

هند المفتاح
مهدت الطريق لأجيال جديدة من القيادات، وجمعت بين البحث وصنع السياسات والعمل العام بثبات المبدأ.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 357–366
سعادة الدكتورة هند بنت عبد الرحمن المفتاح، المندوبة الدائمة لدولة قطر لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، وسفيرة فوق العادة مفوضة.
سارت بثبات على خطى الأولين الصالحين، وأسهمت في رسم الرؤية الوطنية والإصلاحات العميقة في عدد من مؤسسات الدولة. كسرت قيود المجتمع المحافظ وسيطرة ثقافة «العيب والمنقود» في تسعينيات القرن الماضي عندما تولت منصبًا إداريًا أسند إلى امرأة قطرية للمرة الأولى، وكان يتطلب جرأة في اتخاذ القرار خلال إعادة هيكلة جذرية. واجهت الهجوم بالمبدأ والقيم الأخلاقية والعلم والمعرفة والفكر المستنير، وشغلت مناصب عليا كان معظمها في المجالات التعليمية. وهي عضو فاعلة في لجان ومنظمات داخل قطر وخارجها، وشاركت في بعض المشروعات الاستراتيجية للدولة، واختيرت ضمن أفضل خمسين ناشطًا في التواصل الاجتماعي وأفضل مئة قائد مؤثر في المؤسسات متعددة الثقافات. تجمع في حياتها بين الأمومة والعمل الأكاديمي والقيادي، وتؤمن بأن الاستثمار في تكوين رأس المال البشري عبر التعليم والتطوير المستمر هو أساس تنمية المجتمع.
حضور القدوة
عاشت طفولة بسيطة عايشت معها «زيارات الضحى» و «شاي العصاري في مقعد والدتها رحمها الله»، عايشت نساء ورجال قطر الأولين، بعضهم أمي لا يتقن القراءة والكتابة، ولكنهم يتقنون فن الكلام والخطابة والشعر وجميل الحديث المتنوع وثقافة الحياة وقوانين المعاملة، تعلمت من عمها سلطان بن علي المفتاح – رحمه الله – حسن التخطيط وبعد النظر، واكتسبت من عمها أحمد بن محمد المفتاح أطال الله في عمره، والذي كان من رجال قطر الأوائل العاملين في قطاع النفط، التركيز على الإتقان والإخلاص في عمله. ووجدت في شقيقتها الكبيرة المربية الفاضلة عائشة بنت عبدالله الهيل نموذج للمرأة القطرية المناضلة حيث كانت تعمل صباحا معلمة وتكمل دراستها مساءً وتعود للبيت لتدريسها وبقية إخوتها، كما علمتها والدتها وجدتها
رحمهما الله- اللتان لم تحفظا إلا القرآن والشعر- أدب الحوار واحترام الرأي الآخر، وتعلمت العصامية من والد زوجها رحمه الله محمد بن يوسف كافود والذي مثل قدوة لها إذ إنه بنى نفسه بفضل إصراره على النجاح والتميز فألهمها قوة الإرادة في التميز.
فخر والديها منذ الطفولة
لطالما كانت من المتفوقات في المدرسة، حتى أن أمها كانت تناديها بالأولى؛ لأنها كانت دائمًا تحرز المركز الأول في صفها، وهو ما جعلها ترسم أحلاما عالية لابنتها بأن تكون طبيبة وكانت تناديها زهوا، أما جاراتها وصويحباتها بالدكتورة، وهو ما حفزها على التميز في الأداء والإنجاز وكانت تطمح أن تتخصص في الطب حتى أنها قبلت لدراسة الطب في جامعة الخليج العربي في البحرين، ولكن في لحظة عاطفية قبل السفر بسويعات، وأمام دموع والدتها، قررت عدم السفر والتحقت بجامعة قطر في تخصص الإدارة العامة، وتم تعيينها مدرسا مساعدا في الكلية فور تخرجها.
