

محمد الصايغ
جمع التمثيل والبحث في الفنون الشعبية، وأسهم في توثيق التراث وتقديمه للأجيال الجديدة.
النسخة الرجالية · 2024 · الصفحات 516–523
محمد ناصر الصايغ، ممثل وباحث في الفنون الشعبية.
النشأة والطفولة
ولد في منطقة خليفة الجنوبية وهو ينتمي لعائلة الصائغ التي تعرف بكونها عائلة تقليدية محافظة محبة للتراث والأصالة تعمل منذ أجيال في مجال الذهب، وخلافًا لبقية أفراد عائلة الصايغ لم يكن والده يمتلك محلًا للذهب، وكان يسكن بعيدًا عن بقية أفراد أسرته وهو ما جعله يربي أبناءه الثمانية في ظروف اجتماعية متوسطة.
ورغم بساطة الحياة وتواضع الإمكانيات عاش طفولة جميلة ونشأ على حب الفنون لا سيما الفن التشكيلي، وبزغت ميوله الفنية منذ سن مبكرة فكان عاشقًا للموسيقى والمسرح والرسم وكافة الفنون الشعبية رغم تشدد والده الذي لم يكن يقبل أي أنشطة قد تشتت أبناءه عن تحصيل العلم والمعرفة، وجد متنفسًا لممارسة شغفه والتعبير عن ذاته في بيت جيرانهم وإخوته بالرضاعة الذين كان بيتهم محتضنًا للفنون بشتى أشكالها لا سيما الموسيقى والفنون الشعبية.
المسار التعليمي
دخل روضة المنتزه سنة 1986 م ومنذ بداية مسيرته في تحصيل العلم تميز بحدة الذكاء والفطنة والتميز في المواد الفنية فكانت موهبته في الرسم واضحة جلية. في عام 1993 م وبينما كان في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة عثمان بن عفان انضم إلى أكثر من نشاط فني ودخل عالم التمثيل عبر بوابة المسرح، الأمر الذي لم يكن مقبولًا من والده الذي اعترض بشدة على هذا النشاط لكنه لقي تشجيعًا من والدته التي كانت تدعم كل طموحاته وتؤمن بقدراته، كما لقي دعمًا من عيسى عبد المنعم ومن العديد من المدربين الذين أثروا في الحركة الفنية في الثمانينيات والتسعينيات، وكان يقسم وقته بين المسرح والموسيقى، حيث تدرب على يدي عبد العزيز حجازي ولقي تشجيعًا من سعد الشروقي.
وفي هذه الفترة تجاوز شغفه بالمسرح والموسيقى الهواية ووصل لدرجة الهوس لا سيما بعد أن تسلطت عليه الأضواء عقب ظهوره في التلفزيون ضمن تغطية النشاط المدرسي من المجلة التربوية.
في الصف السادس انتقل إلى مدرسة أسامة بن زيد الإعدادية في منطقة الدفنة، لكنه لم يتمكن من الاندماج في أجواء المدرسة التي لم يكن لها نشاط مسرحي واقتصر نشاطها على الموسيقى فقرر العودة إلى مدرسة عثمان بن عفان ليعود إلى الخشبة التي أسرت قلبه وعقله.
في المرحلة الإعدادية نما هذا الشغف وأصبح أكثر تعلقا بكل ما هو تراثي، فكان لا يفوت فرصة للمشاركة في العرضة، وفي أحد الأيام لفت أداؤه انتباه أحد أفراد الفرقة الشعبية ودعاه للالتحاق بفرقة مبارك بن سعيد السليطي، وهي واحدة من أكبر وأقدم الفرق الشعبية في قطر، كانت تمارس الفنون الشعبية وعلى رأسها العرضة وفنون البحر، بالفعل عزف معهم وحصل على مقابل مادي مجزٍ رغم صغر سنه وهو ما جعله يشعر بالفخر.
في المرة الموالية تلقى نقدًا لاذعًا منه طرار النصر الذي علق على قصر قامته وصغر سنه، فشعر بالإحراج والخيبة وهم بالمغادرة، لولا تدخل صديق طفولته بخيت عبد الله وليد -أصبح لاحقًا صاحب فرقة (ألفين) للفنون الشعبية، التي تعد واحدة من أبرز الفرق القطرية في الدولة- وأقنع صاحب الفرقة بضمه وكانت تلك الانطلاقة الفعلية لنشاطه ضمن الفرق الشعبية.
حبه الشديد للفن جعله عرضة لعقاب والده الذي كان في كل مرة يعاقبه عقابًا أشد من سابقاتها بسبب رفضه الانصياع للأوامر وإهماله دراسته.
