

إيمان الكعبي
لاحقت شغفها بالإذاعة حتى فتح لها الإصرار باب الأخبار والتقديم، ثم وسعت أثرها بالعمل التطوعي.
النسخة النسائية الأولى · 2022 · الصفحات 33–40
إيمان صقر الكعبي، إعلامية ومذيعة في إذاعة قطر، وأول امرأة قطرية تكلف رسميًا برئاسة تحرير الأخبار فيها، ورئيسة قسم التواصل الاجتماعي منذ عام 2020.
بيت يوقظ شغف الإذاعة
ولدت في عائلة قطرية محافظة ملتزمة بالعادات والتقاليد، فوالدها إمام مسجد، حرص أشد الحرص على غرس المبادئ والأخلاق الحميدة في بناته الستة وولديه، وتمكن من توفير بيئة أسرية متوازنة ما أتاح لأبنائه الاستمتاع بطفولة هادئة وبسيطة، حيث شجع الأبوان أبناءهما على الإبداع والتميز في الناحية الأكاديمية، فكانت فتاة جريئة تشع حماسا وحيوية ومهووسة بالإذاعة وشغوفة بالتمثيل، لا تفلت فرصة للبروز والتميز والإبداع، سواء من خلال مشاركاتها في الإذاعة المدرسية في مختلف المستويات الدراسية، أو من خلال بقية الأنشطة المختلفة إذ شاركت في المرحلة الابتدائية في مسرحية عرضت على مسرح التربية مقابل دار الكتب القطرية في تلك الفترة.
رحيل الأم ومسؤولية مبكرة
دق الفقد أبواب العائلة عندما كانت في سن صغيرة في المرحلة الابتدائية، حيث توفي والدها فتولت والدتها – حفظها الله – تربية بناتها الستة وولديها، وكان لها الفضل فيما وصل له أبناؤها من تميز ونجاح، فقد بذلت التضحيات لتتمكن بناتها الستة من تحصيل تعليم جامعي، ونجحن في تولي مناصب مهمة في تخصصات مختلفة.
عشق الإعلام
ساهمت الظروف العائلية ومحيطها ومختلف الأنشطة التي كانت تمارسها في مرحلة الطفولة في صقل شخصيتها، وبناء شخصية واثقة طموحة وغير مترددة، وعندما تخرجت من الثانوية كانت تطمح للتخصص في الإعلام لكن هذه الرغبة قوبلت بالرفض من العائلة وهو ما جعلها تدخل كلية العلوم والإنسانيات قسم اللغة العربية تخصص لغة عربية بتوجيه من عائلتها، لكن فرض هذا التخصص عليها جعلها تشعر بالإحباط ووقف حاجزا دون تحقيق أحلامها.
خمسة أعوام خارج الحلم
بعد تخرجها سعت والدتها جاهدة لتوظيفها كمعلمة لغة عربية، وفعلا دخلت مجال التدريس وعملت به لمدة خمس سنوات، لكنها لم تشعر يوما أنها في المكان المناسب، ولم تجد شغفها رغم احترامها لمهنة التدريس التي تعتبرها مهنة مقدسة ورسالة سامية، وفيها الكثير من المتعة رغم صعوبتها وبقي حلم الصحافة يلاحقها، وفضلت محاولة إقناع أسرتها بتغيير مجال عملها، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل.
الزواج يفتح أبواب النجاحات وتحقيق الأحلام
بعد الزواج وإنجاب ابنها الأول أعلمت زوجها برغبتها في ملاحقة شغفها، وتغيير اختصاصها فرحب بالموضوع ولم يمانع وخاصة أن العمل كمدرسة كانت تصاحبه العديد من الضغوط مثل أوقات العمل غير المرنة ومواصلة العمل في المنزل لإصلاح امتحانات الطلبة، وبالفعل قدمت طلبا للالتحاق بإذاعة قطر، وسرعان ما جاءت الموافقة والتحقت سنة 2009 بقسم الأخبار وعملت كمحررة، وقد شعرت أنها تنتمي إلى هذا المكان، وأنها تحقق من خلال هذا العمل ذاتها فشعرت فيه بالارتياح وبدأت تضع قدميها على طريق تحقيق الحلم.
