بنا الخليفي
دليل الشخصيات ←

بنا الخليفي

بدأت العمل مبكرًا، وشقت طريقها في الشرطة النسائية حتى جمعت الخبرة الأمنية بالخدمة الاجتماعية والتدريب.

النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 49–56

بنا علي مبارك الخليفي، رائد شرطة متقاعد، وأول رئيس قسم من عناصر الشرطة النسائية في قسم التوعية بشرطة الأحداث، وضابط ورئيس قسم الدعم الاجتماعي في إدارة الشرطة المجتمعية سابقًا. عملت في وزارة الداخلية 36 عامًا، وامتدت مسيرتها في الكفاح والعمل من سن الرابعة عشرة حتى بلغت 60 عامًا وقت توثيق السيرة.

فقد مبكر ووالدة تبني القوة

فقدت والدها قبل أن تبلغ عامها الثاني، فلم تعرف ملامحه ولم تحتفظ بصورة له في ذاكرتها. وتولت والدتها تربية بناتها، فكانت لهن أمًا وصديقة ومرشدة، وشاركتهن تفاصيل حياتهن حتى أصبحن يرين العالم بعينيها. أحاطتهن بالحب والحنان، وكانت قدوة تعلمت منها الكثير، ولا تزال تسير على الطريق الذي مهدته لها وتتمسك بالمبادئ التي غرستها فيها. وقد تميزت والدتها بالذكاء والفطنة وحسن التدبير والحكمة، وعلمت بناتها الاعتماد على أنفسهن وتحمل المسؤولية؛ فتعلمن منها القيم النبيلة بالقدوة، لا بالتلقين.

سميسمة: قرية الطيبين

عاشت طفولتها في قرية سميسمة، حيث تعلمت الحكمة في التصرف والحنكة في إدارة شؤون الحياة، كما تعلمت القناعة في بيئة بسيطة. وأحاط أهل القرية أسرتها بالحب، فكان الجيران مترابطين كأنهم أسرة واحدة. ومنهم تعلمت التلقائية، والتوكل على الله، والتكافل، والكلمة الطيبة، ومراعاة مشاعر الآخرين. لذلك لم تشعر هي وإخوتها باليتم، بل شعروا بأنهم بين أهلهم. درست في سميسمة حتى الصف الثالث الابتدائي، ثم انتقلت مع عائلتها إلى بيت جدها في الدوحة، وأكملت دراستها حتى الصف الثالث الثانوي.

طفلة بألف رجل

رغم أن والدتها عملت جاهدة لكي توفر لبناتها حياة كريمة وتلبي لهم كافة احتياجاتهم، إلا أن العائلة مرت بظروف صعبة بينما كانت في المرحلة الإعدادية فاضطرت ابنة الخمسة عشر ربيعا إلى العمل لتساعد والدتها وتسعدها، فكانت تذهب في الصباح للمدرسة وتعمل العصر في شركة كيبل ويرلس «حاليًا أوريدو» في الاستعلامات، وكما عملت لفترة بسيطة في المكالمات الخارجية، وبعدها انتقلت للمؤسسة القطرية للبترول في الاستقبال والسكرتاريا.

محطات مختلفة صنعت امرأة فولاذية

التحقت بالمؤسسة القطرية للبترول بعدما قدموا عرضا لتوظيف مجموعة من الشابات القطريات نظرًا لحاجتهم لموظفات، وتطلبت الوظيفة الجديدة مشاركتها في دورة في السكرتاريا التجارية لكنها لم تكمل الدورة لأنها تزوجت وأنجبت مولودها الأول في حين أنه من شروط الدورة عدم الإنجاب خلال فترة التدريب، بعدها التحقت بمستشفى حمد قسم الطوارئ لفترة قصيرة، ثم تحولت إلى مجال آخر مختلف تماما وهو مجال التعليم والتحقت بمدرسة الريان الجديد في وظيفة إدارية.

أثرت هذه المحطات المتنوعة خبرتها، وأكسبتها مهارات عدة، وعززت شخصيتها لتصبح المرأة التي هي عليها اليوم.

الشرطة النسائية: من عشق الزي إلى شغف

رغم أن حافزها الأول لخوض هذا المجال كان الإعجاب بالزي العسكري الرسمي الذي انبهرت به إثر زيارة قامت بها إحدى العسكريات من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى قطر وكانت والدتها قد استضافتها في المنزل، وكانت تتطلع أن تتمكن في يوم ما من ارتدائه، إلا أنها وقعت في عشق هذه الوظيفة خلال فترة التدريب.