الدخول الفعلي للمسرح
بعد التحاقه بفرقة مبارك بن سعيد ابتعد عن النشاط المسرحي، لكن بعد توقف نشاط الفرقة انضم لفرقة اللؤلؤة، وبها التقى عبد الرحيم الذي كان ينشط في المسرح، وأتيحت له فرصة المشاركة في نسخة جديدة من مسرحية (افتح يا سمسم) مع الفنان الكبير عبد العزيز جاسم رحمه الله، وقد لقيت شخصيته التلقائية والعفوية إعجابًا من الفنان عبد العزيز جاسم والفنان فالح فايز اللذين كان لهما دور كبير في دعم مسيرته، فكان يقسم وقته بين المسرح والفرقة، ويحرص على العودة للبيت في وقت مبكر لكيلا يتعرض لعقاب والده.
نشاط رياضي
بالتوازي مع نشاطه الفني كان له نشاط رياضي، إذ التحق بمنتخب السباحة وحصل على جوائز عدة، وكان محاطًا بمجموعة من الأسماء اللامعة في هذا المجال سواء من المدربين أو الإداريين أو بقية زملائه من الرياضيين، وبفضل تميزه في مجال الرياضة رشحه المدرب للسفر إلى بريطانيا للمشاركة في إحدى الدورات، لكن والده اعترض على سفره بسبب خطورة هذه الرياضة، هذا الموقف جعله يتوقف عن ممارسة النشاط الرياضي.
تعطل المسيرة التعليمية وتكثيف النشاط الفني
شغفه الكبير بالفن جرفه بعيدًا عن الدراسة فتراجع مستواه بشكل ملحوظ في السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، وفي السنة الثانية قرر الانقطاع عن الدراسة، ورغم ضغط عائلته الكبير عليه لمواصلة تعليمه إلا أنه كان يهرب من المدرسة وانقطع عنها، وبعد سنوات عاد للدراسة وحصل على الثانوية ودبلوم تكنولوجيا IT.
في هذه الفترة كثف نشاطه مع فرقة اللؤلؤة التي احتضنته وطورت مهاراته، في الوقت ذاته واصل نشاطه المسرحي وكثفه وشارك في مسرحية (في بيتنا مرشح) مع المرحوم عبد العزيز جاسم، وبعدها (وزير الناس) وفي العديد من مسرحيات الأطفال، وبدأ مشواره بنشاط وجدية في مجال المسرح.
أواخر التسعينيات دخل مع فيصل التميمي في سمرة شعبية، وانضم لفرقة الفنون المسرحية ودمج بين المسرح والطرب، وسجل حلقات السمرة التي بلغ عددها عشرين حلقة وعندما بثت عبر التلفزيون تسببت في ضجة كبيرة في العائلة، حيث لقي استياءً كبيرًا من والده ومعظم أفراد العائلة الموسعة، وخيروه بين الفنون الشعبية والمسرح فاختار المسرح.
نجاحات في التلفزيون
شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية في قطر والإمارات والبحرين مع كبار الفنانين الخليجيين، وقدم أعمالا ناجحة أثرت بشكل كبير في المجتمع الخليجي، وحصل على العديد من الجوائز في المسرح، منها المركز الأول والثاني، وشارك في العديد من المهرجانات.
عودة للنشاط الفني من بوابة الكتابة
سنة 2015 م عمل مع لجنة التراث في كتارا والتقى بالباحثة سلمى النعيمي، التي كانت على درجة عالية من الثقافة والإلمام بمختلف الفنون الشعبية وطلبت منه جمع وتسجيل جميع المعلومات عن الفنون الشعبية واستثمار تجاربه المتنوعة لإقامة مجموعة من الأنشطة الثقافية أهمها مهرجان النهمة عن الفنون الشعبية، هذا الاهتمام والدعم الذي لقيه حفزه على خوض تجربة الكتابة فكتب كتابه الأول «الفجري وفنون العمل على ظهر السفينة في قطر» سنة 2020 ولقي أصداء طيبة من الباحثين في المجال ومن النقاد في دولة قطر وفي كافة دول الخليج ومن وقتها انطلق في مجال الكتابة في مجال الفنون الشعبية في مختلف المجالات وقد لقي توجيها وإرشادًا من العديد من الباحثين الكبار وكان أول من يوثق التراث من خلال كتب بتفاصيل دقيقة.
مواقف لا تنسى
من بين المواقف التي رسخت في عقله وأثرت فيه بشكل كبير مشاركته في عرض فنون شعبية لإحدى الفرق الفرنسية التي حلت ضيفة على قطر، فكان يلعب بالبندقية في العرضة، وحضر هذا الحدث الثقافي العديد من الشخصيات الثقافية من بينها الشاعر سعيد البديد وحارب الحارب وغيرهما، لكن أداؤه لم يرتق إلى مستوى توقعات الحارب فوبخه بقسوة على سوء أدائه، وهو ما أثر كثيرًا في الطفل الذي انزوى بعيدًا وحيدًا، إلا أن الشاعر سعيد البديد أخذ بيده وشجعه وعلمه طريقة اللعب الصحيح بالبندقية وما زال إلى اليوم يتذكر ويتقن ما عمله إياه.