طموح يعانق عنان السماء
بعد تخرجها من البكالوريوس، ظل شغف الدراسات العليا يلاحقها ويدفعها لتحقيق طموحها في الحصول على الدكتوراه ليس فقط لتحقيق حلم والدتها بل لرد جميل وطنها والمساهمة في بنائه وتنميته، وتمكنت من الحصول على الماجستير والدكتوراه بعد جهد شاق، وكانت تجربة الغربة تجربة ممتعة وثرية جدًا حيث تعلمت الاعتماد على النفس بعيدا عن رفاهية المجتمع القطري والإصرار على الإنجاز، ناقشت في أطروحة الماجستير موضوع الدراسات التنموية ووضع وتحديات المرأة القطرية في سوق العمل بشكل عام، أما أطروحة الدكتوراه فقد ركزت فيها على بحث العلاقة بين تكوين رأس المال البشري القطري على المستوى الكلي عبر التعليم والمستوى المؤسسي عبر التدريب والتطوير المهني من خلال دراسة حالة قطاع النفط والغاز في قطر وانعكاس ذلك على استثمار الدولة في تنمية الإنسان القطري من خلال التعليم وبيئة العمل، وخلصت من أطروحة الدكتوراه إلى أن الاستثمار في العنصر البشري هو أهم عنصر من عناصر تنمية أي مجتمع بغض النظر عن خلفيته السياسة والاقتصادية والاجتماعية بل أنه أساس تطور المجتمعات، حيث يعتبر العامل الأساسي في تنمية المجتمعات اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
خطوات ثابتة نحو النجاح
بدأت حياتها المهنية فور حصولها على الدكتوراه بوظيفة قيادية في جامعة قطر، وتدرجت بعدها بين عدد من الوظائف، وانتقلت بين عدد من المؤسسات، حيث عملت كمستشار لوزير التجارة، ثم انتقلت إلى شركة قطر للسكك الحديدية (الريل) ثم شغلت منصب رئيس تنفيذي للمركز الثقافي للطفولة، وكانت آخر محطاتها في معهد الدوحة للدراسات العليا كنائب للرئيس للشؤون الإدارية والمالية، حيث تتمحور طبيعة عملها بشكل أساسي حول التخطيط والتطوير المؤسسي والإشراف العام على كل ما يتعلق بالخطط التشغيلية السنوية والاستراتيجية، بما في ذلك الموازنات، ووضع السياسات الإدارية والأكاديمية وتنقيحها وتقييمها وتطويرها، والتواصل مع المجتمع المحلي والخارجي فيما يتعلق بطبيعة عمل المعهد في المجالات الأكاديمية والبحثية ومجالات التعاون المختلفة، كما تعمل كأستاذة محاضرة في كلية الإدارة العامة واقتصاديات التنمية في برنامج الإدارة العامة، وتتضمن المقررات التي تدرسها إدارة الموارد البشرية في القطاع العام أو القطاع غير الربحي والقيادة والإشراف على مشاريع التخرج، بالإضافة إلى عملها البحثي الذي تحاول الحفاظ عليه في ظل المسؤوليات الكثيرة.
السلطة التشريعية ودخول التاريخ
في نوفمبر 2017 تمكنت من تسجيل اسمها في تاريخ دولة قطر وتاريخ تطور المرأة القطرية بالخط العريض بعد أن تم تعيينها لتكون ضمن أول أربع سيدات يشاركن في السلطة التشريعية في قطر في مجلس الشورى، وكانت تجربة مثمرة تمكنت خلالها من مناقشة العديد من القضايا والقوانين والمشاريع وحتى المواضيع التي تمس المواطن، وأثبتت بجانب زميلاتها عضوات المجلس فعالية دورهن في السلطة التشريعية وكسر النظرة النمطية والتقليدية للمرأة القطرية سواء في طرح ونقاش قضايا أخرى بعيدة عن المرأة والأسرة أو بالمشاركة في الدبلوماسية البرلمانية سواء أثناء أزمة حصار قطر أم كوفيد 19 وسواء عبر التمثيل الرسمي لمجلس الشورى أم عبر وزارة الخارجية أم المنظمات الدولية.