وما إن أعلن إنشاء شرطة نسائية وتوظيف قطريات، وهو ما بدا لها حلمًا بعيد المنال، حتى سارعت إلى التسجيل وخوض التجربة، وبالفعل تم تعيينها في وزارة الداخلية في الحراسة، لكن طموحها كان أكبر من ذلك فحاولت أن توجد لنفسها مكانا فدخلت للوزارة لتكون صوت المرأة في لجنة الاستقدام ولجنة الجنسية وتجنيد الشرطيات.

بنا الأم

تلك المرأة ذات الشأن والهيبة والمكانة المرموقة في المجتمع والتي شغلت العديد من المناصب تخلع الزي العسكري في البيت وترتدي ثوب الأمومة، فهي في البيت امرأة تقليدية قليلة الاختلاط والزيارات وحضور المناسبات تعشق أركان منزلها، ولا تخرج منه إلا للعمل أو للضرورة، فقد أنشأت عائلة متماسكة متكونة من ست بنات وولدين وهي تولي أسرتها اهتماما كبيرا وتفعل ما بوسعها لإسعادهم وقضاء أطول وقت معهم، كما أنها تحب المطبخ وتحرص على الاهتمام بطلبات ورغبات كل فرد من أفراد أسرتها، وتهتم بأبسط تفاصيل أبنائها حتى أزواج بناتها وزوجات أبنائها، وهي تقدس يوم الجمعة الذي تجتمع فيه عائلتها فتلبي لهم رغباتهم بكل سعادة.

التحديات: معارضة الأم وتحفظات المجتمع

خلال فترة الطفولة كانت ترى الحياة وردية حيث كانت محاطة بأشخاص طيبين وإخوة محبين وأم حنونة مدبرة ورصينة وتجيد التصرف وحرصت على جعل بناتها يعشن طفولة سعيدة ومتوازنة، لكن ما إن كبرت قليلا وبلغت سن الرابعة عشرة حتى أدركت حقيقة الظروف الصعبة التي كانت تمر بها العائلة فقررت مساعدة والدتها والتعويل على نفسها وتحمل مسؤوليتها دون أن تجعل والدتها تشعر بالتقصير فالتحقت بالعمل في شركة «كيبل ويرلس» وهو المكان الوحيد الذي قبل توظيفها نظرًا لصغر سنها واقتصار عمل النساء في تلك الفترة على مجال التعليم.

أما التحدي الثاني فكان في بداية مسيرتها في الشرطة، حيث لقيت معارضة كبيرة من والدتها التي لم تؤيد قرارها لأنها كانت تفضل عمل ابنتها في مجال التعليم الذي كان في تلك الفترة من الوظائف المقدسة، في حين أن الشرطة مجال جديد للمرأة، وكانت الأم تعتبر أن ابنتها تستحق وظيفة أعلى، حتى إنها لم تقتنع إلا بعد مرور وقت طويل رغم أنها هي نفسها كانت أول عريف في الشرطة العسكرية، وكانت تعمل سجانة إلا أنها كانت تتمنى لابنتها مجالا أفضل، إضافة إلى تحفظ المجتمع على عمل المرأة في بعض المجالات التي كانت تعتبر مجالات خاصة بالرجال، فلم يكن من السهل خوض مجال جديد ومواجهة الجميع، لكنها اجتهدت وثابرت لتثبت للجميع أنها على قدر المسؤولية وأن هذا العمل ضرورة وليس رفاهية، لم تكن هذه المهمة سهلة، بل استغرقت سنوات لتغيير الأفكار كما أنها اجتهدت خلال مسيرتها في مختلف المحطات لتطوير عملها فلم يكن من السهل إحداث التغيير في مجتمع خليجي.

أما أكبر التحديات بالنسبة لها فكان إكمال تعليمها، لا سيما أنه لم يكن من السهل الحصول على الموافقة، لكنها لم تستسلم وفضلت أن تحارب من أجل تحقيق حلمها والوصول لطموحها ليكون لها بصمة وشأن، حيث إن فترة دراسة البكالوريوس كانت من أصعب فترات حياتها، فكانت تقسم يومها بين العائلة والوظيفة والجامعة، إذ إنها لم تحصل على تفرغ وهو ما جعلها منهكة طوال الوقت، لأنها لا تحصل على قدر كاف من الراحة والنوم، ولكنها في النهاية أثبتت لنفسها وللجميع أنها قادرة على تذليل كافة الصعوبات.

