدمة في مسيرتها المهنية حيث بدأت رئاسة تحرير البرنامج الجماهيري «لكم القرار» والذي كان يستضيف صناع القرار والمسؤولين في الدولة بمشاركة جمهور من الشباب وحقق البرنامج نجاحات منقطعة النظير وتم تصوير حلقات منه خارج قطر مثل لندن والقاهرة ودبي، وبالتزامن مع ذلك كانت تنتج برامج الأطفال في الجزيرة للأطفال.
ورغم الضغوطات والانشغالات التي كانت تواجهها إلا أنها كانت تستمتع في العمل وزاد طموحها وأصبحت تعمل للأطفال وللشباب بالإضافة إلى كتابة المقالات في قطر وبعض دول الخليج حيث كتبت في مجلة بنت الخليج الإماراتية، وشهد السعودية.
في عام 2010 م وبعد تجربة زواج أخرى لم يكتب لها النجاح قررت التركيز على تحقيق طموحاتها وعلى بذل مزيد من الجهد في العمل وتطوير نفسها عبر التركيز على الدراسة فالتحقت بالجامعة الأهلية في مملكة البحرين لاستكمال دراستها العليا والحصول على شهادة الماجستير في تخصص الإعلام والعلاقات العامة والتي حصلت عليها بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف عام 2014 م، وفي العام ذاته حصلت على جائزة المرأة العربية للإعلام، ولقب المبدعة من حملة الأيادي البيضاء التابعة لجامعة الدول العربية.
من الشاشة إلى العمل العام
شغفها واهتمامها بالمؤسسات الإعلامية الجديدة دفعها للعمل كمتعاونة مع فريق عمل قناة الريان الفضائية قبل انطلاقها عام 2011 م، وكانت مديرة إنتاج مجموعة من البرامج الحوارية التي استمرت لسنوات في القناة فيما بعد.
انتدبت للعمل في المركز الثقافي للطفولة 2012–2014 م تحت قيادة سعادة الدكتورة هند المفتاح التي تركت أثرا كبيرا في مفهوم الإدارة لديها، والتي كانت قدوة حسنة لكل موظف يطمح بالإدارة يوميا، فهي مرأة طموحة ومثابرة وأفكارها خارج الصندوق وعملا معا على مجموعة من البرامج الثقافية والفنية المبتكرة للأطفال، كما أصدرتا أول جريدة للأطفال بعنوان «تجوري» وكانت توزع مع جريدة الراية القطرية كل شهر، كما أثمر تعاونهما عن إطلاق المكتبة المتنقلة والتي كانت تقدم أنشطة متعددة لأطفال المدارس والمناسبات الرسمية وغيرها من الأنشطة الداعمة للغة العربية.
في عام 2015 م تم انتدابها للعمل لفائدة المؤسسة القطرية للإعلام وقدمت مقترح لتطوير إذاعة قطر وكنت ضمن لجنة التطوير لمدة عام، وخلالها عينت مديرة إذاعة قطر بالوكالة وقدمت العديد من المقترحات والأفكار ومنها هوية الإذاعة الجديدة والمعمول بها إلى الآن.
في عام 2014 م تم اختيارها من السفارة الأمريكية لحضور برنامج الزائر الدولي وذلك في رحلة لمدة شهر لعدة ولايات أمريكية وحضور أنشطة وفعاليات متنوعة والالتقاء بشخصيات قيادية أمريكية والحصول على شهادة مشاركة في نهاية الرحلة التي كانت تمثل فيها دولة قطر مع مجموعة من الإعلاميين من دول عربية، وقد أضافت لها هذه التجربة الكثير من المهارات والمعرفة ناهيك بالتعرف على الثقافة الأمريكية وزيارة عدد من القنوات التلفزيونية والصحف الأمريكية والتعرف على مهارات العمل فيها.
خبرة تتحول إلى معرفة
خاضت تجربة جديدة في عام 2016 م بإصدار أول مجموعة قصصية بعنوان «أخوات ذاتي»، أصدرتها مع دار النشر بلاتينيوم بوك، ودشنت الكتاب في معرض الكتاب الدولي في الكويت، ثم في بقية الدول الخليجية وقطر ولقي الكتاب أصداء إيجابية وحفزها القراء والنقاد على المواصلة في هذا الطريق ويحتوي الكتاب على 14 قصة متنوعة تحاكي واقع النساء والفتيات وأفكارهن ورغباتهن ومعاناتهن بأسلوب قائم على المذكرات.
انضمت الإعلامية الشابة كمدربة في تخصصات إعلامية متنوعة مع فريق مبادرة سكاي كلايمرز والمعنية بالمواهب وصقلها وتأهيلها، وقدمت دورات في الإعداد والتقديم الإذاعي والتلفزيوني وكانت فرصة للتعرف على مجموعة من المواهب والتي يعمل منها حاليًا مذيعين في أماكن عدة، كما قدمت مجموعة من الورش للفتيات في المراكز الثقافية والشبابية في التخصص ذاته.
مؤخرًا في 2023 م اتجهت لتطوير مهارات التدريب والكوتشينغ وحصلت على شهادات عدة في هذا المجال لتتمكن من الأخذ بيد الشباب وتوجيههم من خلال خبراتها خاصة في التخصصات الإعلامية.
ومن بين أهم الشهادات التي حصلت عليها في هذا المجال دبلوم الممارس الدولي المعتمد في الكوتشينغ في ثلاثة مستويات، وشهادة ICF المعتمدة من الاتحاد الدولي للكوتشينغ، إضافة إلى مشاركتها في دورة إعداد المدرب المعتمد وتدريب المدربين TOT والحصول على شهادة معتمدة من وزارة التربية والتعليم في قطر ومن جامعة كامبريدج البريطانية.
في 2016 م عملت متعاونة كمستشارة إعلامية مع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ووضعت خطة استراتيجية للإعلام والتواصل الاجتماعي وشكلت فريق أصدقاء اللجنة مع مجموعة من النجوم والمشاهير، واستمر العمل معهم إلى آخر 2019 م مع نهاية الأزمة الخليجية، حيث كانت تعمل مع الفريق على تغطية الجهود المبذولة من اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان لحفظ الحقوق للمواطنين والمقيمين في قطر، وهذه التجربة جعلتها تهتم بحقوق الإنسان وتطلع على القوانين الدولية المعمول بها كما حضرت إحدى جلسات الاستماع لرئيس لجنة حقوق الإنسان وقتها سعادة الدكتور علي بن صميخ وزير العمل حاليًا في الاتحاد الأوروبي وكانت فرصة لتغطية الحدث من داخل قاعات الاتحاد الأوروبي والتعرف على عمل المنظمات الحقوقية.
واصلت عملها الإعلامي على مدار 25 عاما في المؤسسات الإعلامية التلفزيونية والإذاعية وفي قنوات الأطفال إلى أن تقلدت مهام رئيس قسم البرامج في قناة ج للأطفال وأشرفت على إنتاج العديد من البرامج المتنوعة إلى منتصف عام 2022 م حيث قررت التقاعد من العمل الوظيفي اليومي والتفرغ للاستشارات الإعلامية والعمل الحر في شبكات التواصل الاجتماعي وبذلك تبدأ مرحلة جديدة من العطاء الإعلامي.