زوج داعم ومساند
تمكنت من تخطي أصعب التحديات في حياتها، وتحقيق طموحاتها بفضل زوج متفهم مساند لها منذ بداية دخولها المجال، وهو إلى جانبها في كل محطاتها ومنحها ثقة كبيرة كما أنها لطالما وضعت هدفها نصب عينيها وضعت خططا لتحقيقها ولم تتخل عن طموحها، وهو ما ساعدها على الوصول إلى بر الأمان.
اكتساب الخبرة وتطوير الموهبة
خلال سنوات عملها كمحررة من 2009 إلى 2018 تفجرت الموهبة وبدأت القدرات الكامنة تظهر نظرًا لشغفها الكبير بالمجال، وأثرت هذه المرحلة بشكل كبير في إطلاق العنان لفكرها وصقل قدراتها وكسب تجربة وخبرة كبيرة، فتمكنت بفضل الله من تحقيق نجاح كبير في قسم الأخبار، ولم تتوقف عند تقديم الأخبار، بل خاضت تجربة الإعداد للبرامج الاقتصادية والسياسية والنشرات والتقارير، التي جعلتها أكثر حنكة ودراية في مجال الأخبار وزيادة المعرفة الإخبارية.
رئيس قسم الأخبار في إذاعة قطر
سنة 2018 شهدت مسيرتها منعطفا كبيرا، حيث تم تعيينها رئيسا لقسم الأخبار في إذاعة قطر وهي ثقة كبيرة من الرئيس التنفيذي للمؤسسة القطرية للإعلام، لتكون أول امرأة قطرية تكلف بمنصب رئيس تحرير الأخبار بشكل رسمي وحققت منذ تعيينها لسنة 2020 نقلة نوعية في قسم الأخبار إلى جانب مراقب الأخبار الذي كان يثق بها بشكل كبير، وتمكن القسم بفضل العمل بروح الفريق الواحد من تحقيق نجاح كبير في فترة زمنية قياسية.
رئيس التواصل الاجتماعي بإذاعة قطر
بعد مرور سنتين على تولي منصب رئيس قسم الأخبار وتحديدا سنة 2020 قرر مدير الإذاعة بعد ملاحظته للجهود الكبيرة المبذولة والنجاح المتواصل، تكليفها بمنصب رئيس التواصل الاجتماعي بإذاعة قطر، وكان الانتقال للمنصب الجديد قرارا صعبا ومفصليا في حياتها، لأنها تعتبر نفسها تنتمي إلى مجال الأخبار، وهي أكثر خبرة في هذا المجال الذي أمضت فيه قرابة عشر سنوات، لكن نظرة ورؤية مدير الإذاعة كانت مختلفة، حيث كان يرى ضرورة تدوير الكفاءات في الإذاعة لمساواة مستواها، ورغم أن التجربة كانت جديدة إلا أنها تمكنت من إحداث نقلة كبيرة في التواصل الاجتماعي بفضل الفريق المتفهم والمتجانس، حيث تم وضع رؤية متكاملة ومجموعة من الخطط والعمل عليها لمواكبة الطفرة التكنولوجية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتم بفضل الله تحقيق نجاح باهر في وسائل التواصل الاجتماعي لإذاعة قطر ورغم ما قدمته من خلال المناصب التي تولتها إلا أنها شعرت أنها لم تحقق الحلم الذي كانت تصبو إليه ولم تصل إلى طموحها وهو الوقوف أمام المصدح على الهواء.