كفاح لإثبات الذات

لم يكن من السهل تغيير فكر المجتمع الجامد، فحاولت وزميلاتها إثبات أن وجود الشرطة النسائية ليس من باب الرفاهية، بل ضرورة فعملت لفترة وجيزة في مبنى وزارة الداخلية، ثم تم بعد ذلك إلحاقها بلجنة الاستقدام التي عملت فيها لفترة قصيرة إلى سنة 1990 حيث تم إنشاء قسم البطاقات الشخصية ونقلت إليه.

وفي سنة 1994 قررت مواصلة دراستها الجامعية وتخرجت في جامعة قطر حاصلة على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية بتقدير جيد جدًا، ثم انتقلت إلى إدارة شرطة الأحداث للعمل اختصاصية اجتماعية.

وفي عام 2004، تولت رئاسة قسم التوعية والإعلام. وخلال تلك الفترة، درست الماجستير وطورت خبرتها في التوعية، وأجرت مقابلات صحافية وتلفزيونية، ونظمت برامج ومحاضرات وندوات وملتقيات وورش عمل دولية شارك فيها مختصون من كندا وأستراليا وبريطانيا. وكانت تسعى من خلال هذه المؤتمرات إلى تطوير الخدمات المقدمة للأحداث.

وفي عام 2015، انتقلت إلى الشرطة المجتمعية بصفة ضابط دعم اجتماعي، مع احتفاظها برئاسة القسم. وعملت في مجال الأسرة الذي تحبه، فتواصلت مع الأسر مباشرة وسعت إلى حمايتها من التفكك. ووجدت في هذا العمل ما ينسجم مع رسالتها، فواصلت تطوير نفسها وتقدمت للدكتوراه، وناقشت دور الاختصاصيين الاجتماعيين وسبل تطوير عملهم. وحصلت على شهادة الدكتوراه، إلا أنها لم تكن قد اعتمدت وقت توثيق السيرة.

التقاعد ورحلة التدريب

تقاعدت أواخر عام 2019 وتفرغت للتدريب. وهي حاصلة على سبع شهادات في التدريب والتقييم، بصفتها مدربة معتمدة ومؤهلة لتقييم المدربين، وقد استثمرت خلاصة خبراتها في البرامج التي تقدمها في مجال الاستشارات الأسرية.

رحيل الأم جرح لم يندمل

رغم أن والدتها شاركتها فرحتها وشهدت تكريمها وكانت إلى جانبها في مختلف محطات مسيرتها المشرفة إلى أن حصلت على رتبة نقيب وكانت فخورة أن ابنتها أعلى رتبة في الشرطة النسائية، إلا أنها شعرت أن والدتها رحلت باكرا قبل أن تشهد حصولها على الماجستير عام 2013 والدكتوراه وقبل أن تراها برتبة رائد، وقد شكلت وفاتها نقطة فارقة في حياتها وأخواتها، فهي لم تكن بالنسبة لها الأم فحسب، بل كانت ملهمتها وصديقتها الناصحة والموجهة.

رد الجميل للأم ولقطر

خلال مختلف المحطات التي مرت بها كانت غايتها الأولى رد الجميل لوالدتها التي أمضت حياتها في الاهتمام ببناتها ورعايتهن، ففي كل خطوة ومن خلال كل قرار كانت تفكر في إسعاد والدتها وأن تكون على قدر آمالها وألا تخذلها وتثبت لها وللجميع أن الأم الأرملة نجحت في تربية بناتها أفضل تربية، فجعلت من إصرارها وعزيمتها وتعليمها المستمر والطموح غير المحدود والتطور الدائم في حياتها سلاحها للنجاح حتى تمكنت من الحصول على العديد من المناصب والشهادات حتى أنه تم تكريمها كأم مثالية في الإمارات.

وترى أن من حق الدولة عليها أن ترد لها الجميل؛ فهي تستحق الأفضل، ولم تقصر في حق أبنائها، بل منحتهم الفرص.