هلا السعيد
دليل الشخصيات ←

هلا السعيد

حولت فقد ابنها إلى رسالة دعم وأمل، وكرست خبرتها للتربية الخاصة والتوحد والعمل المجتمعي.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 349–356

البروفيسورة الدكتورة هلا نعيم السعيد، صاحبة ومديرة مركز الدوحة العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، واستشارية توحد وتعليم خاص، ومؤلفة ثلاثة وعشرين كتابًا في التربية الخاصة.

امرأة طموحة صنعت النجاح من صلب المعاناة وأوجدت الأمل في خضم معارك الألم، حولت محنها إلى منح لتصبح من السيدات الناجحات في دولة قطر، صاحبة ومديرة مركز الدوحة العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة، استشارية توحد وتعليم خاص، مستشارة ومتطوعة بالعديد من المنظمات والجمعيات المحلية والدولية، صاحبة ثلاثة وعشرين مؤلفًا بالتربية الخاصة، الدكتورة البروفيسورة أم لأربعة أبناء عانت مرارة فقدت بكرها بعد أن خسر معركته مع الخبيث، فلم تستسلم لألمها وحولته لنبع من العطاء الذي لا ينضب فاحتضنت من خلال مركزها كل من يحتاج الرعاية الخاصة ومدت يدها لأولياء الأمور الذين يتخبطون لمعرفة سبيل مساعدة أبنائهم وحققت بذلك طموحها الذي لازمها منذ الصغر في أن تكون طبيبة نفسية ومعالج نفسي لتساعد الجميع.

بيت يبني شخصية صلبة

نشأت بأسرة تتمتع بالتوازن النفسي والاستقرار الأسري، حيث نشأت على الحب وعمل الخير ومساعدة الآخرين، وتتكون أسرتها من سبعة أخوات وأخوين وهي الثالثة بين البنات، أوجدت لنفسها مكانة مميزة في قلبي والديها من خلال إطاعتهما والبحث عن راحتهما وسعادتهما، كما تحملت المسؤولية منذ صغرها في مساعدة أمها بتنظيف وترتيب البيت وطهو الطعام، فعرفت بشخصيتها القيادية منذ نعومة أظفارها وهو ما جعلها محل تقدير واحترام ومحبة الجميع لها…

تربت على الدين والأخلاق الحميدة، ولطالما كانت متفوقة بالدراسة وصاحبة شخصية قوية دائمة المشاركة في الأنشطة المدرسية وخاصة الإذاعة المدرسية إضافة إلى كونها عريفة فصلها، تميزت برجاحة عقلها منذ الصغر وهو ما جعل أمها تعتمد عليها بأمور عديدة في المنزل.

رسم ملامح الشخصية الناضجة

حصلت على ثقة والدتها بفضل ذكائها وحس المسؤولية العالي وقد منحتها والدتها بدورها الثقة في نفسها وأحاطتها بالحنان والحب، ومثل لها والدها القدوة والنموذج الذي تسير على خطاه فتعلمت منه الحكمة والاتزان في ردود الفعل في فترات التوتر والمواقف الصعبة.

الزواج وتكوين الأسرة

تزوجت الشابة الطموحة بعمر 16 عاما، وكونت أسرة وحياة جديدة وتمكنت من كسب مكانة بين أسرة زوجها حيث ساعدها ذكاؤها الاجتماعي وحبها للمساعدة وروح المبادرة على أن تصبح فردا مميزا في عائلتها الثانية كما كانت في عائلتها الأولى، ورغم صغر سنها عند الزواج إلا أنها لم تجد صعوبة في تحمل مسؤولية أسرتها وبيتها، حيث كانت تسارع بالتدخل لمعالجة مشاكل الجيران هو ما جعل الجميع يشعر بالراحة للتحدث معها، ولاحظ الجميع بأنها حكيمة وناضجة في معاملتها مع الآخرين، وكانت تتمتع بقدرة كبيرة على حل وتحمل جميع المشاكل والصعوبات التي تتعرض لها.

