

منى البدر
لاحقت الفن والعلم معًا، وتمسكت بحلم الدراسة حتى جمعت بين الهندسة واللوحة والحضور الإبداعي.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 253–258
منى خالد البدر، فنانة تشكيلية ومهندسة نظم.
سابقت أحلامها ولاحقت طموحاتها، أمنت بنفسها وقدراتها وتحدت المجتمع، استمعت إلى قلبها اتبعت شغفها وأثبتت ذاتها من خلال نجاحها، حاصرها هاجس الشهادة الجامعية فأمضت قرابة 10 سنوات في محاولة الالتحاق بإحدى الجامعات في الخارج فحققت مرادها استقلت بنفسها، هي فنانة تشكيلية ثلاثينية، مهندس نظم معلوماتية ومحلل أعمال، تم اختيارها كإحدى أقوى 20 مؤثرا في مجال السوشال ميديا سنة 2020، رسمت بصمتها في كافة أنحاء الدوحة من خلال رسوماتها التي زينت الشوارع، حوربت بسبب اختلاف أسلوبها الفني فعاهدت نفسها أن ترمي جميع الانتقادات وراء ظهرها وأن تمضي في مسيرتها بكل ثبات وثقة وأن ترد على المعارضين بنجاحاتها، صاحبة طموح يعانق السماء فمع تحقيق كل هدف ترسم أهدافا جديدة، الفن بالنسبة لها شغف ورسالة وأسلوب حياة ووسيلة لرفع راية بلادها في المحافل الدولية.
من الطفولة إلى الجامعة: ملاحقة الأحلام
خلافا لبقية أفراد العائلة كانت شغوفة بالعلم والدراسة منذ الصغر وهو ما جعل والدها يوليها اهتماما خاصا جدًا ويدعم طموحاتها العالية التي سبقت عمرها فغذتها بحصد العلامات المدرسية العالية، فكانت ترى في نفسها الإمكانيات والشغف الذي يؤهلها أن تكون ذات شأن وصاحبة مهنة مهمة وإنسانة وامرأة فاعلة ومؤثرة في المجتمع.
الأحلام الوردية سرعان ما اصطدمت بالواقع مع وصولها إلى المرحلة الثانوية، إذ إنها لم تتمكن من الالتحاق بالمدرسة العلمية التي كانت تطمح لها بسبب معارضة أحد أفراد العائلة لعدم إيمانه بأهمية المدارس التخصصية وهو ما أثر على مستواها التعليمي الذي انخفض بدرجة كبيرة في الثانوية العامة فلم يسعفها معدلها للدخول لتخصص الطب أو الطيران أو تكنولوجيا المعلومات الذي كانت تسعى لنيل أحدها، ورغم إصرارها على المحاولة ثانية والتسجيل بإحدى الجامعات بقطر إلا أن الخيبات واصلت ملاحقتها بسبب ضعف معدلها وهو ما جعلها تشعر بصدمة كبيرة حتى أنها قامت برمي أوراقها في سلة المهملات فور خروجها من غرفة التسجيل، لأنها شعرت أن كل الظروف لا تخدمها وكأنها تسير عكس التيار وأن جميع من حولها لا يؤمنون بأهمية التعليم ولا يفهمون رغبتها الشديدة في تحقيق شيء مميز ولم تجد غير والدها الذي وقف بجانبها وساعدها في إيجاد طرق أخرى وأوصاها بالصبر والمثابرة.
بداية متعثرة: مد وجزر
التحقت بالعمل في قطر للبترول ومنها حصلت على نسب عالية أهلتها للالتحاق بكلية شمال الإطلنطي التي كانت البوابة الأولى لنجاحها وتحقيق أحلامها حيث حصلت على دبلوم دعم حاسب آلي وعملت بجد مرة أخرى لتتمكن من الحصول على فرصة للدراسة بالخارج، لكن جهودها ذهبت سدى فبعد أن حصلت على قبول للدراسة في أمريكا سنة ٢٠٠٧ جاء الرفض الصادم من العائلة مرة أخرى بسبب العادات الاجتماعية التي ترفض سفر البنات للدراسة في الخارج، فلم تجد أمامها غير الالتحاق بالجامعة، ولكن بعد أسبوعين من الدراسة اكتشفت أنها مجرد مضيعة للوقت وقررت تغيير تخصصها واتباع شغفها في الفن فالتحقت بجامعة فرجينيا لفترة قصيرة ولكنها لم تتمكن من تحقيق التوازن بين التزاماتها في العمل ومتطلبات الدراسة.
شعاع الأمل
رغم أن كفاحها لم يوصلها لمرادها وكانت الطريق أمامها متشعبة وملتوية حيث بقيت عالقة في دوامة التحصيل العلمي والوظيفي إلى سنة 2012 إلا أنها واصلت المحاولة إلى أن حصلت على بعثة تعليمية للدراسة مرة ثانية وتكرر الرفض من العائلة التي كانت تؤمن أن المرأة مهما وصلت من درجات العلم والمعرفة فمصيرها في النهاية أن تكون ربة منزل، لكن هذه المرة ليست كسابقاتها حيث قررت أن تكسر قيود المجتمع وأن تتشبث بحلمها وأن تكون سيدة قرارها فأقنعت والدها بالوقوف إلى جانبها ومرافقتها إلى بريطانيا، ورغم خوفها الشديد من التجربة الجديدة حيث إن والدها بقي معها 10 أيام فقط لإتمام إجراءات الالتحاق بالجامعة والسكن وعاد بعدها إلى الدوحة إلا أنها كانت سعيدة جدًا ومتحمسة لخوض المغامرة.