ويتذكر بداية ولعه بآلة الصرناي التي كانت من الآلات الصعبة التي لا يوجد لها عازفون كثر، بدأ هذا الولع واشتعلت شرارته على يدي الفنان دحلان الحمد الذي أهداه آلة الصرناي بعدما لاحظ اهتمامه بها واشترط عليه الالتزام والتفوق في الدراسة، فتعلم على يد العازف الكبير كافور مبارك أشهر من عزف على آلة الصرناي في دول الخليج، ولقي دعمًا وتشجيعًا من الفنان خالد جوهر الذي حرص على تعليمه فنون البحر ولفجري، ورغم أن هذا الفن لم يكن يستهويه في البداية إلا أن خالد جوهر لمس فيه موهبة استثنائية وأصر على تعليمه تفاصيل هذا الفن ليبرع فيه بعد ذلك ويمسك بنواصيه كافة ويكتب عنه أول كتاب موسوعي وثائقي في قطر عن فنون العمل على ظهر السفينة في دولة قطر.
العلاقات الإنسانية
يرتبط بعلاقات طيبة مع كل أبناء الوسط الفني سواء في مجال التمثيل أو الفنون بسبب حبه للجميع وابتعاده عن كل ما يثير الخلافات، إلا أن هناك عددًا من الفنانين ارتبط بهم عاطفيًا أكثر من غيرهم وتجاوزت علاقتهم العلاقات الإنسانية والمهنية لتكون علاقات شخصية وطيدة، ومن بين هؤلاء الفنانة فاطمة شداد رحمها الله التي كانت قد توقفت عن التمثيل والمسرح لمدة 20 عامًا أو أكثر، لكنه استطاع أن يعيدها مرة أخرى من خلال مسرحية (مجاريح)، ومسرحية (البوشية) التي جسدت فيها الفنانة فاطمة شداد شخصية الجدة، واعتمد هذا العمل على الخيال الحسي من خلال تعبيرها عن حفيدتها فأدت البطلة النهمة ردًا على الفنان والنهام عمر بو صقر كنوع من تخاطب المشاعر بين الشخصيات، علمًا أن المرأة في الواقع لا تنهم باعتباره نشاطًا خاصًا بالرجال، وقد لقيت المسرحية نجاحًا كبيرًا وحصدت جوائز عديدة محليًا وعربيًا ودوليًا، وعادت فاطمة لتتألق في هذا العمل وتجسد دورًا لم يسبقها إليه أحد وهو النهمة، فلم يسبق أن أدت امرأة دور النهمة، وحصدت العديد من الجوائز واستعادت بريقها ومثلت الدولة وكانت نجمة حفلات سوق واقف.
مشاركات دولية
في سجل العديد من المشاركات الدولية، شارك مع فرقة BREABASH العالمية فمزج بين الآلات القطرية والغربية في المهرجان البريطاني، وشارك في العديد من المهرجانات الثقافية خارج الدولة وحمل على عاتقه مهمة نشر الموروث الشعبي القطري حول العالم، ومثل قطر في العديد من البلدان مثل مصر، سوريا، لبنان، عمان، الإمارات، البحرين، السعودية، الكويت، الهند، الصين، كوريا، اليابان، إندونيسيا، ماليزيا، هونج كونج، سنغافورة، بانكوك، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، إيطاليا، كوبا، الولايات المتحدة الأمريكية، لندن، قبرص والمغرب.
تكريم وتقدير
حصل على العديد من شهادات التقدير والتكريم من مؤسسات وجهات مختلفة بسبب نبوغه وتفرده في مجال الفنون الشعبية وكذلك في التمثيل المسرحي والتلفزيوني، فحصل على شهادة تقدير من مركز الموسيقى القطري كعازف آلة الطنبورة والصرناي، وعشرات شهادات التقدير والجوائز التي حصل عليها خلال مشواره الحافل، وحصد جائزة أفضل ممثل دور أول، وكذلك جائزة أفضل ممثل دور ثانٍ بمهرجان الدوحة المسرحي، وكرم كذلك في العديد من المهرجانات المسرحية العربية التي كان له حضور كبير من خلال مشاركاته بها.
نجوم خليجية
نجح في بناء علاقات وثيقة مع الفنانين داخل قطر وخارجها، وهو الأمر الذي ساعده في عمله كباحث في التراث الموسيقي، فكان يقارن بين الفنون في قطر والدول المجاورة، وقد سافر إلى العديد من الدول من أجل الحصول على معلومات أو للقاء إحدى الشخصيات خاصة من الفنانين كبار السن الذين حرص على أن يلتقيهم ويسجل شهاداتهم المهمة.