تألق ونجاح: حضور وطني ودولي
بعد خبرة تزيد عن 20 سنة في العمل وأكثر من 17 سنة في العمل القيادي، تقلدت خلالها عدة مناصب تنفيذية وأكاديمية تمحور دورها الأساسي إما في التأسيس أو في إعادة الهيكلة الإدارية والمالية والأكاديمية أو التقييم المؤسسي وإعداد الخطط الاستراتيجية والتشغيلية في جميع الجهات التي عملت بها، وتم تقديرها عامي (2016–2017) من بين أفضل 50 ناشطا في التواصل الاجتماعي ومن بين أفضل 100 قائد مؤثر في المؤسسات متعددة الثقافات لعامي (2017–2018)، وعلاوة على كل أنشطتها الأكاديمية والسياسية والبحثية فهي عضو فاعل في العديد من اللجان والمنظمات المحلية والدولية، منها على سبيل المثال رئيس جمعية المكتبات والمعلومات في قطر، ورئيس مجلس أمناء مدرسة قطر للعلوم المصرفية والمالية وأكاديمية أمجاد الدولية، وأيضا عضو في عدد من اللجان المختلفة على مستوى الدولة كما أنها نائب الرئيس للشؤون الدبلوماسية في المنظمة الدولية لتمكين المرأة ومقرها لندن. كما أنها فاعلة في العديد من المنظمات الإقليمية والدولية وفعالياتها المختلفة كمتحدثة أو مشاركة في العديد من القضايا التي تتعلق بالمرأة القطرية بشكل خاص والمرأة بشكل عام وتمكينها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والعمالة الوافدة في قطر والخليج وحقوقهم بالإضافة إلى مواضيع أخرى تتعلق بالقيادة والتعليم وإدارة الأزمات.
التخطيط الاستراتيجي ورؤية قطر 2030
شاركت في عضوية بعض المشاريع الاستراتيجية مثل رؤية قطر الوطنية واستراتيجية التنمية الوطنية الأولى (2004–2007)، مشروع تطوير جامعة قطر والخطة الاستراتيجية الأولى (2004–2008)، إنشاء مشروع صلتك (2007–2008)، استراتيجية سوق العمل (2005–2007).
تمكين المرأة وتنمية المجتمع
نشرت عددا من المقالات العلمية في مواضيع إدارية مختلفة منها حماية حقوق المرأة في الشرق الأوسط، مشاركة المرأة في سوق العمل في الشرق الأوسط، تحديات تقلد المرأة القطرية المناصب القيادية، التنمية البشرية في قطر، السياسات الديموغرافية وتحديات رأس المال البشري في قطر، أثر توازن الأسرة- عمل المرأة في قطاع النقط والغاز، ريادة المرأة القطرية للأعمال وتحدياتها، المشاركة السياسية للمرأة القطرية، التعليم العالي وسوق العمل في قطر وغيرها.
قراءة كتاب تغير مسارها ومصيرها
بعد فترة من عملها كأخصائي علمي في جامعة قطر، قررت استغلال وقت العمل في القراءة فكانت تزور المكتبة بين الحين والآخر حتى وقع بين يديها كتاب يتحدث عن سيرة الصحابة ورجال صنعوا وغيروا التاريخ ومضمونه عن صناعة الأثر الطيب والإيجابي، وهو ما جعلها تفكر في روتين مهنتها والطريقة التي تمكنها من إحداث التغيير الإيجابي في محيط عملها ومجتمعها وكيف لها أن تكون مؤثرة، وتصادفت مرحلة التفكير العميق ومراجعة الذات مع اجتماعها مع أستاذها في الكلية– د. ميرغني حمور رحمه الله- فقال لها أنت مجتهدة ومتميزة وسيكون لك شأن عظيم، لا ترضي برتابة وظيفتك الحالية، واصلي إصرارك على التميز وستتمكنين من ترك الأثر الطيب وهو ما جعلها تتذكر مقولة معلمة اللغة الإنجليزية في المدرسة الابتدائية أ. سارة الكواري والتي قالت لها منذ سنوات «أتنبأ لك بمستقبل زاهر، فلا تتوقفي عن الطموح»، وبعدها بفترة بدأت في رحلة إكمال الدراسات العليا والتي كانت نقطة تحول في مسيرتها المهنية حيث تغير مسار حياتها ودخلت مرحلة التحديات والمنافسة في الأداء والإنجاز مع نفسها قبل غيرها، وتمكنت من ترك الأثر الطيب والتغيير الإيجابي بين طلبتها، والذين تقابلهم بعد التخرج في حياتهم المهنية فيسارعون بالتعريف بأنفسهم، والتأكيد على اشتياقهم لمحاضراتها، وكيف استفادوا منها في حياتهم الشخصية والاجتماعية والمهنية، وحتى من عملت معهم بالذات الأجيال الجديدة حيث آمنت بقدرات بعضهم وحفزتهم على التطوير حتى تمكنوا من إثبات كفاءاتهم وقدراتهم المهنية، وأحدثت بعض التغييرات الإيجابية في المؤسسات التي عملت بها لا سيما فيما يتعلق بإعادة الهيكلة أو التأسيس.