مرض الابن البكر

واجهت العديد من الصعوبات في حياتها كان أولها مرض ابنها البكر الذي ولد بمشاكل صحية حتى وصل عدد العمليات الجراحية التي أجراها بين قطر ولندن 48 عملية، ورافقته والدته في رحلة علاجه لمدة ثلاث سنوات خارج قطر ومن ثم عادت لقطر لتستأنف رحلة الكفاح، فلم تستسلم للحزن واليأس، بل ازدادت عزيمة على تحقيق طموحاتها. ووضعت نصب عينيها أهدافًا عدة، في مقدمتها الحفاظ على استقرار أسرتها وتوازنها النفسي، وتوفير ما يحتاج إليه ابنها المريض من اهتمام فلم تبخل عليه بوقتها وجهدها، واجتهدت في الوقت نفسه لبناء أسرة كبيرة وتربية أبناء صالحين فأنجبت ابنتها الثانية ثم ابنها الثالث.

بعد أن شعرت أنها أنجزت مهمتها الأسمى في الحياة وهي خلق التوازن الأسري بدأت في السعي لتحقيق طموحها الشخصي باستكمال تعليمها فاستكملت مسيرتها العلمية وأكملت المرحلة الجامعية في تخصص علم النفس، لكن مع المحافظة على التوازن من خلال تقسيم وقتها بين الاهتمام بابنها المريض وإخوته وزوجها من جهة ودراستها من جهة ثانية، وحرصت على الاهتمام بتعليم أبنائها وتربيتهم على الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية.

لم ينته طموحها عند هذا الحد فقد حصلت على دورات متعددة بالتمريض واللغة الإنجليزية والكمبيوتر والسكرتارية والإدارة، وهو ما جعلها تخطو خطوات ثابتة في طريق النجاح.

ميلاد دانيا وتحد جديد

بينما كانت تخطو خطواتها الأولى في طريق تحقيق النجاح أنجبت ابنتها الرابعة دانيا التي ولدت بإعاقة سمعية وهو ما فرض عليها تحديات جديدة لا سيما أنها كانت مصرة على النجاح في مسيرتها العملية وتوفير الاهتمام والعناية لأسرتها.

تحويل الألم إلى أمل

لم تستسلم للأمر الواقع وعملت على تحسين حياتها وحياة ابنتها فشاركت في عدد من الدورات لكي تتمكن من فهم احتياجات ابنتها والاهتمام بها على أفضل وجه وهو ما جعل حالة ابنتها تتحسن فقد أصبحت ناطقة بعد أن كانت عاجزة عن النطق، واكتسبت العديد من المهارات حتى تمكنت من الالتحاق بالتعليم العام، وكرست وقتها لها حتى أنهت الثانوية العامة بمعدل جيد.

كانت هذه التجربة مع ابنتها حافزا لها لمزيد من تقديم الدعم والمساعدة للمجتمع ولأولياء الأمور الذين يواجهون صعوبات مع أبنائهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، فمدت يد العون لبقية الأهالي من خلال المركز الذي أنشأته لذوي الإعاقة (مركز الدوحة العالمي لذوي الاحتياجات الخاصة) وهو أول مركز خاص فتح في قطر منذ 20 سنة، كما عملت على نقل تجربتها وخبرتها للآخرين ووجدت أن الوسيلة الأفضل هي تأليف الكتب العلمية في تخصص تربية خاصة، وأصدرت أول كتبها سنة 2006 وتوالت بعد ذلك مؤلفاتها بمعدل إصدار واحد سنويا.

إنجازات وانكسارات

تتالت النجاحات في حياتها، فعلاوة على تحقيق طموحاتها على المستوى الشخصي، تخرج أبناؤها الثلاثة في الجامعات مهندسين وتم توظيفهم بشركات كبرى بالدولة، وتمكنت من تنمية موهبة ابنتها الصغرى دانيا بالرسم حتى أصبحت فنانة تشكيلية لها معارض داخلية وخارجية ودولية، متحدية بذلك إعاقتها، وفي نفس الوقت واصلت إنجازاتها الشخصية فاستكملت مسيرتها العلمية والعملية حصلت على دبلوم بالتربية الخاصة، وماجستير بالتوحد، وسجلت للحصول على الدكتوراه وشاركت في العديد من الدورات في التربية الخاصة أيضًا أصبحت عضو بالعديد من المنظمات والجمعيات التي تهتم بذوي الإعاقة وأسرهم والموهوبين من بينها الجمعية القطرية لذوي الإعاقة- الجمعية الخليجية لذوي الإعاقة- المنظمة الدولية لذو الإعاقة- المجلس العربي للموهوبين.