التقديم الإذاعي… حلم يتحقق أخيرا
لم تيأس ولم تتخل عن طموحها، فظلت تحاول الوصول إلى غايتها وأجرت العديد من التجارب الصوتية التي باءت بالفشل، وقدمت طلبا للإذاعة أكثر من مرة وقوبلت بالرفض لكنها بقيت تتدرب لتحسين أدائها الصوتي وقدراتها، وفي الوقت الذي بدأ فيه اليأس يتسلل إلى قلبها وقررت فيه خدمة الإذاعة بالطرق المتاحة تواصل معها راديو مؤسسة قطر ليمنحها الفرصة لتحقق طموحها وبالفعل قدمت أول برنامج صباحي مباشر «برنامج صباحكم خير» عام 2015، وفي الوقت نفسه واصلت التدريب والمحاولة فاستجابت إذاعة قطر لإصرارها وأسندت لها برامج صغيرة مباشرة، وسرعان ما تمكنت من إثبات قدرتها على التقديم الإذاعي المباشر، وكسبت ثقة المسؤولين حتى تحقق الحلم أخيرا وكلفت سنة 2020 بتقديم برنامج «وطني الحبيب صباح الخير» وهو ما تعتبره خطوة مهمة في مسيرتها المهنية باعتبار أن هذا البرنامج هو شريان البرامج الإعلامية سواء المرئية والمسموعة في دولة قطر، وأحست بالمسؤولية الملقاة على عاتقها، ووفقت بفضل الله في تقديم هذا البرنامج.
رسالة ربانية وبداية المشوار مع قطر الخيرية
سنة 2016 وفي الوقت الذي كانت تمر فيه بظروف أسرية صعبة بعد تعرض أختها لحادث سير، وهو ما تسبب في أزمة نفسية لها وتراجع حماسها وانطفاء شعلة النشاط التي كانت تتمتع بها، تواصلت معها جمعية قطر الخيرية لتكون سفيرة التواصل الاجتماعي رغم أنها لم تكن فاعلة في العمل التطوعي والإنساني، هذا الترشيح كان سببا في تغير نظرتها للحياة بشكل جذري، حيث شعرت أن هذا الترشيح جاء لينتشلها من الحالة التي كانت تمر بها فوافقت على الانضمام لها دون تردد.
عشق العمل التطوعي ورؤية جديدة للحياة
رغم أن الانضمام لقطر الخيرية لم يكن خيارا بالنسبة لها بقدر ما كان صدفة وفرصة، إلا أنها مغامرة غيرت مسار حياتها ورؤيتها وطريقة تفكيرها، حيث بدأت التجربة في مارس 2016 بعد رحلة مع الجمعية لزيارة بنغلاديش لميتم بنين وبنات ومجموعة من المدارس التي أقيمت بفضل عطاء أهل قطر، فكل يتيم قابلته كانت لديه قصة مؤثرة ورسالة، ورغم ما يعانيه هؤلاء من فقد وحرمان، إلا أنهم لم يفقدوا الأمل في الحياة. وبعد هذه التجربة، أصبح العمل التطوعي جزءًا من حياتها ومن ذاتها وانغمست فيه وأجرت عدة زيارات لبلدان مختلفة من بينها زيارة للاجئين السوريين في الحدود التركية والمخيمات في عرسال واستمعت إلى قصص المتضررين وكانت كل قصة بالنسبة لها درسا وعبرة لتعرف قيمة النعم التي تعيشها فصارت تنظر للحياة من منظور جديد، نظرة أكثر جدية وعمقا لا سيما بعد مقارنة حياتها بحياة هؤلاء الأشخاص الذين يرزحون تحت وطأة الحروب والفقر والجوع بعد أن أجبروا على ترك بيوتهم وفقدوا أبناءهم وأفراد عائلاتهم وحتى أجزاءً من أجسامهم. بعد كل هذه التجارب أيقنت أن الحياة لا تستحق كل هذا القدر من الصراعات والخلافات والحقد والحسد والمكائد، بل يجب أن نعيشها بسلام.