أفكار نمطية معرقلة
التحديات لا تنحصر في أشخاص أو تصرفات بل أكبر التحديات هي مواجهة الأفكار النمطية البالية وبالذات الأفكار الاجتماعية والمؤسسية الموروثة، حيث إن البعض لا يتقبل فكرة المرأة القيادية مبررين بتفسيرهم الخاطئ والحرفي لمقولة «ما فلح قوم ولوا أمرهم امرأة». لقد عايشت الكثير من نماذج هذه العقول التي تحرم المرأة القطرية من بلوغ المناصب القيادية وفرص التوظيف والتطوير لمجرد كونها «امرأة مرتبطة بالتزامات أسرية غير قادرة على ضغط العمل ومتطلباته» بغض النظر عن كفاءتها وجدارتها الأكاديمية والمهنية وإن كانت تفوق بكثير نظيرها الرجل، الأمر الذي جعلها تتبنى منهجا مؤسسيا ومجتمعيا ضد الثقافة المجتمعية المتوارثة التي لم تتقبل التغيير رغم أن القيادة السياسة القطرية استثمرت جيدا في تغييرها اجتماعيا ومنهجيا سواء من خلال القوانين والسياسات أو عبر الدور النموذجي الذي لعبته صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر منذ عقد التسعينيات في تغيير هذه النظرة النمطية في المجتمع القطري. فبدأت في تشجيع القطريات على الالتحاق بالعمل في كافة القطاعات وبالذات القطاع الخاص وإعدادهن وتمكينهن من شغل بعض الوظائف التي كانت حكرا على الرجل وتولي المناصب القيادية.
قوة وثقة بالنفس وتمسك بالمبدأ
هذه المرأة قوية الإرادة والقادرة على مواجهة جيوش من المنتقدين والمشككين في قدراتها، وقدرات المرأة القطرية بالحجة والمنطق، والقادرة على كسر قيود المجتمع وتغيير أفكاره تجاه المرأة القطرية، لم تقف عاجزة ومكبلة اليدين أمام بعض الممارسات غير المهنية مثل مقاومة التغيير المؤسسي وتغيير ثقافة الأداء والإنجاز الهامشي والشكلي، بل عملت جاهدة على تغيير بعض المفاهيم والممارسات المهنية أهمها التغيير المؤسسي وثقافة الأداء المرتبطة بالإنجاز وليس ساعات الدوام وتبني نظم العمل المرنة المستندة على الإنجاز وليس الحضور والانصراف والمراعي لظروف الموظف وبالذات المرأة الأم والمتزوجة.
أيادٍ بيضاء
لا يخلو العالم من الأيادي البيضاء التي تساعد دون مقابل وتدعم دون انتظار مدح ولا شكر، فمثلما قابلت في طريقها من تخلى عن مبادئه وبررت غايته الأساليب اللا أخلاقية حظيت بشرف العمل مع نخبة من الكفاءات والقادة الذين آمنوا بجدارتها وأهليتها بغض النظر عن كونها امرأة وبعيدا عن النظرية النمطية، ووجدت في أغلب محطاتها المهنية داعما وسندا آمن بكفاءتها وشجعها ومكنها مؤسسيا على التغيير الإيجابي والأثر الطيب.
صاحبة رسالة ومبدأ
تؤمن أن العلاقات الطيبة، وبالذات العلاقات المهنية ليست صدقة فحسب، ولكنها تترك مفعول السحر في النفس، وحاولت قدر الإمكان وعبر جميع محطاتها المهنية ومناصبها القيادية عدم إقحام نفسها في صراعات أو نزاعات مهنية، والتعامل مع الرأي الآخر باحترام وتقدير وإن كان غير مقبولا أو مخالفا، وعملت على تجنب قدر المستطاع العداوات والصراعات، وبالذات الشخصية، التي لا تخدم العمل وتعطل الإنجاز، وتؤمن بمقولة «إذا أردت أن تترك مكانك يوما ما، فاجعل الآخرين يدركون ويعرفون قيمتك بعد تركك له».