أكبر الفواجع

رغم كل هذه الإنجازات والنجاحات إلا أنها تعرضت للعديد من الانكسارات أكبرها وفاة ابنها في حضنها بعد صراع مرير مع مرض السرطان وهو ما شكل صدمة لها إلا أنها سرعان ما جمعت شتات نفسها وحاولت تناسي مأساتها من خلال الاهتمام ببقية أفراد أسرتها والانغماس في مساعدة كل من يحتاجها ويدق بابها وسخرت وقتها لمركز ذوي الإعاقة وأسرهم، ولم تكتف بذلك بل استكملت دراستها وحصلت على دكتوراه بالدمج، ولقب أستاذ دكتور بالتربية الخاصة، وهي حاليًا استشارية توحد وتعليم خاص، استشارية نفسية، ومعالج نفسي، ومستشارة أسرية، تقدم خدمات لكل من الأطفال ذوي الإعاقة وأسرهم، ووصلت لدرجة البروفيسور من خلال تقديم العديد من البحوث العلمية كما وصل عدد مؤلفاتها سنة 2022 إلى ثلاثة وعشرين كتابًا علميا تدرس بالعديد من الجامعات العربية.

الفقد يتحول إلى عطاء

ولم تكتف بالعطاء في إطار المركز بل ضاعفت مجهودها في العمل التطوعي مع المنظمات والجمعيات المحلية والعربية والدولية التي تهتم بذوي الإعاقة والأيتام والمسنين ومرضى السرطان، فأصبحت عضو ومستشارة بعدد من المنظمات العربية والدولية، ومنها الجمعية القطرية للسرطان– فريق قطر التوعوي الموحد- منصة بيفول الدولية- سفيرة بوقفية القدس- عضو دائم في حملة المرأة العربية للعمل الاجتماعي- عضو رابطة سيدات الأعمال القطريات- عضو وسفيرة ومستشارة بالشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية- عضو في برلمان المرأة العربية- عضو في المنظمة الألمانية الدولية للتنمية والسلام- عضو في الاتحاد الدولي لحماية الطفل- رائدة بشبكة الرائدات العربيات، كما تم اختيارها ضمن شخصيات اعتبارية على مستوى العالم من الاتحاد العربي للقبائل العربية- وحصلت على وثيقة التميز الدولية في مجال المسؤولية المجتمعية، وأيضا على الرخصة الدولية بالمسؤولية الاجتماعية، والرخصة الدولية للتنمية المستدامة، وحصلت على شهادة الامتياز والتقدير لنشر روح التسامح والعدالة والسلام والقيم الإنسانية المنظمة الألمانية الدولية للتنمية والسلام- وحصلت على شهادة عضوية رسمية للاتحاد الدولي للغة العربية.

الأم المثالية

تم اختيارها الأم المثالية على مستوى قطر عام 2017 وأيضا ضمن 100 شخصية عربية الأكثر تأثيرا في مجال المسؤولية المجتمعية على التوالي لعامي 2019 و2020 حيث أثبتت للجميع من خلال تجربتها الشخصية أن أي مشكلة تمر على الإنسان لن تكون حائلا أمام طموحه وأحلامه، وأن بإرادتنا نستطيع أن نقلب المحنة لمنحة والألم لأمل.

جلطة بأول يوم رمضان

في عام 2021 جاء تحدٍ جديد للدكتورة بأول يوم برمضان شهر الخير والبركة وهي بقمة سعادتها وهي تخطو خطوات ثابتة وسريعة بأعمالها ونجاحاتها، تعرضت لأزمة صحية جلطة بالقلب وأجريت لها عملية بالشرايين وهي ما زالت مبتسمة ومتفائلة وتردد الحمد الله وسوف تخرج منها أقوى بإيمانها بالله وثقتها بخالقها، وأن عطاءها لن يتوقف وسوف يستمر -بإذن الله.