تجربة جديدة
وجدت مدللة أبيها نفسها وحيدة في مواجهة ظروف الحياة واضطرت أن تتأقلم مع كل المستجدات والتعويل على نفسها في كافة تفاصيل حياتها وهو ما ساهم في تقوية شخصيتها بشكل كبير وجعلها أكثر مرونة وقدرة على تحمل ظروف الحياة، وعاهدت نفسها أن تتحدى جميع الصعوبات والعراقيل وأن تتخذ قراراتها بنفسها وأن لا تضيع أي فرصة للنجاح.
هندسة وفن في سجل واحد
تلك الشابة التي سافرت وحيدة وخاضت تجربة جديدة رجعت وكلها إصرار على أن تكون شخصا مؤثرا وفاعلا وأن تثبت للجميع وأولهم عائلتها أن المرأة قادرة على النجاح وترك بصمتها فكان لها العديد من الإسهامات في المحافل الدولية فيما يتعلق بإدارة المواقع والبرامج في إدارة تكنولوجيا المعلومات، وتم اختيارها كإحدى أقوى 20 مؤثرا في مجال السوشال ميديا خلال فترة كورونا من إحدى المنظمات العالمية.
وفي المجال الفني تم قبولها في برنامج الإقامة الفنية في مطافئ مقر الفنانين وتم اختيارها كسفيرة للفن القطري من قبل عدة منظمات دولية كما ساهمت في العديد من الأعمال الفنية المعروضة في مختلف أرجاء الدوحة وشاركت في العديد من المعارض ومن أهمها السنوات الثقافية قطر- أمريكا.
أما على الصعيد الاجتماعي أو التطوعي فقد عملت بشكل كبير في مجال التطوع مع الهلال الأحمر خلال أزمة كورونا 2020.
محطة مهنية جديدة
بعد 17 سنة من العمل في قطر للبترول وجدت نفسها مضطرة لمغادرة المؤسسة بعد أن رفضوا ترقيتها حتى بعد حصولها على شهادة جامعية منذ 2014 وواصلوا المماطلة، وكان تعليلهم أنها تخرجت حديثا رغم خبرتها الكبيرة في مجال العمل وقد تم رفض استقالتها ل 5 مرات لكنهم قبلوا بعد ذلك نظرًا لإصرارها، ورغم أن هذا القرار كان من أصعب القرارات التي اتخذتها في حياتها لأنها تعتبر المؤسسة بيتها وعائلتها الثانية إلا أنها لم تندم على الخطوة الجريئة والقرار المصيري ولقيت في وظيفتها الجديدة كل التقدير.
الهندسة والفن أمام ضغط التوقعات
واجهت العديد من التحديات في مختلف المحطات وعلى جميع المستويات ففي المجال المهني وقفت الشهادة عقبة في طريقها ففي كل مرة تطالب بحصولها على ترقية ترفض وحتى بعد حصولها على الشهادة الجامعية طالبت بالترقية مرة ثانية لكن تمت مماطلتها بعلة أنها خريجة جديدة فحاولت إثبات جدارتها لكنها في النهاية استسلمت واختارت الرحيل، كما تعرضت للعديد من الانتقادات كونها أول امرأة قطرية تعمل في تكنولوجيا المعلومات في قطر للبترول، حيث اعتبرها البعض وظيفة مهينة للمرأة وذكورية، لكنها جعلت من هذه الانتقادات حافزا لها واستمرت وكسبت خبرة، كما تمت عرقلتها من بعض المسؤولين في عملها الذين كانوا يخشون المنافسة وعارضوا سفرها للدراسة في بريطانيا.
على الصعيد الفني وجدت منذ بداية مسيرتها معارضة وانتقادات من بعض الفنانين بسبب أسلوبها المختلف في الفن وبسبب عدم حصولها على شهادة علمية وهو ما أصابها بالإحباط في البداية ورغم أنها التحقت بالجامعة للتخصص في الفن إلا أنها انقطعت عن الدراسة بعد سنتين بعد أن أيقنت أن الفن ممارسة وموهبة وإحساس وليس دراسة وفضلت الحصول على درجة علمية في تكنولوجيا المعلومات بدل الفن، كما اضطرت أن تغادر منطقتها المريحة وتستغني عن رفاهيتها في بلادها وتغترب فواجهت خلال هذه التجربة صعوبة لا سيما أنها المرة الأولى التي تبتعد فيها عن عائلتها.
كما اضطرت للانقطاع عن الفن في بعض الفترات لانشغالها بالدراسة ورجعت سنة 2016 واختلطت بالفنانين مرة ثانية وعاهدت نفسها أن تسلك طريقها بكل ثقة وترمي الانتقادات وراء ظهرها وتتبع قلبها وإحساسها ونجحت في الالتحاق بالإقامة الفنية.